قائمة الموقع

غوتيريس يشارك في اغتصاب القدس

2017-02-09T08:15:10+02:00
القدس المحتلة
حلمي موسى

أثار الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس غضباً واسعاً في الأوساط العربية والإسلامية، عندما أشهر مخالفته لقرار «اليونيسكو» بشأن اعتبار الحرم القدسي تراثاً إسلامياً خالصاً وإصراره على أن المسجد الأقصى بني مكان الهيكل اليهودي. وجاءت أقوال غوتيريس في مقابلة مع الإذاعة العامة «الإسرائيلية» بمناسبة اليوم العالمي لذكرى المحرقة النازية، حيث أكد إيمانه بالصلة «بين القدس واليهود»، زاعماً أن ذلك “واضح وضوح الشمس”.

حملت السلطة الفلسطينية على تصريحات غوتيريس واعتبرتها مناقضة لقرارات الأمم المتحدة التي يرأسها، وانتهاكاً فظاً لقرارات اليونيسكو.

وكانت «إسرائيل» قد أبدت رضاها عن المواقف التي أعلنها غوتيريس، وهو رئيس وزراء سابق للبرتغال، لمناسبة ذكرى يوم المحرقة النازية، حينما أعلن عن تنامي اللاسامية في العالم ووجوب محاربتها.

وأشار معلقون إلى أن غوتيريس يجسد في كلامه توافقه مع السياسية الأمريكية الجديدة بشأن «إسرائيل». غير أن آخرين اعتبروا أن غوتيريس بكلامه عبر عن مواقفه الدينية ككاثوليكي متدين رغم ماضيه كزعيم اشتراكي.

وأجرت الإذاعة «الإسرائيلية» العامة باللغة العبرية مقابلة مع غوتيريس، تناول فيها القرارات المعادية ل«إسرائيل» التي تتخذها المنظمات الدولية خصوصاً قرار اليونيسكو في أكتوبر  (تشرين الاول) الفائت بشأن الحرم القدسي كتراث إسلامي خالص. وقال غوتيريس إنه "يؤمن بالصلة بين القدس واليهود، ولا يوجد أي شيء يمكنه أن ينكر حقيقة أن القدس مدينة مقدسة في الديانات الثلاث". وأضاف: واضح كوضوح الشمس أن "الهيكل المقدس في القدس الذي هدمه الرومان كان هيكلاً يهودياً".

ومعروف أن «إسرائيل» منذ صدور القرار وهي تعمل على استغلال كل مناسبة لدفع القيادات الدولية إلى إفراغ قرار اليونيسكو من كل معنى بإصدار تصريحات مناهضة له. وقد جرى ذلك أولاً مع الأمينة العامة لمنظمة اليونيسكو إيرينا بوكوفا التي اعتبرت أن مدينة القدس القديمة مقدسة بالنسبة للديانات السماوية الثلاث (الإسلام واليهودية والمسيحية). وشددت بوكوفا في حينه على أن التراث في مدينة القدس غير قابل للتجزئة، وأن الديانات الثلاث في القدس تتمتع بالحق في الاعتراف بتاريخها وعلاقتها مع المدينة.

كما تنصل الأمين العام للأمم المتحدة السابق بان كي مون، في حينه، من قرار اليونيسكو معلناً أن «المسجد الأقصى هو المكان المقدس لدى المسلمين وهو أيضاً مكان مقدس لدى اليهود، حيث إن الحائط الذي يحد الحرم القدسي من الجهة الغربية هو من أقدس المواقع عند اليهود، والذي يبعد بعض الخطوات عن كنيسة القيامة وجبل الزيتون اللذين يعتبران أيضاً من المواقع الموقرة والمقدسة لدى المسيحيين». وقد تبنى في ذلك الأساطير التي ثبت عدم وجود أي سند علمي أن هيكل سليمان مكان المسجد الأقصى.

ويدعي اليهود بأن حائط البراق الواقع في السور الجنوبي الغربي للمسجد الأقصى وطوله نحو 50 مترًا وارتفاعه نحو 20 مترًا، هو الجزء المتبقي من الهيكل، وأنه أهم المعالم اليهودية. وبسبب هذا الادعاء كان أول عمل قامت به «إسرائيل» فور احتلالها مدينة القدس عام (1967) الاستيلاء على حائط البراق، وتدمير حارة المغاربة، وضم حارة الشرف، لتكون ساحة لعبادتهم عند الحائط بعد طرد سكان المنطقة العرب. ويدعي اليهود أيضاً أن مملكة سليمان اتخذت من القدس ومنطقة الحرم مقراً لها وهو ما تنكره حتى الآن كل الدراسات التاريخية والاكتشافات الأثرية. ويؤمن كثير من العلماء أنه لا أساس البتة لوجود هيكل سليمان والذي ليس في الواقع سوى أساطير نسجت على ألسنة أحبار وحاخامات اليهود في أزمنة لاحقة.

في كل حال أثارت مواقف بوكوفا وبان كي مون ومن بعدهما غوتيريس غضب العرب والمسلمين الذين رأوا فيها تنصلاً من وقائع التاريخ وقرار اليونيسكو الذي حاول أن يمنع «إسرائيل» من مواصلة مساعيها لتهويد المدينة المقدسة وفرض واقع جديد في الحرم القدسي. ومعروف أن «إسرائيل» تحاول في الأعوام الأخيرة تكثيف الجهود لفرض تقسيم زماني ومكاني في الحرم القدسي والسماح لليهود بالصلاة فيه بادعاء أنه موقع هيكل سليمان. وتنشط في «إسرائيل»، تحت هذا الادعاء، جماعات تطالب ليس فقط بالصلاة في المكان، بل تسعى لهدمه وإنشاء هيكل يهودي مكانه.

وكان وزير الخارجية الفلسطيني رياض المالكي قد رفض تصريحات بوكوفا، ووصفها في بيان صحفي ب "الموقف غير المسبوق والذي يشكل إهانة لإرادة الدول الأعضاء التي عبرت عن مواقفها السيادية وصوتت بالإيجاب لاعتماد القرار بنجاح".

واعتبر أن بوكوفا تجاهلت نص القرار الذي تم اعتماده، والذي وقف ضد الممارسات «الإسرائيلية» غير الشرعية في مدينة القدس الشرقية المحتلة.

ومن المهم الإشارة إلى أن تصريحات غوتيريس تشكل إهانة جديدة ومستمرة للأمم المتحدة التي تدين قراراتها استمرار «إسرائيل» في تهويد المدينة المقدسة، وتغيير معالمها الدينية والتاريخية. ورفض مفتي القدس والديار الفلسطينية، الشيخ محمد حسين، تصريحات أنطونيو غوتيريس، بشأن صلة اليهود بالحرم وقال: "إننا نطالب بتطبيق القرارات الشرعية الدولية بالخصوص، بدلاً من إطلاق عبارات المجاملة المتحيزة إرضاء للمتطرفين والمستوطنين". وقال الشيخ حسين: "إن المسجد الأقصى المبارك هو مسجد وحق خالص للمسلمين وحدهم، لا يحق لأحد سواهم التدخل في شؤونه، وهو ذو أهمية خاصة لدى المسلمين في أنحاء الدنيا جميعها، وقرار المس به خطر ومدان بكل المعايير".

وطالبت السلطة الفلسطينية غوتيريس بالاعتذار عن كلامه بشأن الهيكل اليهودي في الحرم القدسي. وأعلن وزير شؤون القدس في الحكومة الفلسطينية، عدنان الحسيني أن كلام غوتيريس مناقض لقرارات الأمم المتحدة واليونيسكو. وقال إن تصريحات كهذه تقلل "من قيمة قرارات اليونيسكو التي أعلنت بوضوح أن المسجد الأقصى تراث إسلامي خالص". وأوضح أن هذا يناقض كل القرارات والقواعد الإنسانية "الدبلوماسية والقانونية ويشوه وظيفته كرئيس للأمم المتحدة".

وأعلنت جهات فلسطينية مختلفة أنها لم تعد تثق بالأمين العام للأمم المتحدة الذي ينبغي عليه توضيح موقفه الذي يمنح «إسرائيل» الضوء الأخضر لمواصلة انتهاك قرارات الأمم المتحدة في القدس.

حلمي موسى

اخبار ذات صلة