/مقالات/ عرض الخبر

من أسباب التطبيع مع العدو وتأثيره على المسيرة النضالية

2017/01/24 الساعة 07:59 ص
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

راغدة عسيران

قبل أيام، أقيمت ندوة تضم ممثلين صهاينة وأوروبيين وفلسطينيين في فندق الامبسدور في القدس المحتلة تحت شعار "تحالف السلام"، ومن بين المشاركين السيدة هند خوري، السفيرة السابقة للسلطة الفلسطينية في فرنسا. تدخّل مناضلون مقدسيون في الندوة وأدانوا عمليات التطبيع التي تسير بوتيرة عالية منذ فترة، لا سيما في القدس المحتلة، وعرقلوا أعمالها بعد توبيخ الفلسطينيين المشاركين فيها. فما كان من السيدة خوري إلا أن تدافع عن نفسها بالقول أنها ضد التطبيع ولا يمكن اعتبار تلك الندوات أو اللقاءات من أجل "السلام" تطبيعا مع العدو.

تعمل السيدة خوري وغيرها كثر من ممثلي ومبعوثي السلطة الفلسطينية الى الدول الأوروبية في ملفات "تنموية" تحت أجنحة الإتحاد الأوروبي أو دول أوروبية وآسيوية وغيرها، تشترط على الفلسطينيين اللقاء والعمل مع الصهاينة، حتى تحصل على تمويل مشاريع "تنموية"، وتومأة مدن في الضفة الغربية مع مستوطنات صهيونية مسماة "مدن" في الداخل المحتل، برعاية مدن أوروبية تساهم بالدعم المالي والتقني والثقافي للمدن الفلسطينية المشاركة في هذه البرامج. فتعتبر هذه الفئة من العاملين في السلطة الفلسطينية أنها لا تطبّع علاقاتها مع العدو، بل تساهم في إرساء "السلام"، في سياق اتفاقيات أوسلو والشروط التي فرضت على السلطة الفلسطينية لاستمرار التدفق المالي. فهي تعتبر من ناحية أخرى انها تتعامل مع الفئات "الإسرائيلية" المحبة للسلام والمستعدة للتوصل لاتفاق نهائي مع الفلسطينيين، كالفئات التي تزور بين الحين والآخر محمود عباس لدعمه ضد نتنياهو. ما يعني أن هذه الفئة من الفلسطينيين التي استوعبت نهج "أوسلو" دخلت مسار التطبيع العلني مع العدو (الذي لم تعد تعتبره عدوا بل شريكا في السلام) بحماية "المجتمع الدولي"، وتقيم علاقات واسعة في الغرب وفي الشرق، لمواصلة نشاطها، طالما لم يتم ردعها و"توبيخها" كما حصل قبل أيام في فندق الأمبسدور.

لقد فتحت اتفاقيات أوسلو الباب واسعا أمام عمليات تطبيع متعددة الأوجه، منها التطبيع الرسمي بين السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية ودوائرها السياسية والإقتصادية وغيرها، وأجهزة العدو المختلفة، التي تتم مباشرة بين العدو والسلطة، أو تحت إشراف المجتمع الدولي ودوله، ومنها التطبيع غير الرسمي الذي يتم من خلال مؤسسات إعلامية وإقتصادية وثقافية خاصة الأوروبية، حيث يلتقي فلسطينينون ب"زملاءهم" الصهاينة، من أجل البحث عن "التعايش" بين المحتل والضحية. وثمة عمليات تطبيع أخرى، يقوم بها أفراد أو مؤسسات خاصة، تقيم علاقات "صداقة" ليس فقط مع المستوطنين في الداخل المحتل عام 1948، بل مع المستوطنين في الضفة الغربية والقدس، في مجالات عدة، الاقتصادية (توزيع منتوجات المستوطنات)، والرياضية والثقافية (المشاركة في المباريات "الإسرائيلية"، أو المعارض الفنية "المشتركة")، والإعلامية. وفي هذا المجال، اعتبرت صحيفة "القدس" المقدسية قبل بضعة أشهر، أن المقابلة التي أجرتها مع الوزير الصهيوني ليبرمان ليس تطبيعا بل نوعا من السبق الصحفي أو من الجرأة الإعلامية حيث صرّح الصحفي الذي أجرى المقابلة أنها "إنجاز"، وذلك لأن "تصريحات الشخصيات الإسرائيلية تنقلها وسائل الإعلام الفلسطينية المختلفة عن مصادر إسرائيلية، وفي هذه المرة كان مصدرها وسيلة إعلام فلسطينية"، في حين شجبت وزارة الإعلام التابعة للسلطة الفلسطينية منح "القاتل" منبرا، دون تصنيف المقابلة  بالتطبيع الإعلامي.  

تطبيع العلاقات بين أفراد أو فئات من المجتمع الفلسطيني في الأرض المحتلة من جهة وبين فئات من المجتمع الصهيوني من جهة أخرى تطوّر في أحضان السلطة الفلسطينية، التي تنسّق أمنيا مع الإحتلال لضرب المقاومة والمقاومين، والتي تزج في سجونها الاسرى المحررّين من السجون الصهيونية، لمنع أي تحرّك شعبي ضد الإحتلال، وفي ظل غياب برنامج وطني جامع لمقاومة المحتل. لم يعد من المستهجن أن يشارك "إسرائيليون" في مظاهرات فلسطينية أو ندوات عمل معادية للإستيطان، وعندما طرد طلاب جامعة بيرزيت قبل سنتين صحفية "إسرائيلية" يسارية من الجامعة رفضا للتطبيع، تعالت أصوات الليبراليين واليساريين الفلسطينيين الشاجبة لتلك الخطوة، بحجة أن الصحفية "صديقة" الفلسطينيين. وبرّرت الجامعة رفض طردها بالقول أنها " كجزء من الحركة الوطنية الفلسطينية، تتعامل، بما يخدم المصلحة الوطنية، مع كل شخص معادٍ للاحتلال أو هيئة معادية للاحتلال بغض النظر عن الجنسية" إذ أصبح "الإسرائيلي" كسائر "الجنسيات" في العالم، ولم يعد مستوطن يطبّق في الأراضي المحتلة عام 1948، مشروعا استعماريا إلغائيا.

تذكّر هذه الحادثة بما حصل في الضفة الغربية في السبعينيات من القرن الماضي، حيث يروي المرحوم الإستاذ يوسف عارف الحاج محمد، في مذكراته "من مخزون الذاكرة" الصادرة عن مؤسسة "مهجة القدس"، كيف رفض المعلّمون النقابيون المضربون في وجه الإحتلال تضامن النقابة "الإسرائيلية" مع مطالبهم، معتبرين أن "الموقف التضامني هذا يعني شكلا من أشكال التطبيع"، واكتشفوا بعد حين أن هذا "التضامن التطبيعي" كان بتدبير من عناصر شيوعية في النقابة الفلسطينية.

لقد عمّمت ثقافة "اتفاقيات أوسلو" هذا النوع من التطبيع، في حين كان مرفوضا من قبل عامة الشعب قبلها، حيث كان مصطلح "التطبيع مع العدو" يعتبر جريمة بحق الوطن والقضية. ولكن بعد اعتراف منظمة التحرير الفلسطينية بشرعية وجود الكيان الصهيوني على الجزء الأكبر من فلسطين وبإمكانية التعايش معه "في حدود آمنة"، ظنّت فئات متنفذة في المجتمع الفلسطيني أنها بالدعم والراعاية الغربية لها ولخطها السياسي، ستتمكن من الإفلات من مجتمعها أو فرض خياراتها عليه.  ولكن تعاملها مع فئات من مجتمع العدو، وإن أبدت "تضامنها" مع حقوق الشعب الفلسطيني، بعضها أو كلها، يؤثر سلبا على وحدة الشعب الفلسطيني الرافض لكافة أشكال التطبيع، الرسمية وغير الرسمية، والذي أعلن الإنتفاضة ضد الوجود الصهيوني في فلسطين.

إضافة الى أن التطبيع مع العدو أو مع فئات من مجتمعه قد يشجع فئات مجتمعية أخرى، في الدول العربية والإسلامية، على انتهاج هذا المسار، بحجة البحث عن السلام والتعايش بين الشعوب، وبالتالي التخلي عن الحس العربي والإسلامي الأصيل في التعامل مع العدو ومجتمعه، والذي تبلور على مر التاريخ. فالزيارات المتكررة من قبل فئات عربية مهنية أو سياسية الى الكيان ولقاءاتها مع المؤسسة الصهيونية تحت شعار "السلام" أو غيره، تمنح الكيان الصهيوني مخرجا لأزمته التي وضعته فيه المقاومة والإنتفاضة، وتشجعه على قتل الفلسطينيين وتساهم في تغلغل ثقافته العنصرية والإلغائية الى الدول العربية والإسلامية والى العالم.

فلا بد من التصدي للتطبيع بكافة أشكاله وحججه في فلسطين والدول العربية والإسلامية، لا سيما التي تقيم علاقات ديبلوماسية واقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني، وعلى غرار المناضلين في القدس والجامعة العبرية وجامعة حيفا، حيث تصدى الطلاب الفلسطينيون للمطبّعين العرب، ففضح وشجب اللقاءات والندوات التطبيعية ومحاولة منعها كفيلة بمنع تكرارها، أو على الأقل، بتطويقها كظاهرة هامشية في الوطن والأمة.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/104590

اقرأ أيضا