قائمة الموقع

فلسطينيو 48 : خط المواطنة وخط المقاومة في مواجهة التهديد الصهيوني

2016-12-25T10:08:55+02:00
صورة تعبيرية
راغدة عسيران

تسارعت في الآونة الأخيرة إجراءات العدو القمعية والإلغائية إزاء فلسطينيي 48، الهادفة الى إعادة تركيع المجتمع الفلسطيني في الداخل وتفتيته ودمج عناصره في "الإجماع الصهيوني"، أي مجتمع المستوطنين اليهود.  اليوم، تشّن المؤسسة الصهيونية (السياسية والإعلامية) حملتها على النائب باسل غطاس، من "التجمع الوطني الديمقراطي"، بحجة تسريب هواتف خليوية لأسرى فلسطينيين.  بعد تجريده من الحصانة النيابية، قامت الشرطة باعتقاله.  وغداً، سيصدر قانون يمنع النواب العرب في الكنيست الصهيوني من زيارة الأسرى، كما جرت العادة حتى الآن، بعد حصولهم على تصريح من وزارة الداخلية الصهيونية، بحجة أن هؤلاء النواب يستغلون مناصبهم في مؤسسة العدو لمسادعة ودعم الأسرى الفلسطينيين.  وبالأمس، تم رفع قضية مالية ضد حزب "التجمع الوطني الديمقراطي"، المشارك في لعبة الإنتخابات الصهيونية، فزجّ رئيسها عوض عبد الفتاح في السجن وتم استدعاء قيادتها الى المحكمة.

تدلّ هذه الملاحقة الشرسة، تحت ذرائع أمنية أو مالية، على أن المؤسسة الصهيونية وجدت في "التجمع" وطروحاته السياسية، الحلقة الأضعف في "القائمة المشتركة" التي تضم الأحزاب العربية المشاركة في الكنيست، من حيث أنه رفع سقف خطابه القومي العربي رغم مشاركته في مؤسسة استعمارية، بنت ممارساتها على نفي الفلسطيني كشعب ومجتمع وتسعى الى طرده خارج وطنه.

تأتي ملاحقة "التجمع" ومضايقته من قبل الأجهزة السياسية والقضائية والإعلامية في المستعمرة  الصهيونية بعد حظر الحركة الإسلامية التي يرأسها الشيخ رائد صلاح، المعتقل منذ أشهر في سجون الاحتلال، بسبب دورها في الدفاع عن القدس والمسجد الأقصى، عبر تنظيم المرابطين والرحلات الى القدس.  فتم أيضاً حظر عشرات من المؤسسات الخيرية والإعلامية، الخاصة بمدينة القدس أو بالداخل المحتل، بتهمة التحريض أو دعم "الإرهاب" أو "تبييض الأموال"، وهي التهم الجاهزة التي تسوقها المستعمرة الصهيونية عندما تريد قمع الصوت الفلسطيني الصادر من الداخل.

الإرهاب الصهيوني إرهاب مؤسسة استعمارية إلغائية.  فإلى جانب ترهيب الحركات السياسية والإجتماعية الفلسطينية لإسكات صوتها عندما تطالب بما هو أكثر من المسموح به صهيونياً (كما كان في زخم انتفاضة الأقصى)، تسعى هذه المؤسسة إلى قضم المساحة الجغرافية التي يتواجد فيها فلسطينيو 48، من خلال سرقة أراضيهم وتحويلها إلى مقالع ومحاجر لخدمة البناء الاستيطاني أو تشجيرها، ومنع التوسع الطبيعي للبلدات الفلسطينية، بحجة حماية الطبيعة.  ويطال الإرهاب المؤسساتي الفضاء الحضاري والثقافي والمقدس، لتثبيت يهودية الكيان، المبنية على تزوير التاريخ.  فتم هدم وتحويل المساجد والكنائس الى خظائر للحيونات أو أماكن للهو، وهدم المقابر لتوسيع طرقات المستوطنين، وتطمح المؤسسة الصهيونية اليوم إلى منع رفع الأذان في الأراضي المحتلة، أذان الفجر في البداية، وغداً رفع الأذان في كل الأوقات وفي كل الأماكن التي يتنفس فيها يهودي واحد.  يطال الإرهاب الثقافي اللغة العربية في الحافلات "المختلطة" (الإختلاط كنوع من التستر على واقع الاستيطان) وفي الأماكن "العامة" أي المهوّدة، وفي المصانع والمتاجر الصهيونية، كما يطال المناهج التربوية الخاصة بالفلسطينيين، حيث تشوه الحضارة العربية الاسلامية وتاريخ فلسطين وجهاد شعبها.

من منطلق الدفاع عن بقائهم في وطنهم، اختار فلسطينيو 48، أو بالأحرى قيادتهم السياسية في ذلك الوقت (الحزب الشيوعي "الإسرائيلي" وبعض الوجهاء) طريق الاعتراف بإقامة الدولة الصهيونية على أنقاض فلسطين، رغم الألم من جراء النكبة التي هجّرت مئات الآلاف من أبناء قراهم ومدنهم، ورغم المجازر والعنصرية، والحكم العسكري الذي طوّق مناطقهم لتسهيل نهب البلاد بأكملها.  حتى في تلك الفترة الصعبة، حيث نسيهم الأشقاء العرب واتهموهم بالعمالة، قامت بعض المجموعات الفدائية بضرب مصالح العدو ("مجموعة 778" مثلا، التي أرّخ لها الروائي توفيق فياض) ورفضت الاستسلام.  وبعد انطلاقة حركة فتح والجبهة الشعبية، في الستينيات وبداية السبعينيات، التحق بهما العشرات بل المئات من المناضلين، باعتبارهم جزءاً من الشعب الفلسطيني، رافضين المواطنة المزيّفة التي عرضتها المؤسسة الصهيونية عليهم، كملحق هامشي ومبتور في مشروعها.

ومنذ تلك الفترة، سار خط المواطنة والمساواة الى جانب خط المقاومة.  التحق الشباب المقاوم والمجاهد بالتنظيمات الفلسطينية المقاتلة في الوقت الذي كان يطالب به خط المواطنة والمساواة بكامل الحقوق كأفراد أو كـ"جماعة أصيلة" في المجتمع الإستيطاني.  فرفض سرقة الأراضي وتهميش "الأقلية" العربية، وتسلّط الشاباك على المجتمع الفلسطيني، كما طالب باعتراف المؤسسة الصهيونية بالقرى المهمشة وغير المعترف بها في الجليل (لجنة الأربعين).  بدا في فترات معينّة أن الخطين متكاملان، عندما تحدى خط المواطنة المؤسسة الصهيونية بكل أشكالها وحشد جمهوره للتصدي لعملية التهويد المتواصلة وتهميش الشعب الأصيل. فسقط الشهداء والجرحى في يوم الأرض وغيرها من الأيام المجيدة (هبّة القدس والأقصى)، واعتقل العشرات.  فحقّق خط المواطنة بعض الإنجازات، المعنوية والمادية، من خلال المواجهة الشعبية وليس من خلال مشاركته في المؤسسة الصهيوينة.

غير أن الإنجازات المادية سرعان ما تبخّرت، إما بسبب صعود الصهيونية الفاشية وتراجع الصهيونية الليبرالية، وإما بسبب تراخي النضالات الشعبية والارتكاز على العمل النخبوي في المؤسسة الصهيونية بالذات، وإما للسببين معاً.  فلم يبق إلا الإنجازات المعنوية، وهي الأهم، أي الشعور المتنامي لدى المجتمع الفلسطيني في الداخل أنه مجمتع يقبع تحت الإحتلال، وأن مصيره مرتبط بمصير الشعب الفلسطيني، في الأراضي المحتلة وفي اللجوء، وليس بمصير مستوطني المؤسسة الصهيونية، رغم ادعاءات خط المواطنة والمساواة.

وصل هذا الخط الى مأزق، كما وصل إليه خط المفاوضات في سلطة الحكم الذاتي وفي منظمة التحرير، وذلك لعدم إطلاق ودعم الإنتفاضة أو المواجهة الشعبية ضد مؤسسة المستوطنين ومجتمعها.  تراجع خط المواطنة أمام هجمة المستوطنين، ففضّل التهدئة، كما طالبته سلطة الحكم الذاتي في رام الله، ولكن لم يتراجع المستوطنون ولم يهدؤوا، فهم الآن يوجّهون نارهم ضد من سعى إلى حماية نفسه بالمواطنة "الإسرائيلية"، والانخراط في مؤسساتها.  والسبيل الوحيد لإيقاف هذه الهجمة الصهيونية الإلغائية، هو التصدي المباشر وإطلاق الانتفاضة الشعبية والمواجهة المباشرة مع الإحتلال، لأن التصريحات النارية المنددة بعدم "شرعية" و"ديمقراطية" إجراءات المؤسسة الاستعمارية ستبقى غير مجدية، طالما لم تترجم على الأرض بتصعيد المواجهة وخط المقاومة.

اخبار ذات صلة