مقولة وزير الإعلام النازيّ جوزيف غوبلز: "أعطِني إعلامًا بلا ضمير، أُعطك شعبًا بلا وعي"، ما زالت قائمة وفعّالة في يومنا هذا. وبعيدًا عن غوبلز، فإنّ المخطط الإمبرياليّ- الصهيونيّ، لم يعُد يكتفي باستباحة الوطن العربيّ، بل إنّ هدفه يكمن أيضًا في احتلال العقول العربيّة وكيّ وعيها تمامًا.
وغنيٌ عن القول إنّ الحرب النفسيّة لا تحسم الحروب، ولكنّها تكون أداةً إضافيةً في جعبة القيادة العسكريّة مثل: سلاح الجو، المدفعية أو المدرعات، وفي هذا الإطار يتحتّم على المُتلّقي العربيّ قراءة الأخبار، ومُشاهدة التقارير التي يكون مصدرها دولة الاحتلال.
وفي هذا السياق، سياق الحرب النفسيّة، التي تسعى لشيطنة كلّ ما هو فلسطينيّ وعربيّ، أوضح الجنرال في جيش الاحتلال يوآف مردخاي، مُنسّق أعمال الحكومة "الإسرائيليّة" في المناطق المُحتلّة، والمسؤول الأوّل والمُباشر مع السلطة الفلسطينيّة، أوضح أنّ حكومة نتنياهو تشعر بارتياحٍ كبيرٍ لقرارات مؤتمر حركة فتح السابع، الذي اختتم أعماله مؤخرًا في مدينة رام الله.
وقال مردخاي في حديث لإذاعة جيش العدو “غالي تساهل” إنّ ما شاهدناه خلال المؤتمر يؤكّد نجاحه، ونجاح الرئيس عبّاس في إحداث تغييرٍ حقيقيٍّ في حركة فتح، لافتًا في الوقت عينه إلى أنّ فتح قد تغيرّت إلى الأفضل تحت قيادته، وهي الآن تختلف كليًّا عن تلك التي عرفناها كـ”حركةٍ تخريبيّةٍ متورّطةٍ في العمليات الإرهابيّة”، على حدّ وصفه.
وأكّد الجنرال مُردخاي في معرض ردّه على سؤالٍ إنّ أجهزة الأمن "الإسرائيليّة" لديها تقديرات دقيقة لأسماء الشخصيات التي ستقود فتح في المرحلة المقبلة، وهي شخصيات لن تكون ممّن يسبح ضدّ تيّار الرئيس عبّاس، الذي يُحكم قبضته جيدًا على مجريات الأمور في مناطق الضفة الغربية، ولدينا تأكيدات وتطمينات أنّه لن ينجح مَنْ له علاقة بـ"الإرهاب" أوْ من الداعين له، على حدّ تعبيره.
وأضاف مردخاي أنّ الحكومة "الإسرائيليّة" قدّمت كلّ ما يمكنها لتسهيل وصول أعضاء فتح إلى رام الله خلال الأسبوع الذي عُقد فيه المؤتمر السابع، وأنّ مكتب المنسق "الإسرائيليّ" كان على اتصالٍ دائمٍ مع مكتب الوزير حسين الشيخ، وأيضًا مع السفير القطري السيّد محمد العمادي، بهدف تذليل كل العقبات أمام انعقاد مؤتمر فتح وتلبية كافة طلبات الرئيس عباس والشؤون المدنية، باستثناء إعاقة وصول عدد من الأعضاء من غزّة والخارج، وهم من أصحاب السوابق، وقد قاموا بعمليات "تخريبية" ضدّ إسرائيل، على حدّ تعبيره.
ومن الأهمية بمكان الإشارة إلى أنّ الجنرال مردخاي وعلى صفحته الشخصيّة في موقع التواصل الاجتماعيّ (فيسبوك)، قد كشف النقاب عن أنّ بعض العمال الفلسطينيين طالبوه من خلال رسائل بأنْ يتّم تخفيض سعر التصاريح إلى 800 شيكل جديد بدل 2500 ش.ج، وهو ما استغربه ودفعه للتأكيد لهم أنّه لا يوجد مقابل مادي لمنح تصاريح المرور إلى "إسرائيل"، وحذّر من أنّ بيع التصاريح هو أمر غير قانوني وظاهرة “وسخة”، لذلك لا يوجد تسعيرة للتصاريح وهي تمنح مجانًا واعدًا بإجراء تغييرات على آلية إصدار التصاريح.
والجدير بالذكر أنّ السلطة الفلسطينيّة هي الوسيط بين المواطنين الفلسطينيين وبين الإدارة "الإسرائيليّة" التي تُصدر التصاريح.
وأنموذج آخر من إنتاج وإخراج ماكينة الدعاية الإسرائيليّة يُمكن الإشارة إليها بواسطة مُحلل الشؤون العربيّة في صحيفة “هآرتس″، د. تسفي برئيل، الذي رجّح أنْ تكون السيناريوهات الفلسطينيّة بعد رئيس السلطة محمود عبّاس صعبةً ومعقدةً، مستشهدًا بما أسماه نبوءة سيئة لقائد شعبة الاستخبارات العسكريّة، الجنرال هرتسي هليفي، مفادها أنّ سنة 2017 ستكون سنةً غير مستقرة في السلطة الفلسطينيّة، عقب ضعضعة مكانة عبّاس والحرب على وراثته.
وحسب تحليل برئيل ستكون هناك جهات كثيرة ستتسبب في ضعضعة قيادة الرئيس الفلسطيني، وحماس سترغب في الحصول على انجازات في المقابل، والنتيجة سينشأ واقعًا فيه تحدٍ كبيرٍ في الضفة الغربيّة لكلٍّ من السلطة الفلسطينيّة و"إسرائيل".
وبرأي المُستشرق الإسرائيليّ فإنّ عبّاس تحوّل إلى الذخر السياسيّ الأكثر أهمية بالنسبة لدولة "إسرائيل"، أمام إدارة باراك اوباما. وفي هذه الأثناء، في ولاية دونالد ترامب، الذي يبدو أنّه رئيس لا يركض وراء المعارك السياسيّة والعسكريّة وراء البحار، ربمّا يندثر عباس بالنسبة "لإسرائيل"، بحسب تعبيره.
وأضاف أنّ من سيستبدل عبّاس يجب أنْ يعتبر أنّ السلطة ليست مكانًا للفائدة والربح فقط، بل أيضًا رافعةً صلبةً من أجل الصراع الدوليّ ضدّ "إسرائيل". وقد يقرر قائد فلسطيني كهذا وضع حد للعداء بين السلطة وحماس، وتشكيل سلطة موحدة تخدم المصالح الفلسطينية بشكل أكثر نجاعة، وأنْ يطمح إلى إنشاء تحالفٍ دوليٍّ مؤيّدٍ بمساعدة الاتحاد الأوروبيّ وروسيا وتركيّا والدول العربيّة.
واعتبر بارئيل أنّ هذا هو السيناريو المتفائل نسبيًا، لأنّه وفق السيناريو الآخر فإنّ السلطة الفلسطينيّة ستتفكك إلى أجزاء والوزارات الحكومية ستكف عن العمل، وصراعات القوى ستخلق مليشيات خاصة، وتنسيق العمل العسكري مع إسرائيل سينهار في ظلّ غياب سلطة مسؤولة تراقب، والتمويل الذي تمنحه الآن الدول العربية والغرب سيتوقف، وسيتّم جرّ "إسرائيل" إلى إدارة حياة الفلسطينيين على حسابها، وحماس ستبدو مثل البالغ الوحيد المسؤول في المناطق، بحسبه.
رأي اليوم