الحرب اللعينة اقتلعت جذور أحلام السوريّ، أنس قاطرجي(29) عاماً، وجعلت من المطعم، وشركة المقاولات اللذين كان يمتلكهما هناك أثراً بعد عين، فلم يعد لديه ما يعيل به نفسه وعائلته، ليقرر البحث عن بلد يستضيفه ويتيح له فرصة للعمل.
مصر، كانت وُجهة أنس الأقرب والأسهل وصولاً، وهناك عمل، وأنشأ شبكة علاقات اجتماعية، إلا أن ذلك كله لم يكن كافياً لاستقراره، ومواصلة حياته، ليقرر بعدها العيش في غزة، بعدما عرض عليه أحدهم القدوم إلى القطاع لفتح مشروعٍ ربحيّ يؤمّن لهما دخلاً جيداً.
كان ذلك في أيار/مايو من العام 2013، حيث حظي كغيره من السوريين الذين لجؤوا إلى غزة بحفاوة استقبال، واحتضان كبير.. يقول قاطرجي، لـ "وكالة القدس للأنباء" :" لمست حبّ أهل غزة الشديد للشعب السوري في تعاملهم اليومي معي، وهو ما شجعني على التفكير في فتح مشروع مماثل للمطعم الذي دُمّر في سوريا".
تقديم الدعم وتأسيس أسرة
"جار القلعة 2"، اسم المطعم الذي افتتحه أنس مؤخراً في مدينة النصيرات وسط مدينة غزة، وهو امتداد لـ"جار القلعة1" الذي أسسه في مدينة حلب السورية عام2005 في أحد الخانات، والمسمى خان البرشان المقابل لقلعة حلب على مساحة 1500 متر، وكان المطعم يحتوي على عدة جلسات منها الداخلية الخارجية والتراسات، وجميعها كانت تتسم بالطابع الشرقي الحلبي، وفي عام 2012 تعرض المطعم للتدمير بفعل الحرب الدائرة في محيط قلعة حلب.
يأمل قاطرجي الآن أن يعوّض الخسارة المادية والمعنوية للمطعم الأول من خلال "جار القلعة 2" الذي حظي بنجاح جيد رغم حداثة إنشائه، فالمطعم الذي يقدم الشاورما كوجبة أساسية، وعدد من المأكولات السورية، صُمم على الطراز السوري القديم، بتفاصيله العمرانية القديمة، وبعض القطع الأثرية التي أُحضرت من مدينة حلب، لتسوده الأجواء الشرقية الحلبية، وهو ما يروق للغزيين الشغوفين لممارسة شيء من طقوس حياة السوريين التي عكستها الدراما.
وعن ذلك يتابع قوله:" يتردد الغزيون على المطعم، وأجدهم مرتاحين للغاية، ويقدّمون لي الدعم المعنوي الذي أحتاجه، فمثلاً حينما أقدّم طبقاً من السلطة أو البطاطس ضيافةً لأحدهم أثناء تناوله الطعام، يرفض بقوة ويدفع ثمنه.. بصراحة أهل غزة مضيافين وكريمين".
هذا التشجيع شكل حافزاً لدى الشيف قاطرجي لاتخاذ قرار الاستقرار في غزة، إذ أسس لحياة أسرية، وتزوج بفتاة غزيّة.. وهو ما استوقفني قليلاً لأقاطعه: ولكن هل ستجد الاستقرار في بقعة صغيرة من الأرض محاصرة وتوالت عليها حروب عدة؟.
على الفور أجابني :" نعم.. سأعيش حيث كرامتي مُصانة، القرار كان صعباً، وأنا أتحمل نتيجته، فغزّة رغم قسوة ظروفها هي أكثر دفئاً من بلاد الغرب للاجئ سوري لم يعد لديه ما يحتفظ به سوى كرامته، فأنا مطلع على أحوال كثير من الأصدقاء الذين لجؤوا إلى دول غربية، فهم يعيشون ظروفاً صعبة ويعانون الأمرّين.. غزة جنّة مقارنة بتلك البلاد".
ويزيد على أسباب عدم لجوئه لأوروبا كما فعل معظم السوريين الفاريّن من الحرب، خشيته من استسلام أبنائه –إن أكرمه الله بهم- لنمط حياة يخلو من الأخلاق، والدين، أما بالنسبة للحروب" فأنا مؤمن بالقضاء والقدر، ومهما تحصنت فإن كُتب لي الموت ٍسأموت في أي مكان".
التحديات التي يواجهها
يضيف بلهجته السورية :"هون معنى الحياة الكريمة والمستقبل، أنا عملت هاد المشروع لحتى أقدر عيش، وألبي احتياجات أهلي يلي تركتهن بسوريا، مع العلم إنو عندي فرصة لجوء لأنو من قبل وقت قدمنا للمفوضية، وتم قبول طلبات اللجوء تبعنا.. أكيد ما رح دمّر كل شي بنيتو واطلع للمجهول".
كلاجئ سوري متزوج من فلسطينية سيتعرض قاطرجي وأبنائه – إن أكرمه الله بهم- لكثير من المصاعب، وأهمها أن أبناءه لن يحملوا الهوية الشخصية، وسيواجهون مشاكل عدة، ولكن ذلك كله لم يثنهِ عن التفكير في البقاء في غزة.
تحدٍ آخر لا يزال يواجهه، ويتمثل في اختلاف نمط الحياة في غزة التي يعيش سكانها في وضع معيشي ونفسي متردي، عن بلده الأصلي، إذ يُعرف السوريون بحبهم للحياة، والترويح عن النفس، عن ذلك يقول :"هناك فارق كبير، فلكلٍ منا عاداته وأفكاره المختلفة، فأنا تعرضت لانتقادات لاذعة من الآخرين بسبب استجابتي للمقابلات الصحافية التي أجريت معي بعد افتتاحي المطعم، والتقاط صور له، معتبرين أنني غير آبه بحال أهلي في حلب، وبالحرب والدمار الذي طال سوريا، وطوال الوقت نجدك ضاحكاً، ولكن نظرتي مختلفة تماماً".
يواصل قوله :" بالنسبة لي طالما أن أهلي بخير، وأنني لم أؤذِ أحداً فلن ألتفت لكلام الناس، وسأبقى سعيداً أينما ذهبت، وهذه التحديات الفكرية تجاوزتها بتكريس معظم وقتي للعمل في المطعم، وما يبقى من وقتي أخصصه لزوجتي وأصدقائي الذين لا يتعدى عددهم ثلاثة أشخاص".
نفس قاطرجي تحتفظ بحبٍ كبير لغزة وأهلها، ولكن كما يقال فأصابع اليد مختلفة، وبقدر ما منحوه من حب، إلا أن أحدهم أصابه بأذى نفسي كبير، وهو صاحب العمل الذي استقدمه من مصر إلى غزة، والذي أمّن له سكناً في بداية قدومه ليخليه منه في الحرب الصهيونية الأخيرة على قطاع غزة عام 2016.
يتحدث عن ذلك بحرقة :"كان هو أول من تعرفت إليه في غزة، ولكنه صدمني بما فعل، حينما طلب مني إخلاء الشقة وأعطاني 200 شيقل ما يقارب خمسون دولاراً أمريكياً، لأتدبر نفسي بها، لأن أقاربه كانوا بحاجة للسكن بعدما نزحوا من منطقة الشجاعية التي حصلت بها مجزرة، فبقيت طوال فترة الحرب بلا مأوى".
ورغم أن هذا الوضع ظلّ ملازماً لذهنه، إلا أنه لم ينل منه، فقد مر أكثر من عامين على هذا الموقف وهو الآن يقهر ظروفه، ويسعى من خلال قرار البقاء في غزة إلى إيصال رسائل عدة للعالم الذي تكالبت قواه على الشعب السوري، فالمطعم بالنسبة له ليس مجرد مشروع ربحي، إنما دليل قوي على أن الحرب والتشرد الذي عاشه السوري جعله أقوى، "ورح نبني مستقبلاً أحسن، ونتفوق، وننجح.. مارح خلي كلمة لاجئ تسيطر ع حياتي".
ويتابع :"أي مكان بالعالم أنا عايش فيو بكرامتي وبكسب فيو رزقي بجهدي وتعبي، هو وطني وأرضي، المهم إنو ما احتاج حدا، ورح ابقى مبسوط وين ماكنت وشو ماكانت الظروف"