لم يكن الهدف "الإسرائيلي" قتل واعتقال الفلسطينيين فحسب، بل شمل ذلك أيضاً، السعي إلى تجويع الشعب الفلسطيني كأداة طيعة وسريعة في تهجير هؤلاء من أرضهم من جهة، وإضعافهم معنوياً واقتصادياً وسياسيا بهدف تنازلهم عن مبادئهم ومواقفهم الوطنية من جهة أخرى.
ومن الأدوات التي سعت إليها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تحقيق انعدام الأمن الغذائي لدى الفلسطينيين، إذ إن هذا الانعدام ليس أثراً جانبياً من آثار الاحتلال، بل هو هدف استراتيجي تسعى لتحقيقه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للوصول إلى تجسيد فكرة ديمومة الاحتلال الجغرافي والابتزاز السياسي والإخضاع الاقتصادي.
في هذا التقرير سنتطرق إلى نموذج لمثل هذه السياسة الإسرائيلية، ممثلاً في انعدام الأمن الغذائي مع التركيز على قطاع غزة، كحالة واضحة ومؤلمة في هذا المجال.
جاء في دراسة جديدة، أعدتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية أن انعدام الأمن الغذائي في قطاع غزة ليس مجرد نتيجة من نتائج الحصار عسكرياً واقتصادياً فحسب، بل يشكل أيضاً في حد ذاته سلاحاً للإخضاع والسيطرة، وأن السلطات الإسرائيلية عمدت بصورةٍ منهجية ومنظمة إلى تقويض كل عنصر من عناصر الأمن الغذائي منذ احتلال فلسطين التاريخية سنة 1948، وأدت هذه الاستراتيجية في القطاع إلى تآكل النسيج الاجتماعي والثقافة الغذائية.
العيش بــ "تصريح مرخص"
وتبين الدراسة أن الناس في قطاع غزة يعيشون بـ" تصريح مرخص" من إسرائيل، ذلك بأنهم يحتاجون إلى إذن للخروج من "سجن غزة " تلبية لحاجاتهم الطبية أو التعليمية، وللوصول إلى الأراضي الزراعية، وللصيد في المراكب على طول الخط الساحلي، وحتى لحفر الآبار، إذاً؛ فهم لا يتمتعون باي حقوق، ولاسيما الحق في الغذاء".
وترى الدراسة أن إسرائيل لجأت إلى استخدام الغذاء كاستراتيجية من أجل السيطرة على الفلسطينيين منذ عام 1948، وأصبحت ديناميات القوة التي تؤدي دوراً في العلاقات الغذائية أكثر وضوحاً منذ فرض الحصار على القطاع في 2006. وهنا تستشهد الدراسة بتصريح لمستشار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أيهود اولمر،ت الذي قال عقب الحصار "علينا أن نفرض حمية على الفلسطينيين لا جعلهم يموتون جوعا".
مثل هذه الفكرة تدلل على أن إسرائيل لا تتعمد تغيير البيئة السياسية لجغرافية فلسطين الطبيعية فحسب، بل تفرض أيضاً نظاماً غذائياً قد يؤدي في نهاية المطاف إلى نزوح مزيد من المزارعين الفلسطينيين عن مزارعهم.
ونجد أن الدراسة تشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي للمنظومتين الغذائية والزراعية في القطاع يمتد أبعد كثيراً من الحصار،"فإذا رفع الحصار غداً ستبقى غزة محتلة، ذلك بأن الهيمنة الإسرائيلية لا تزال متجذرة في السيطرة على كل حركة من غزة وإليها وفي داخلها.
وتضف، " ومع أن رفع الحصار قد يؤدي الى تحسين هامشي في مؤشرات محددة في الأمن الغذائي، إلا أنه من غير المرجح أن يساهم في تحسين المنظومة الزراعية في غزة، أو في مستويات انعدام الأمن الغذائي المزمن، وبالتالي لن تبقى غزة محتلة فحسب، بل أيضاً محاطة بدولٍ ومانحين ووكالات يهتمون بالإبقاء على وجودهم في فلسطين أكثر منه بإنهاء الاحتلال".
احتلال ناعم
إلى ذلك، يؤكد الباحث في القضايا التنموية رامي زريق، أن التاريخ يشهد على أن سلطة الغذاء هي محرك أساسي للشعوب، " فمن العبارة التهكمية التي كان القيصر الروماني يرددها: "الخبز والسيرك" إلى الجملة التي تُنسب إلى هنري كيسنجر "سيطر على النفط فتسيطر على الدول؛ سيطر على الغذاء فتسيطر على الشعوب" ويُعرف عن الغذاء أنه أداة للسيطرة السياسية.
ويرى أن النظام الغذائي العالمي، يؤدي إلى السيطرة على الغذاء، وهذا بدوره يُسبب النزوح عن الأرياف إلى المدن، هذا النظام القائم على الشركات أدى إلى اجتثاث المنظومات الغذائية من مواضعها المعهودة، وبالتالي إلى تهميش السكان الذين يعتمدون على الزراعة في معيشتهم. ويشير إلى أن فشل الوصول إلى الاستحقاقات، مثل الأرض والماء، شكل عنصراً حاسماً في غياب الحصول على منظومات زراعية سليمة، وبالتالي عدم التمتع بالأمن الغذائي في القطاع.
من جانبها تقول الباحثة في قضايا الأمن الغذائي، آن غوف، أن النظام الغذائي الذي تفرضه "إسرائيل" في غزة، هو مثال جيد لنظرية سمير أمين فيما يتعلق بدمج الأطراف في منظومة من الرأسمالية العالمية. ففي رأي أمين تغيرت الأنظمة الغذائية العالمية إلى درجة أنه بات في إمكان القوى الاستعمارية الإبقاء على سيطرتها الاقتصادية على الموارد من دون الاضطرار إلى إنفاق الأموال على احتلالات استيطانية باهظة التكلفة، الأمر الذي يتيح لها التركيز بدلاً من ذلك على توسيع أسواق السلع الأساسية التي تلبي حاجاتها في الأطراف.
وترى أن مشاريع المساعدات الدولية لغزة فقدت شرعيتها بسبب خضوعها للاستراتيجيات الإسرائيلية، كما أن المانحين الدوليين لم يتخذوا إجراءات لإرغام إسرائيل على تحمل مسؤولية أفعالها قط. وتوضح "ثمة عطش إلى السيادة الغذائية، وإلى قدرة المجتمع في غزة على الفعل، وعلى "اقتصاد المقاومة" الذي يضع النضال من أجل السيادة والأرض فوق تصورات النمو الاقتصادي الزائفة"، فالإذعان لإملاءات "إسرائيل"، أو وكالات المساعدات الدولية، لم يؤد إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي الفلسطيني، أو إلى وضع حد للاستعمار؛ إذ يجب أن يُبنى كل من النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي على مقاومة الاحتلال.
المصدر: "دنيا الوطن"