قائمة الموقع

إرهاصات احتضار الديمقراطية "الإسرائيلية"

2016-11-12T09:29:15+02:00
الكنيست الصهيوني

أمور مقلقة حدثت العام المنصرم في بلدنا، كتلة متتابعة وكبيرة من الأحداث الإشكالية، والتي ربما يمكن شرح كل واحد منها دون الدخول في حالة من الخوف، ولكن عندما ننظر إليها مثل عصفور محلق ونرى روابط محتملة بينها على محور الزمن؛ فإن ذلك ينتج شعورًا غير مريح بأن هناك أمورًا سيئة تدور هنا، ولسنا منتبهين لها على الدوام.

سنبدأ بالأسبوع الأخير على وجه الخصوص، فكرة "المعسكر الصهيوني" بأن تصبغ تظاهرة ذكرى رابين بصباغ الحزب كانت فكرة سيئة ومضرة، وكان أكثر سوءًا وإضرارًا هي الأقوال التي وردت في خطابات قادة "المعسكر الصهيوني" في التظاهرة، المسافة بينهم وبين الرغبة في الجمع بين أجزاء الشعب وتهدئة العنف اللفظي والتحريض والتقريب بين القلوب وأن يبدوا - وسيما في وقت الأزمة المجتمعية الوحدة والشراكة - مسافة طويلة مثل البعد بين السماء والأرض.

كذلك فكرة حركة "ميرتس" وقائدتها عضو الكنيست زهافا غالؤون بإلغاء قانون موروث رحبعام زئيفي الآن بالتحديد لا يتناسب فعلًا بالأجواء السائدة حاليًا، فهي تزيد الشرخ ولا تزيل التوترات، وتمثل بحد ذاتها نوعًا من التحريض. مجمل قادة أحزاب الوسط واليسار يمكنهم أن يتذمروا على مدار ليلة بأكملها من التحريض والكراهية ولكنهم أيضًا يسهمون فيهما، ربما بالليونة والرقي الزائدين، وربما إنهم لا يحاولون بالفعل أن يبددوا العاصفة ويزيلوا التوترات.

وفي المقابل، في الائتلاف استعراضات النجم المذنب الجديد رئيس الائتلاف ديفيد بيتان هي بمثابة الزيت على عجلات التحريض والكراهية، إليك مثلًا زجه المتطرف لنظريات موظفي هيئة البث الجديدة السياسية والشخصية، والذين يعتبرهم يساريين يحاولون السيطرة على البث الشعبي، وسيما تلفظه بمقولة أن "قتل رابين لم يكن سياسيًا". افترض ان منظمي التظاهرة يجب أن يشكروه، فلولا مقولته البائسة "بالمناسبة أنا على يقين أنه لم يقصد ما قال"، ما كان كل هؤلاء ليزوروا الميدان، أقواله المزعجة الخاطئة كانت بمثابة الطاقة التي دفعتهم.

إذًا ماذا حدث لدينا في الأشهر الأخيرة أيضًا؟ كان لدينا نائب رئيس الأركان الذي قال أمورًا طيبة عن القيم، وحذر الشعب من الأجواء الصعبة والتحريضية التي تغلف البلاد، وحظي بالاستنكارات من كل صوب، وكانت لدينا هيئة البث الشعبي التي انتفضت من بين الأنقاض، وقبل أن تشهق أول أنفاسها يريد مقيموها تخريبها وإلغاءها، كان لدينا متنمر عنيف تمتع بدعم على شبكات التواصل الاجتماعي، والذي تمنى لأمنون ابراموفيتش انه لو احترق ذات مرة في الدبابة خلال حرب يوم الغفران (العاشر من رمضان) وأن يحترق هذه المرة وإلى الأبد.

ولدينا المزيد: كانت لدينا حكاية اليئور أزاريا طبعًا، والذي قسّم المجتمع الإسرائيلي بين من يبررون تصرفه وبين من يرفضونه ويستنكرونه. وكان عندنا أيضًا استبدال بوغي يعلون وهو وزير أمن مهني رغم أن مواقفه السياسية كانت محل خلاف؛ غير أنه تبين انه رجل قيم وشجاع ونقله من منصبه تم بسبب ضغوطات ائتلافية. وكان لدينا أيضًا حكاية ساحة حائط المبكى (البراق) والتي فصلت المتدينين عن العلمانيين والأرثوذوكس عن الاصلاحيين والنساء عن الرجال. وكان هناك قرار الحكومة الحكيمة ببناء ساحة أخرى للنساء والاصلاحيين، والذي حظي بتقدير كبير، ولكن الحكومة في الوقت الحالي تراجعت عن تنفيذه.

لنواصل: كان لدينا أيضًا عضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش وبعض من أصدقائه غير المستعدين لأن يظهروا ولو مقدار قلامة من التسامح مع من لا ينتسب إلى مدرستهم الجنسية. وكان عندنا بالطبع قانون الجمعيات الذي أعد لتشويه معسكر بأكمله وشرع عبثًا، إذ اتضح انه ووفق تقرير مراقب الدولة - وعلى خلاف قذف بعض من اليمينيين لحركة V15 - لم تكن جزءًا من منظومة الإعلام السياسي التابع لـ "المعسكر الصهيوني"، ولحسن الحظ فإن رئيس الحكومة ليّن القانون وأخرج منه الزخارف الخارجية التي طلب من أعضاء الجمعية ارتداءها على سديلة ملابسهم وفق مقترح القانون الأساسي الذي قدمته ايليت شاكيد.

وكان هناك عضو الكنيست أورن حزان الذي قرر حكم المحكمة انه كذب بشأن تعاطي المخدرات وإدارة الكازينو وسكوت غالبية أعضاء الكنيست من "الليكود" هو مثل صمت النعاج، الخوف والذعر من حزان ومؤيديه المحتملين - وحسب رأيي ليس لديه كهؤلاء - أسكتهم.

وكان عندنا بالطبع عضو الكنيست موتي يوغاف أيضًا، والذي خرج علينا بشعار "لنهدم المحكمة العليا بالبلدوزر". ووزيرة العدل أيضًا وأصدقاؤها في الحركة الذين ينقضون على قضاة المحكمة العليا، ويطالبون بتغيير مالا يحتاج إلى تغيير فقط من أجل أن يعين قاضي يفكر مثل تفكيرهم، وقانون التنظيم، الذي لا يعتبر قانونًا دستوريًا، والذي كان المستشار القانوني للحكومة قد حذر من سنه، لكن الكثيرين من الوزراء وأعضاء الكنيست من اليمين المتطرف مستعدون للتغريد بأهليته وسنه رغم ذلك كله.

نضيف إلى القائمة أفكار شاكيد الهزيلة بضم يهودا والسامرة (الضفة الغربية) قانونيًا إلى دولة إسرائيل، ومقترح قنون عضو الكنيست شولي معلم بإخضاع الانترنت للمراقبة. كان عندنا المزيد من الأحداث المقلقة، ولكن سنكتفي بهذا الحد.

صحيح لم تكن أمور استثنائية، وأن أي واحد من هذه الأحداث لم يمثل تجديدًا، ولكن التجديد هو في نمط كثافة هذه الأحداث المقلقة وتتابعها. لقد تناثرت مثل الفطريات بعد المطر وضربتنا كل يوم تقريبًا، يكثر الحديث في مناطقنا عن نيافة الديمقراطية، لكن يبدو لي هذه المرة أكثر من أي مرة ان الإرهاصات التي تسبق احتضار الديمقراطية هي إرهاصات حقيقية أكثر وملموسة أكثر وكثيفة أكثر. وعليه من الصواب التمسك بعنوان مقال اسحق بن - هارون في سياق آخر "الشجاعة في دفع الثمن قبل وقوع الكارثة".

سراب خداع

في الظاهر عملت بريطانيا بالطريقة الديمقراطية الأمثل - التي يمكن أن تخطر على البال - على قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي، لقد أجرت استفتاءً شعبيًا شارك فيه عشرات الملايين، وفي النهاية وبأقلية صغيرة اتخذ القرار. وعلى خلفية القرار استقال رئيس الحكومة ديفيد كاميرون الذي عارض الانسحاب، وخلفه انتخبت تريزا ماي التي يفترض أن تطبق الانسحاب عمليًا.

كثيرون ممّن دعموا الخطوة اعترفوا في ذات الوقت أنهم لم يفهموا حقًا مغزى خروج بريطانيا من الاتحاد، ومؤخرًا استأنفت مجموعة من المواطنين البريطانيين، وغالبًا من رجال الأعمال لدى المحكمة المعتمدة في بريطانيا (وهي ليست المحكمة العليا) بادعاء دستوري يقضي بأن الحكومة لا يمكنها ان تتخذ قرارًا بالانسحاب من السوق الأوروبية من دون تشريع برلماني. هذه المسألة الدستورية نوقشت مؤخرًا في المحكمة الموازية للمحكمة المركزية عندنا، وقرر القضاة بالإجماع بقبول العريضة.

كان لدى المحكمة حجتان قضائيتان: أولاهما دخول بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي عام 1973 كان وفق تشريع برلماني، والقانون الذي أصبح على مدار السنين قانونًا دستوريًا تقريبًا يمكن تغييره فقط من خلال البرلمان، ليس من خلال الحكومة ولا الاستفتاء الشعبي، وحسب أقوال القضاة فعندما يكون هناك تشريع فالاستفتاء الشعبي لا يعد ذا صلاحية قانونية ملزمة، له قيمة التوصية لا أكثر. السبب الآخر - وربما الحاسم - ان الخروج من السوق هي عملية غير قابلة للعلاج، ومن شأنها ان تغير حقوقًا قضائية كثيرة للمواطنين البريطانيين في القضاء الداخلي، ذلك انه صودرت منها استحقاقات مواطني الاتحاد (مثلًا الحق في العمل في جميع دول السوق).

وحسب أقوال المحكمة فإن مصادرة الحقوق المدنية يمكن أن تكون من خلال قانون فقط، وليس من خلال استفتاء شعبي. في هذه الأثناء القرار مؤجل، وعلى ما يبدو سيصل للنقاش في شهر ديسمبر القادم في المحكمة العليا البريطانية، حيث يكون الحكم النهائي في مسألة إذا ما كان مطلوب تشريع آخر للبرلمان الذي فيه أغلبية معارضة للخروج من السوق أم انه يجب الاكتفاء بالاستفتاء الشعبي وأن إرادة الشعب هي من يقرر.

رأي مماثل كان أيضًا لرئيس الحكومة السابق أريئيل شارون، الذي قرر التنصل من الاستفتاء الحزبي الداخلي في مسألة إخلاء المستوطنات في "غوش قطيف".

أطلس للدراسات / ترجمة خاصة

اخبار ذات صلة