النقب.. مشروع للتهويد في "عقل بن غوريون"

28 كانون الأول 2019 - 01:09 - السبت 28 كانون الأول 2019, 13:09:54

بقلم: حلمي موسى

منذ بداية المشروع الصهيوني، والسيطرة على النقب، وتهويد هذه المنطقة الشاسعة، كان هدف «إسرائيل» واضحاً. وعندما تم إخراج النقب من حدود «الدولة اليهودية» في إحدى صيغ مشاريع التقسيم، رد الزعيم الصهيوني ديفيد بن غوريون على منتقدي قبوله بتلك الصيغة بعبارة: «النقب لن يهرب منا». وفي حرب عام 1948 ركزت القوات اليهودية على احتلال النقب، والعمل على طرد سكانه العرب، وأغلبهم من البدو الرحل. وبقيت عمليات الطرد مستمرة حتى أواسط الخمسينات؛ عندما جرى طرد الآلاف منهم؛ عبر وادي عربا إلى الأردن.

اليوم بعد أكثر من 70 عاماً على النكبة، تزداد شهية حكومة الاحتلال لتوسيع عمليات طرد الفلسطينيين من النقب؛ باعتباره المخزون الإقليمي الاستراتيجي من الأرض؛ حيث إنه يشكل حوالي نصف مساحة فلسطين بأكملها؛ ونظراً لتوسع الصناعات، وتزايد المخاطر، فإن حكومة «إسرائيل» في العقد الأخير لجأت إلى مخططات؛ لنقل المصانع ومعسكرات الجيش إلى النقب على أمل تخفيف الازدحام في مدن الساحل والوسط، وتقليص الأضرار البيئية. ولهذا السبب كثفت من مساعيها؛ للسيطرة على النقب وتهويده، وإبعاد أهله العرب البدو عنه.

واليوم تتواصل عمليات طرد البدو الفلسطينيين الرحل من مناطق حساسة؛ بينها محيط القدس وغور الأردن وصحراء النقب. ومن الجلي أن هذه العمليات صارت أكثر تعقيداً ووضوحاً، خصوصاً في النقب؛ بسبب أن الأمر يتعلق بمن بقوا على أرضهم، وصاروا مواطنين في الدولة العبرية يبلغ عددهم حوالي ربع مليون نسمة. ويعيش نصف هؤلاء في ست بلدات تعترف بها سلطات الاحتلال، فيما يعيش النصف الآخر في حوالي 50 قرية غير معترف بها.

من المنطقي الافتراض أن تعترف الدولة العبرية بحقوق البدو في أراضيهم ومراعيهم، التي شكلت المجال الحيوي لهم منذ مئات السنين يتوارثونها جيلاً بعد جيل؛ لكن ليست هذه هي الحال في النقب الذي تتعرض أراضيه لأوسع عملية سلب من جانب الحكومات «الإسرائيلية» والمستوطنين الصهاينة.

وتقوم عمليات السلب هذه على أساس تقييد حركة البدو ومواشيهم في النقب، ودفعهم إلى تغيير مجرى حياتهم؛ من خلال إلزامهم بالعيش في تجمعات سكنية قروية أو مدينية، إلى جانب مصادرة مراعيهم. ولم يقتصر الأمر على ذلك؛ بل إن حكومة الاحتلال صارت تعمل على هدم قراهم القائمة، ومنعهم من تحويلها من الخيام وأكواخ الصفيح إلى مبان ثابتة.

مشروع تهويد

وفي الأسابيع الأخيرة تم الإعلان عن مشروع ترحيلي جديد لبدو النقب؛ بهدف السيطرة على مئات آلاف الدونمات التي بقيت لديهم. وتناولت تقارير إعلامية صهيونية أن ما يُعرف ب«سلطة تنظيم التجمعات السكنية البدوية في النقب» أعدت خطتين؛ لترحيل البدو في النقب؛ تمهيداً لتنفيذ مشاريع استيطانية لليهود مكانهم. وتعرف واحدة من هاتين الخطتين باسم «مشروع الكرفانات»، الذي يحاول أن ينقل البدو من حالة عدم استقرار متوارثة إلى حالة انتقالية جديدة لا تلبي متطلبات حياتهم، ولا تحفظ لهم حقوقهم. وطبيعي أنه في مواجهة هذه المخططات يتأهب بدو النقب، ومعهم كل العرب في مناطق 48 للتصدي لذلك؛ استمراراً لمسيرة طويلة بدأت في أماكن عدة، ولم تتوقف لا في أم الحيران ولا في العراقيب.

ومن المعروف أن البدو في أم الحيران والعراقيب يملكون تاريخاً طويلاً في مواجهة مخططات الترحيل ومصادرة الأراضي. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن قرية العراقيب هدمت 169 مرة حتى الآن بأيدي سلطات الاحتلال. وكانت المرة الأولى عام 1953؛ لكن سكانها واصلوا على الرغم من المعاناة الشديدة والإغراءات التمسك بأرضهم وعدم الرحيل عنها. وكذا الحال مع أم الحيران التي استشهد بعض أبنائها، وهم يواجهون مخططات الترحيل والهدم.

وكان البدو قد أفلحوا في الماضي في إحباط مخطط «برافر» قبل 8 سنوات الذي استند إلى محاولة تهجير عشرات ألوف البدو من أراضيهم في النقب، والاستيلاء على حوالي مليون دونم منها. وفي حينه تم عرض الخطة بزعم تحسين أوضاع البدو، وانتشالهم من حالة الفقر والتجهيل وبناء مدارس ومراكز صحية لهم؛ لكن البدو كانوا يعلمون أن الغاية ليست تحسين أوضاعهم، وإنما سلب أراضيهم.

مشروع "الكرفانات"

وفي نطاق تسهيل مهمة ترحيل البدو في النقب، عمد الاحتلال على مدى العقود الماضية إلى رفض الاعتراف بالتجمعات البدوية، ما جعل ما لا يقل عن 40 ألف بدوي يعيشون في النقب فيما يُعرف ب«القرى غير المعترف بها»، التي يبلغ عددها 51 قرية. وبعض هذه القرى قائم في مكانه منذ ما قبل قيام الدولة العبرية؛ إثر نكبة فلسطين في عام 1948.

وبحسب ما نشرت الصحف اليهودية فإن «مشروع الكرفانات» ليس سوى خطة؛ لتهجير 40 ألف بدوي فلسطيني من النقب إلى «مناطق داخلية». وقد أعد هذه الخطة وزير الزراعة في حكومة نتنياهو، المستوطن من حزب «البيت اليهودي» أوري أرييل. وتتضمن الخطة: مصادرة 260 ألف دونم في النقب؛ بغرض إنشاء مستوطنات يهودية جديدة عليها. وقد حددت ثلاث سنوات تنتهي في عام 2021؛ لتنفيذ هذه الخطة التي تتم على مراحل؛ تبدأ بإجلاء خمسة آلاف بدوي إلى تجمع تل السبع في شمال النقب. وتبدأ الخطة بتفريغ 12 ألف دونم، لتتبعها مرحلة أخرى؛ لإجلاء خمسة آلاف آخرين إلى قرى أبو تلول وأبو قرينات ووادي النعم.

التيارات الوطنية

وقد تداعت التيارات الوطنية في النقب؛ للتصدي للمشاريع الترحيلية الجديدة؛ عبر عقد اجتماعات عامة اعتبرت فيه مخططات الترحيل تجسيداً لسياسة التمييز العنصري التي يمارسها الاحتلال أبداً ضد الفلسطينيين. ولاحظت هذه التيارات أن توقيت عرض هذه المشاريع حالياً في ظل الأزمة السياسية التي يمر بها الكيان ليس عابراً، وأنه جزء من التنافس اليميني على التطرف ضد العرب. وفي كل حال رأوا أن هذه المخططات ليست سوى مشروع لتحويل القرى البدوية إلى مخيمات بائسة تفتقد لكل أسس العيش الكريمة وهي استمرار لنمط التعامل المعهود منذ نشأة الكيان. وشددت هذه التيارات على أهمية التصدي العملي لهذه المخططات بعيداً عن الساحة القضائية؛ لأن القضاء الصهيوني يصطف في الأغلب إلى جانب مخططات الحكومة.

ولا ريب في أن مخططات الاحتلال ضد بدو النقب تتنافى مع مبادئ العدالة وحقوق الإنسان. وقد أعلن محامون من «المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في الأرض المحتلة - عدالة» أن ما ترتكبه «إسرائيل» من عمليات تهويد وتدمير ممنهج للحياة البدوية في النقب يعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني؛ حيث إنه بموجب المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة يحظر على السلطات في أي دولة النقل القسري للمواطنين، بناء على هويتهم أو عرقهم أو دينهم». وأنه «من أجل تهويد النقب، تقوم السلطات «الإسرائيلية» بتنفيذ خطط اقتصادية وعسكرية لا تهدف إلى خدمة البدو من خلال توفير حياة كريمة لهم؛ بل هي تسعى إلى تغيير الهوية والأرض والإنسان؛ لخدمة مشاريعها الاستعمارية".

انشر عبر
المزيد