شهود يروون لـ"القدس للأنباء": هكذا عشنا ساعات المجزرة المأساوية الرهيبة

16 أيلول 2016 - 11:14 - الجمعة 16 أيلول 2016, 11:14:07

وكالة القدس للأنباء - خاص

رغم مرور 34 عاماً على مجزرة صبرا وشاتيلا، مازالت ملامح الخوف والوجع ومشهد الدم، ماثلة في ذاكرة من عاشوها، بخاصة عندما كانوا أطفالاً، لم يدر في خلدهم للحظة واحدة أن القدر والمؤامرة كانا يخبئان لهم ولأهلهم، كل هذا الحقد القاتل.

هؤلاء الشهود مازالوا مسكونين بتلك الساعات الرهيبة، يتحدثون عنها وكأنها شريط يبث الآن: قنص وذبح وصراخ وعويل وأعمال إجرامية رهيبة.

قالوا لـ"وكالة القدس للأنباء" كل ما في جعبتهم ليبقى كلامهم وثيقة للتاريخ، بعضهم خانه التعبير فلجأ إلى الدموع، والبعض الآخر تماسك ونقل لنا التفاصيل.

روى شاهد العيان على المجزرة، لؤي أبو تركي من مخيم شاتيلا، ما حصل لـ"وكالة القدس للأنباء" فقال: "كنت وأهلي في منزلنا بالقرب من مكتب فتح (إقليم فتح سابقاً)، عندما انطلقت الشائعات بأن اليهود بعد دخولهم بيروت وخروج المقاتلين الفلسطينيين منها، طوقوا مخيم صبرا وشاتيلا، وكانت الناس منهكة وتعبانة من الوضع، فبعد خروج المقاتلين شعرنا بالوحدة والقلق، وصارت تجي إشاعات أنه عم يحصل عمليات ذبح في منطقة الحرش، ومنطقة الرحاب حالياً، ما كنا نصدق ونسأل مين عم بذبح يقولوا لنا سعد حداد والكتائب، خفنا إنه يصير إشتباكات لأنه بعض الشباب لما سمعوا إنه العدو "الإسرائيلي" مطوق المخيم تحركوا واللي عنده بارودة مخبيها صار يطلعها،  يمشي على أطراف المخيم ليتأكد من صحة الكلام، حتى أن بعضهم صار يطلق النار باتجاه السفارة الكويتية والمدينة الرياضية ظناً منه أن هذا الأمر سوف يحمي المخيم، ولكن بعض كبار السن كانوا يظنون أنه لن يحصل قتال، واليهود كانوا ينادون "سلموا سلاحكم تسلموا وإرفعوا الرايات أنتم بأمان" لم يكن أحد يتوقع أن وراء هذا الكلام مؤامرة كبيرة مدبرة".

بداية المجزرة وحالات الفرار

وأضاف أبو تركي: "كنت يومها في العاشرة من عمري وكانت الأجواء بصراحة كثير مخيفة، في تلك اللحظات زار والدي أبو تركي عدد من كبار العمر ومن بينهم أحمد السعيد، وطلبوا منه تشكيل وفد من وجهاء المخيم لحتى يطلعوا صوب السفارة الكويتية، يقابلوا الضابط اليهودي المسؤول عن محاصرة المخيم، لحتى يقولوا له أن مخيم شاتيلا مسالم، وما فيه فدائيين حتى ما يحصل تدمير للمخيم، ولكن والدي رفض ذلك حتى لا ينعت بشيء غير وطني، وكل الوفد اللي طلع ما رجع منهم حدا لأنه قوات العدو ذبحتهم".

وتابع: "بعدها تأكدنا من عمليات الذبح، خاصة عندما شاهدنا رجلاً قادماً من منطقة الحرش المحاذية للمخيم يحمل زوجته المصابة بطلق ناري في رأسها، ونحن كنا ساكنين على طرف المخيم فتوجهنا إلى داخل المخيم، صوب جامع شاتيلا، ظناً منا أنه أكثر أمناً، وتسلح  صهري مع مجموعة من الشباب وتوجهوا إلى منطقة الحرش للتأكد من موضوع الذبح، وبعدها عاد وأخبر والدي بأن عملية الذبح صحيحة وقد حصينا 19 جثة جنب بعض في تلك المنطقة، وقد  ذبح جارنا معروف الدوخي في الحي الغربي، وأنا سوف أطلع مع عائلتي.

وأشار أبو تركي إلى أننا "كنا متوهمين أن المخيم محاصر ولا نستطيع الخروج حتى جاءت جارتنا من خارج المخيم أم أحمد فضة، وسألناها كيف دخلتي إلى المخيم، فدلتنا على فتحة في حائط منشرة حد مستوصف الحريري حالياً بتنفذ على منطقة صبرا، ونبهتنا إلى وجود قناص صوب المدينة الرياضية، قلنا لها شو جاي تعملي، فأجابت أنا هربت أنا وأولادي إلى شارع حمد وانقطعنا من الخبز، وجاي أجيب طحين لحتى أعجن وأطلعلهم الخبز، في الساعة الخامسة صباحاً طلعنا، وأنا كنت الصغير ركضت آخر واحد، في هذا الوقت كانت امرأة خلفي عم بتحاول تقطع الطريق، قنصها القناص فوقعت بأرضها، بالجهة الثانية وجدنا شابين مسلحين وملثمين بالكوفية الفلسطينية، قلنا لهم إنه فيه إمرأة سقطت برصاص  القناص اليهودي إللي عم بقنص من جهة المدينة الرياضية تجاه طريق الأوستديو، وفعلاً نزلوا غطوا بإطلاق النار تجاه القناص وسحبوا المرأة، ونحن كفينا طريقنا باتجاه مستشفى غزة، وهناك رأى الوالد بأنه يوجد خطورة على حياتنا هناك، وإنه في إمكانية دخول اليهود إلى المستشفى، فاتصل بأقاربنا في حارة حريك عندهم بيك أب صغير، جاؤوا  وأخذونا ورحنا اختبأنا في حارة حريك."

قصص وشواهد مؤلمة ومثيرة

وأشار شاهد العيان إلى أنه "بعد انتهاء المجزرة سألنا عن جارتنا أم أحمد فضة، وعلمنا بأن جماعة الكتائب وسعد حداد استطاعوا الوصول إليها في المخيم وذبحوها، وسبحان الله المرأة التي استهدفها القناص برصاصة في ظهرها استطاعت النجاة "، ورأى أبو تركي حسب مشاهدته الكثير من الناس وبسبب الخوف الذي انتابهم في مستشفى غزة إرتدوا لباس الأطباء، ظناً منهم بأنهم سيصبحون في مأمن، لأن العدو الصهيوني لن يذبح الأطباء ولكنه دخل المستشفى وذبح كل الناس التي كانت متواجدة في المستشفى وأولهم الأطقم الطبية."

وتابع: "يوجد أشخاص كثيرون  أخبرونا ماذا حصل معهم، ومع أقاربهم وجيرانهم، ومن بينهم عائلة أبو ردينة التي دخل اليهود بيتهم وذبحوا كل العائلة وبقي الولد محمد وأخته منال مختبئين داخل الغسالة، وهذا أثر كثيراً على حالتهم النفسية فمحمد كبر في المخيم ووجد نفسه وأخته وحدهما في الدنيا من دون أب وأم يحتضنهما، لذلك قرر الهروب من هذه المأساة التي حلت  بعائلته والسفر إلى لندن، وهو الآن يقيم هناك منذ أكثر من 15 سنة، أما أخته منال فلا زالت تسكن المنزل الذي فقدت به أسرتها".

في منزل منال

زارت "وكالة القدس للأنباء" منال في منزلها للإطلاع منها على التفاصيل، ولكنها رفضت الكلام بالموضوع ونبش جرح الماضي الذي لا تدمله كل هذه السنين، مكتفية بذرف الدموع تعبيراً عن مشاعرها الحزينة الدفينة.

وقالت شاهدة العيان، أمل محمد من سكان مخيم شاتيلا، بأنها عاشت مجزرة صبرا وشاتيلا:     "كان عمري 13 سنة لما أخذونا الكتائب و"الإسرائيلية" مع بعض الشباب والنساء تجاه المدينة الرياضية لحتى يصفونا ويذبحونا هناك، ولكننا نجونا بأعجوبة واستطعنا الهرب بسبب انفجار لغم أرضي في تلك المنطقة."

وأضافت: "شفت مناظر بتقطع القلب، إمرأة حامل شاقوا بطنها وطلعوا الولد، والشيوخ والأطفال والنساء مرميين على الأرض وما فيني أحكي أكثر من هيك"، ثم غصت بالبكاء.

هذه الشواهد بعض صور المجزرة الرهيبة، لأن ما حصل بهوله وفظاعته تجاوز الإرهاب النازي، وهو كان يرمي إلى إبادة الشعب الفلسطيني بأطفاله وشيوخه ونسائه وشبابه على حد سواء، وإرهاب من يبقى حياً، والأعمال الوحشية التي قام بها العدو وعملاءه، تأكيد على أسلوب ونهج وفاشية الحركة الصهيونية في التعاطي مع شعبنا والأمة العربية قاطبة، غير أن الذي فات العدو هو أن الشعب الفلسطيني لا ينسى، وجراحه تزهر بنادق مقاومة.

هاشم يروي فصولاً أخرى عن المجزرة

ويروي الشاهد العيان على مجزرة العصر إبن مخيم شاتيلا محمود هاشم، لـ"وكالة القدس للأنباء"، تفاصيل مجزرة صبرا وشاتيلا وما شاهده من أحداث مؤلمة ومرعبة وعمليات قتل وذبح بحق المدنيين الأبرياء. كان جالساً مع أصدقائه وأهله في منزله بمخيم شاتيلا حين جاءه خبر بأن عمليات القتل والذبح تحصل عند أطراف المخيم وفي الأحياء المجاورة له، وسارع بالتحرك مع أصدقائه للتأكد من صحة الخبر، حيث صدم الجميع بالمناظر الدامية والجثث المذبوحة المنتشرة في طرقات وزواريب المخيم...

ويقول هاشم: "في مثل هذا اليوم من العام 1982 طُرق باب بيتنا بقوّة، فذهبت مسرعاً لاستطلع النبأ، وفوجئت بأحد أصدقائي في المخيم ويدعى أبو الغضب بحالة عصبية يصرخ بوجهي: "قوموا بسرعة أهربوا من المخيم عم يقتلوا الناس". قلت له: "إهدأ يا أبو الغضب شو القصة مين بيقتل مين؟".  أجابني: "ما بعرف ما بعرف" . وذهب مسرعاً .

عدت إلى الغرفة وأخبرت الشباب بأن أبو الغضب فقد عقله وعم يركض بالطريق مثل المجنون وبيصرخ "أهربوا من المخيم عم يقتلوا الناس". فأشار أحد أصدقائي بأن نذهب ونتحقق من الموضوع لعله جاداً في كلامه. صرخت بوجهه: "كيف بدو يكون في شي والجيش اللبناني يحمينا ... شو انجنيت أنت كمان؟".

وأضاف هاشم: "وبعد حوالي عشر دقائق بدأنا نسمع أصوات إطلاق نار وهذا كان أمراً مستغرباً لدينا، فلا يوجد سلاح بالمخيم حتى السكين إذا حدا حملها يتم إعتقاله من الجيش اللبناني حينها". قلت لأصدقائي: "خلينا نروح نشوف شو عم بصير يا جماعة". خرجنا من البيت بإتجاه صوت الرصاص حتى وصلنا إلى شارع العويني في المخيم. كانت شوارع المخيم خالية من الناس وليس في الطريق إلا أنا وأبو الرائد وأمجد، واستمرينا بالإقتراب حتى تأكدنا أن هناك أمراً مريباً يحصل، خاصة بعدما شاهدنا أناساً يهربون مرتعبين وهم يصرخون: مجزرة ... مجزرة ."

وتابع: "في هذا الوقت قلت لأصدقائي: سأحاول إخراج أهلي من المخيم. وبالفعل ذهبت بأهلي عن طريق حي فرحات إلى خارج المخيم، ورجعت رغم إلحاح أمي بعدم عودتي. ولدى وصولي  لم أجد أحداً من أصدقائي في المكان. ورحت أبحث عنهم. وبعد قليل، عادوا وكان أمجد يحمل رشاش كلاشنكوف، قلت له: "من وين جبت الكلاشن يا أمجد؟". أجابني: من مستودع الجبهة العربية اللي كان عم يتفجّر قبل أيام بس المشكلة أنه ما شفنا غير هالكلاشن بس. فقلت لأصدقائي يا شباب كلاشن واحد ما بكفي كيف بدنا نجيب سلاح. بحثنا عن سلاح ولم نجد. قال أمجد: "اسمعوا يا شباب أنا معي هالكلاشن رايح استطلع الوضع بشارع "الدوخي" وأرجع انتظروني هون". فرد أبو الرائد: "ماشي أمجد بس لا تتأخر" .

وبعد شي ربع ساعة عاد أمجد بدون سلاح وكان متعباً جداً ويلهث من الركض. قلت له: "شو مالك؟، شو صار معك؟ وين سلاحك؟"... أجاب: "شفتهم وهني بيطلقوا النار على الناس، أطلقت عليهم الرصاص حتى خلص المخزن وقتها رميت الكلاشن بالأرض وهربت". فتساءل أبو الرائد: "طيب وين الجيش اللبناني والقوات المتعددة الجنسيات اللي كانت تحمي المخيم؟". كان سؤال أبو الرائد بدون جواب من أحد، ثم قال أمجد: "اسمعو يا شباب احنا بإيدينا ما فينا نعمل شي وسلاح ما في خلينا نطلع من المخيم."بالفعل  طلعنا من المخيم، ولدى وصولنا إلى الطريق الجديدة، "كل واحد راح بطريق"..

بعد ثلاثة أيام وفي اليوم الأخير للمجزرة كنت واقفاً في منطقة الطريق الجديدة (على تخوم صبرا وشاتيلا) مع جمهرة من الناس الذين ينتظرون أي خبر من المخيم، لأن الصورة كانت لا تزال غامضة ولا أحد يعرف ما يحصل داخل أحياء وأزقة المخيم. كان بجانبي رجل أشقر يحمل كاميرا فوتوغرافية، عرفت لاحقاً أنه صحافي بريطاني لكنه شجاع. قال بلهجة عربية ثقيلة بعض الشيء: "أنا بدي أروح على المخيم في حدا منكوا بروح معي؟" .

 لم يجبه أحد... وبعد برهة قلت له: "أنا بروح معك" . وبالفعل كان الصحافي معه دراجة نارية  visba)) ركبت معه على الدراجة وسرنا نحو المخيم. الطريق إلى صبرا كان أشبه بصحراء خالية من كل شيء، لا بشر ولا قطط ولا شيء في الطرقات على الإطلاق، فقط كنا نحن الإثنين نتحرك في الشارع. وبقينا نسير بالطريق، حتى تجاوزنا شارع الحي الغربي لمخيم شاتيلا ووصلنا الى دكان أبو محمد الدوخي كان أول شخص نراه وهو ملقى على الأرض مقتولاً. صدمني المشهد لكني لم أتراجع بينما الصحفي أوقف دراجته النارية وبدأ بالتقاط الصور.

 استمرينا بالسير حتى وجدنا مجموعة من الأحصنة مقتولة على الركام ثم شاهدت رجلاً مقطوع الرأس أدركت لاحقاً أنه (عمي)، أنا كنت أشاهد بغضب هذه المناظر بينما الصحفي كان فقط يلتقط الصور. أكملنا طريقنا حتى وجدنا سيارة من نوع (بيك آب) وتحتها مجموعة تم إعدامها، أعتقد كان عددهم تسعة أشخاص (هذا رقم غير دقيق) لأني لم أعد اذكر. بينما كنت أنظر إلى هذا المشهد والصحفي يلتقط الصور سمعنا حركة أقدام تتراكض. التفت إليَ الصحفي وقال لي: "شو هادا؟". أجبته: "يمكن ناس هرباني"... بقينا للحظات، ثم سمعنا صوت تلقيم سلاح حينها من غير ما نشعر بدأنا بالركض لأننا أدركنا أن المسافة بيننا وبين دراجته النارية هي مسافة فاصلة ما بين الموت والحياة، وما إن وصلنا إلى الدراجة حتى ذهبنا مسرعين. وبينما نحن في طريقنا سمعنا بعض الرشقات النارية ولا أعلم ما إذا كان إطلاق النار كان علينا أم لا ... فعدنا من حيث أتينا.

يبكي هاشم ضحايا المجزرة من أقاربه وأصدقائه وجيرانه الذين قضوا ذبحاً على يد جيش لحد وجيش العدو الصهيوني الذي استغل خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت ليرتكب مجزرة مروعة بحق الناس الآمنين في المخيم،  ويتحسر على عدم امتلاك الشباب للسلاح عندما حصلت المجزرة ويشدد على ضرورة الإحتفاظ بالسلاح كي لا تقع مجزرة صبرا وشاتيلا مرة ثانية.

انشر عبر
المزيد