المقاومة والانتخابات والمؤتمر الدولي في الميزان

24 آب 2016 - 03:25 - الأربعاء 24 آب 2016, 15:25:04

بعض الكُتّاب يجيد فن التنقّل بين المحاور، ويتقن مهارات القفز بين المعسكرات ، ويبرع في خفة الوثب من سفينة لأخرى . فهاجم أحدهم المقاومة – نهجاً وفصائل – مناقضاً لكلامه القديم ومُنظّراً لنهجٍ ولمحورٍ آخر ، معتقداً في ذاته برجحان كفة هذا النهج وذلك المحور . وفي مقال سابق له نرى من المفيد مناقشة ثلاث نقاط طرحها الكاتب ، وهي : نقده لنهج المقاومة المسلحة في فلسطين ، وطرحه المقاومة الشعبية المجتمعية بديلاً عنها ، ونقده لنهجي المقاومة المسلحة والمفاوضات الثنائية وطرحه المؤتمر الدولي المستند إلى قرارات الشرعية الدولية بديلاً عنهما ، ومهاجمته لقرار حركة الجهاد الإسلامي بعدم المشاركة في الانتخابات البلدية مستخدماً هذا الموقف السياسي مدخلاً للتشكيك في شعبيتها واتهامها بالعجز وفقدان الفاعلية في الساحة الفلسطينية .

بالنسبة للنقطة الأولى حول دعوته للمقاومة الشعبية المجتمعية – حسب تسميته - بديلاً عن المقاومة المسلحة التي أطلق عليها (العسكرة)، وكأننا أمام صراع مدني داخلي بين فئات شعب واحد ، فأي دعوة للمقاومة السلمية بديلاً عن المقاومة المسلحة هي دعوة لإطالة عمر الاحتلال والكيان الصهيوني ، وبالرغم من أن المقاومة الشعبية مهمة وضرورية ومطلوبة بكافة صورها وأشكالها ، ولكن رديفاً للمقاومة المسلحة وليست بديلاً عنها ، ذلك بأن المقاومة الشعبية السلمية لا تناسب صراعنا مع العدو الصهيوني ذي الطبيعة الاستيطانية الإحلالية ، فهو صراع وجود يتعلّق بوجود أحد الشعبين على نفس الأرض أو عدم وجوده . وهذا الصراع لا يمكن حسمه بأساليب المقاومة السلمية فقط التي تصلح لأنواع أخرى من الصراع يهدف فيها الشعب على تحصيل حقوقه المدنية من خصمه .

كما أن هذه الدعوة تغمط حق المقاومة المسلحة وتتجاهل دورها في إلحاق الهزيمة بالاحتلال الصهيوني في كل من جنوب لبنان وقطاع غزة وتحريرهما من قبضته بدون مفاوضات أو شروط مسبقة ، ومن ثم الصمود أمامه في عدوانه المتكرر على المقاومة وشعبها في كل من لبنان وفلسطين ، حيث انسحب من جنوب لبنان عام 2000 ثم هُزم عام 2006 ، وفي غزة قام بالانسحاب منها وتفكيك مشروعه الاستيطاني فيها الذي كان يعتبره مثل تل ابيب في المكانة والأهمية كما عبّر عن ذلك رئيس وزراء العدو آنذاك آرييل شارون .

والمقاومة المسلحة هي التي من خلال دك عمق الكيان الصهيوني بالصواريخ انطلاقاً من غزة ولبنان ، وقبل ذلك بالعمليات الاستشهادية في قلب المدن الصهيونية ، استطاعت أن تضرب جوهر المشروع الصهيوني إضافة لضرب نظريته الأمنية التي ضُرب أهم أركانها في إبقاء الجبهة الداخلية للكيان آمنة والحفاظ على العمق الاستراتيجي بعيداً عن الخطر ونقل المعركة لأرض العدو . فجوهر المشروع الصهيوني هو الأمن الذي يعتمد عليه كل من الهجرة والاستيطان ’ فإذا ضُرب أمن الكيان الفردي والقومي – كما فعلت المقاومة – فسيتم إضعاف ركيزتيه الآخرتين وهما الهجرة والاستيطان .

فصواريخ المقاومة وعملياتها العسكرية تعكس الصورة التي أراد العدو إيصالها ليهود العالم بأن دولة ( اسرائيل ) هي المكان الأكثر أمناً لليهود في العالم ، لتصبح هذه الصورة معكوسة أي هي المكان الأكثر خطراً لليهود في العالم ، فيضربُ الهجرة ومن ثم الاستيطان وهذا هو جوهر المشروع الصهيوني .

أما بالنسبة للنقطة الثانية المتعلّقة بطرح فكرة المؤتمر الدولي المستند لقرارات الشرعية الدولية بديلاً عن المقاومة والمفاوضات معاً فليست بالجديدة ، فقد تبناها وأعادها إلى الحياة السيد محمود عباس رئيس المنظمة والسلطة للخروج من مأزق المفاوضات الثنائية المتوقفة ووصول مسيرة التسوية عبر بوابة أوسلو إلى طريق مسدود . فهو خيار لنهج المساومة والمفاوضات تبناه الكاتب ليجعله بديلاً عن نهج المقاومة والصمود الذي فشل بزعمه في مهمته التحريرية ، ويقترح علينا انتظار عقود أخرى على رصيف المؤتمرات الدولية ريثما تتوّفر الظروف المناسبة  ويخرج علينا أحد هذه المؤتمرات بحلٍ عبقري للقضية الفلسطينية ، ولقد نسى أن المؤتمر الدولي الذي عُقد في مدريد عام 1991 كان مدخلاً للمفاوضات الثنائية بين المنظمة والكيان التي أوصلتنا إلى اتفاقية أوسلو ، وأن التدخلات الدولية منذ نشأة الصراع حتى قبل 1948 كانت لصالح العدو ولتثبيت الأمر الواقع الذي يؤكد شرعية المحتل الغاصب لفلسطين .

والاستناد إلى وهم الضغط الدولي عبر آلية المؤتمر الدولي على الكيان الصهيوني للاستجابة إلى الحقوق الوطنية الفلسطينية كمن يستند إلى جدار مائل بل منهار ، فهذه الرؤية مبنية على قراءة خاطئة لطبيعة العلاقة بين الكيان الصهيوني والغرب ، فالمشروع الصهيوني في فلسطين هو إفراز للمشروع الغربي ضد الأمتين العربية والإسلامية ، ورأس حربته الضاربة في المنطقة ، والكيان الصهيوني إحدى وسائل الغرب لممارسة العنف وإدامته ضد كل من يحاول رفع رأسه ضد الهيمنة الغربية والتخلّص من التبعية ، لذلك فإن الضغط الغربي على الدولة العبرية لن يتجاوز السقف المسموح به سياسياً وإعلامياً ، ولن يتحوّل إلى فعل ضاغط ومؤثر على السياسة الإسرائيلية لدرجة تؤدي إلى تحقيق أي قدر من الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني ، خاصة في ظل غياب أي منظومة عربية ضاغطة على حلفاء ( اسرائيل ) في الغرب ، وبالأحرى عدم وجود هذه الرغبة الضاغطة ، بل يوجد رغبة معاكسة الآن في الهرولة نحو التطبيع مع الكيان الصهيوني بعيداً عن فلسطين والقضية الفلسطينية .

وبالنسبة للنقطة الثالثة المتعلقة بحركة الجهاد الإسلامي وقرارها عدم خوض الانتخابات البلدية ، فقد أعطى الكاتب لنفسه الحق في تقدير الوزن الشعبي وتقييم قوة الفعالية والتأثير لأحد فصائل المقاومة الرئيسية وهي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين على الساحة الفلسطينية ، منتقداً قرارها عدم المشاركة في الانتخابات البلدية القادمة في الضفة والقطاع ، ومتخذة مدخلاً لتوجيه سهام النقد لها الذي تجاوز موقف الحركة من الانتخابات وفق اجتهادها السياسي إلى التشكيك في شعبيتها وفعاليتها وتأثيرها على الساحة الفلسطينية .

وهذا تجاهل واضح لدور الحركة المركزي منذ بداية الثمانينات في القرن العشرين في المقاومة والجهاد ضد العدو الصهيوني ، وحضورها الفاعل والمؤثر في كل محطات النضال الوطني الفلسطيني منذ نشأتها وانطلاقتها الجهادية ، ودوها البارز في تهيئة المناخ الثوري لتفجير الانتفاضة الأولى واستمرارها وفق شهادة العدو قبل الصديق ، وتصديها للحلول الإستسلامية الرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية .والانخراط في فعاليات انتفاضة الأقصى الثورية والجهادية ، ولا زالت حاضرة بقوة في الفعل الثوري والوطني على الساحة الفلسطينية .

وإلى جانب ذلك كله دورها الواضح في إعادة تفعيل الدور الإسلامي في الصراع مع العدو الصهيوني ، والمزاوجة بين الإسلامي والوطني في مشروعها الجهادي بعد الفصام النكد بينهما لعشرات السنين ، وانها جاءت كإجابة إسلامية ثورية عن السؤال الفلسطيني ، وقدّمت حلّاً لإشكالية الدين والوطن .

أما عن عدم مشاركتها في الانتخابات البلدية فهو موقف سياسي اتخذته الحركة وفق رؤيتها لواقع المأزق الفلسطيني الحالي ، وظروف القضية الفلسطينية الحالية ، وأولويات العمل الوطني الفلسطيني ، وقد سبق أن شاركت فيها في ظروف مختلفة . فهو اجتهاد سياسي منسجم ورؤية الحركة وأولوياتها في تقدير أهم الطرق للخروج من المأزق الفلسطيني وأفضل الطرق لخدمة شعبها الفلسطيني الذي يمر عبر إعادة بناء المشروع الوطني الفلسطيني على أرضية الثوابت الوطنية ونهج المقاومة ، وعبر الجهاد والمقاومة لتحرير فلسطين – الأرض والشعب – من الاحتلال ، وذلك أقصر الطرق لخدمة الشعب الفلسطيني

بقلم د. وليد القططي

انشر عبر
المزيد