ألمانيا النازية والصهيونية معاً لخلق "إسرائيل"

28 تشرين الثاني 2015 - 07:56 - السبت 28 تشرين الثاني 2015, 19:56:14

ألمانيا النازية والصهيونية معاً لخلق "إسرائيل"
ألمانيا النازية والصهيونية معاً لخلق "إسرائيل"

منى سكرية 2

تطابقت أهداف النازية والحركة الصهيونية في مسألة تهجير يهود ألمانيا النازية الى فلسطين (مضمون كتاب ألمانيا النازية وفلسطين 1933 ـ 1945 لمؤلفه عبد الرحمن عبد الغني). وتباينت كالماء والنار في تلك الفترة وحالياً، سلوكيات الصهاينة المجبولة على الحذر، والجدّ، وكتم السر والتخطيط، مع سلوكيات العرب المنصهرة بالأنانية القاتلة، والتسلط، والتفرد واللاقرار، الى تشبث دائم بالغرب للحصول على فتات الحلول بما فيها من ألمانيا النازية (زيارات المفتي أمين الحسيني الى ألمانيا لانتزاع موقف مؤيد لفلسطين ولقاءاته هتلر الداعم لقيام دولة لليهود).

يستقطب الجزء الأول من الكتاب توثيق المؤلف للعلاقة بين ألمانيا النازية والحركة الصهيونية، وصولاً الى التهجير القسري الذي مارسته منظمة «الغستابو»، دونما التطرق الى المحرقة، فيما استحوذ الجزء الثاني على مواقف ألمانيا النازية وحركة الاستقلال الفلسطينية وما شابها من «لا تعاون» (ص 216).

ويذكر بالأسماء من المسؤولين النازيين منذ تسلم هتلر منصب المستشار في ألمانيا العام 1933، ومن الحركة الصهيونية في ألمانيا وخارجها (يعرض لثلاثة اتجاهات سيطرت على المشهد اليهودي الألماني يومها وتراوحت بين الصهيونية، واللاصهيونيين، واليهود الاندماجيين الرافضين للهجرة، إضافة الى نشاط الحركة الصهيونية ووكالة التنمية اليهودية ورجال الأعمال اليهود من خارج ألمانيا، وتوزعوا ما بين فلسطين تحت الانتداب البريطاني وعواصم أوروبا)، وكذلك بالتواريخ لتلك اللقاءات، وراوائح الصفقات بما يخدم مصالح الطرفين. فكانت الهجرة الى فلسطين محور المشاورات بين الدوائر المختصة بالهجرة (ص24)، وكانت الفرصة التاريخية للصهيونية لأن «ما لم يتكلل خلال ثلاثين عاماً من العمل الدؤوب لصهينة يهود ألمانيا بالنجاح استطاع هتلر عمله خلال ليلة واحدة (ص25)، إذ ردد النازيون في شوارع المدن الألمانية «اذهبوا الى فلسطين»، ورُدّد أيضا في شوارع تل أبيب شعار «افتحوا أبواب فلسطين للهجرة».

وتوّجت اتفاقية «الترانسفير» ـ النقل، أو «هعبراه بالعبرية»، لتأمين نقل يهود ألمانيا الى فلسطين العام 1933 طبيعة اللقاءت بينهما، وأتت أولاً «في إطار المشروع الصهيوني لنقل العقائديين من اليهود، ورؤوس الأموال اللازمة، وشكّلت أسواق سوريا ولبنان محور سياسة نقل رأس المال اليهودي الألماني الى فلسطين» (ص117)، واستثناء الهجرة الى بلاد غير فلسطين. حددت اتفاقية «الترانسفير» الخطوات العملية لنقل يهود ألمانيا وأموالهم وأملاكهم، وهكذا «أصبحت سياسة التعامل مع ألمانيا النازية أساس سياسة الحركة الصهيونية الرسمية، وأقر هتلر مكانة فلسطين بلداً لتوطين الشعب اليهودي في سياسة ألمانيا النازية، وأقرت اتفاقية «الترانسفير» أساساً لسياسة ألمانيا النازية تجاه اليهود، وليس تجاه الصهيانة فقط، وتجاه فلسطين في آن معاً» (ص78).

على سبيل المثال، فإن قرارات الحكومة الألمانية العام 33-34 منحت الهجرة الى فلسطين امتيازات خاصة قياساً بالهجرة الى البلاد الأخرى، إذ بينما سُمح للمهاجر الى بلاد أخرى بإخراج ألفي مارك فقط بالعملات الأجنبية، استطاعت إدارة «الترانسفير» تأمين مبلغ 12 الى 13 ألف مارك للمهاجر الى فلسطين، والحد الأعلى 50 ألف مارك (برغم أزمة العملات الصعبة يومها في ألمانيا وفقاً لوقائع الكتاب)، وهدّد المرسوم الجديد للحكومة الألمانية المهاجرين الذين حاولوا استغلال التسهيلات الخاصة التي مُنحت إلى فلسطين للهجرة الى بلاد أخرى بتوجيه تهم إجرامية إليهم (ص91).

أمثلة كثيرة حول التعامل لتهجير اليهود الى فلسطين، اقتضت تصريحاً واضحاً من وايزمن في المؤتمر الصهيوني التاسع عشر في لوزان في آب 1935 بقوله: «ليس لدينا ما يُشعرنا بالعار باستعمال قمع يهود ألمانيا لبناء فلسطين» (ص96)، إذ إن اتفاقية «الترانسفير» تعدّت هدفها المباشر في تخفيف أزمة يهود ألمانيا، وجعلت بناء البلاد وتسهيل الهجرة من البلاد الأخرى هدفاً نهائياً، وشكّل قارب النجاة للحركة الصهيونية ومنها رفض بن غوريون أي حلول لإنقاذ يهود ألمانيا خارج الإطار الصهيوني. (ص 101).

سياسة «الترانسفير» التي استمرت حتى نهاية 1939 شابتها صراعات توزعت بين الحركة الصهيونية في ألمانيا، واليهود الاندماجيين ممن رفضوا الهجرة تحديداً، لكن هؤلاء تعرضوا لضغوط قسرية أجبرتهم على الرحيل بشتى وسائل الغستابو والصهاينة معاً، (تتشابه مع ما تعرض له يهود العراق على أيدي الموساد من اغتيال وتفجيرات لمؤسساتهم الدينية والتجارية في العراق أو قضية لافون في مصر ـ كتاب عباس شبلاق بعنوان «يهود العراق تهجير أم هجرة» صادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية)، واشتدت مع تسلم النازية الحكم، ومع ذلك فقد استمرت الاجتماعات بين طرفي القيادة النازية والحركة الصهيونية للتنسيق في تنفيذ الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين «خلال إطارين رئيسيين: الأول رسمي والآخر غير رسمي، لكن أجهزة الشرطة السرية ورجال الغستابو كانوا على علم بكليهما» (ص181). كما أن إيخمان (مسؤول الغستابو) «قام بتنظيم الهجرة غير الشرعية الى فلسطين وتمويلها» (ص182)، وتحولت إسطنبول ـ كما روما ورومانيا ـ مركزاً مهماً لنشاط وكلاء الهجرة خلال الحرب العالمية الثانية بصورة خاصة، واستخدم عملاء التنظيمات الصهيونية إسطنبول مركزاً لنشاطهم (ص186).

تتوازى خطورة التوثيق الذي سجله عبد الرحمن عبد الغني عن تلاقي النازية والصهيونية وتنسيقهما لتهجير اليهود الى فلسطين، مع لامبالاة الحركة النازية وزعيمها هتلر بحركة الاستقلال الفلسطينية وأحد قادتها المفتي أمين الحسيني.

وتُشكل المادة التوثيقية لاتصالات الحسيني مع زعماء النازية مادة تدحض ما ادعاه نتنياهو مؤخراً باتهامه الحسيني بتحريض هتلر على المحرقة، لأن الوقائع في الكتاب المذكور تكشف عن خطط النازية المبكرة، «إذ سعى غيرنغ وهو الرجل الثاني بعد هتلر لتنفيذ برنامج الحزب منذ سنة 1920 الذي قضى بإخراج اليهود من جميع ميادين الحياة الاقتصادية الألمانية» (ص172)، والامتناع عن أي تعاون مع قوى سياسية محلية ترمي الى زعزعة الوضع القائم في المشرق العربي بعد «مؤتمر فرساي» (ص216).

يقدم الكتاب وقائع صادمة عن تلك اللقاءات، ومثلها عن خلافات الحسيني ـ الكيلاني في روما وبرلين(!) ما يثير كمّاً من الوجع لأسباب كثيرة، منها الرغبة الدائمة والقائمة لدى قادة عرب مروا على قضية فلسطين وجلّ دأبهم الحصول على تأييد خارجي! وقد حصل هذا وسط صراعات ومصالح دول كبرى لا يشكل العرب فيها أكثر من تصريح من «أفواه كبيرة» على حد وصف هتلر للعرب (ص212)، ناهيك عن النوم على حرير الوعود وحسن الاستقبال وتغليب العواطف. ونكاية ببريطانيا والشيوعية «الملحدة»، أيدت بعض الصحف الفلسطينية ألمانيا النازية، فيما كانت النازية والصهيونية تعقدان الاتفاقيات سراً وبالصمت. (معرفة الصحف العربية الصادرة في فلسطين يومها عما كان يجري من تفاهمات بين الحركة الصهيونية وألمانيا النازية ـ ص198).

بعد سرده لأزمة رشيد عالي الكيلاني في العراق ولجوئه والمفتي الحسيني الى روما وبرلين (عبر تركيا وطهران)، حصل لقاء يوم 28 تشرين الثاني 1941 بين هتلر والحسيني «رفض بعده هتلر إصدار بيان رسمي بشأن مصير بلاد المشرق العربي، ما يعني أن جهود الحسيني باءت بالفشل، برغم إبرازه إعجاب العالم العربي «بزعيم الرايخ الألماني العظيم»، وأن «العرب هم أصدقاء ألمانيا الطبيعيون» (ص329) وبرغم إعجاب هتلر بلون الحسيني الأشقر وزرقة عينيه، واضعا احتمال أن يكون أحد أجداده من أصل روماني (ص344).

لقد استبعد المؤلف دراسة تجميع اليهود وإرسالهم الى معسكرات الموت «لأنها تخرج عن إطار موضوعنا المباشر»، فقد كانت المسألة اليهودية أزمة أوروبية بامتياز دفعت فلسطين والعرب أثمانها. ولم ير تشرشل في العرب سوى «شعب متأخر لا يأكل سوى».. (بقية الكلمتين في الصفحة 368 من الكتاب).

ملاحظة: اعتمد الكتاب على الأرشيفات التالية: الأرشيف السياسي في وزارة الخارجية الألمانية في بون، الأرشيف المركزي في كوبلنس، الأرشيف الوطني في واشنطن، أرشيف إسرائيل في القدس، الأرشيف المركزي الصهيوني في القدس، والأرشيف البريطاني لوزارة الخارجية ووزارة المستعمرات في لندن.

ألمانيا النازية وفلسطين 1933 ـ 1945»، عبد الرحمن عبد الغني، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 517 صفحة من أصلها 110 صفحات حواشي ومصادر.

المصدر: السفير

انشر عبر
المزيد