29 تشرين الثاني 1947

من "تقسيم فلسطين" إلى "التضامن مع الشعب الفلسطيني".. الوقوع في الفخ

28 تشرين الثاني 2015 - 02:05 - السبت 28 تشرين الثاني 2015, 14:05:29

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

وكالة القدس للأنباء – خاص

في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من العام 1947، أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الدولي رقم 181، وأوصت بموجبه بتقسيم فلسطين إلى دولتين واحدة عربية بنسبة 42.88 بالمائة من مساحة فلسطين، وأخرى يهودية بنسبة 55.47 بالمائة، وأن تبقى مدينتي القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية، بنسبة 0.56 بالمائة من المساحة.

وقد انحفر هذا التاريخ في ذاكرة ووجدان الشعب الفلسطيني والأمة العربية والعالم الإسلامي باعتباره حدثاً أليماً وجريمة كبرى لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، ناصرت فيه الأمم المتحدة المستعمرين الغربيين والغزاة الصهاينة، بدل أن تقف إلى جانب  الفلسطينيين أصحاب الحق، أبناء الأرض الأصليين، ومنحت الشرعية الدولية للكذبة التي ابتدعها وزير الخارجية البريطانية (في 2/11/1917) وحملت اسمه، آرثر بلفور، والتي أعطى بموجبها هذا المستعمر البريطاني الذي لا يملك، للغازي الصهيوني، الذي لا يستحق!..

وبالتالي، فإن القرار 181 يعتبر أحد أخطر القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة خلال تعاملها مع القضية الفلسطينية.  ويُعَد الأساس الذي قام عليه (الكيان الإسرائيلي) بعد نحو ستة أشهر من إصداره.  وتكمن خطورته من الناحية السياسية لكونه شكَّل تحولاً خطيراً في فلسطين خاصة، والوطن العربي الكبير عامة، لأن هذا القرار مسَّ موضوع الأرض والسكان في آن واحد.

وعلى هذا القرار تأسست سلسلة من النكبات، بدأت في 15 أيار العام 1948 بإقامة الكيان الإستعماري فوق 78 بالمائة من الأرض الفلسطينية، وتأصلت بارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني، وبتهجير الأغلبية الساحقة منه إلى البلدان العربية المحيطة بفلسطين المحتلة، ولاحقاً بهزيمة حزيران العام 1967 التي انتهت باحتلال ما تبقى من أرض فلسطينية: الضفة الغربية وقطاع غزة...

وطوال هذه المسيرة الطويلة  التي تعود إلى الغزوات الصهيونية الأولى في بدايات القرن العشرين وحتى يومنا هذا، والشعب الفلسطيني في رباط وجهاد دائمين، يقاوم مفاعيل وترجمات القرار 181 وغيره من القرارات الدولية الظالمة وغير المنصفة، والمنحازة أصلاً للكيان الغاصب على طول الخط، ويقدم التضحيات الجسام، وينقل الراية من جيل إلى جيل، في مواجهة الكيان الاستعماري ومخططاته العدوانية، على طريق إلحاق الهزيمة بالمشروع الإستعماري الصهيوني الغربي، وتحرير وطنه واستعادة حقوقه كاملة على كامل أرضه.

ومنذ ذلك التاريح بات التاسع والعشرون من تشرين الثاني من كل عام مناسبة يحييها الفلسطينيون  وكل من يقف معهم وإلى جانبهم في صراعهم المتواصل مع الحركة الصهيونية، وتالياً مع كيانها الاستعماري، حيث يجددون رفضهم لقرار التقسيم الجائر والظالم والمنافي للحقائق التاريخية، ولكل القرارات المعادية للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ويؤكدون إصرارهم على أن فلسطين بحدودها الانتدابية لا تقبل القسمة، وأنها وطن الشعب الفلسطيني، من البحر الأبيض المتوسط غرباً إلى نهر الأردن شرقاً، ومن الناقورة شمالاً إلى رفح جنوباً.

وظل الشعب الفلسطيني يحيي ذكرى تقسيم فلسطين في التاسع والعشرين من تشرين الثاني من كل عام، بالإضرابات العامة والمسيرات الشعبية ورفع الرايات السود، إدانة واستنكاراً وشجباً للقرار 181 ولكل القرارات الدولية المعادية للحق الفلسطيني، والمناصرة للكيان الغاصب، إلى أن ابتدع القابضون على ناصية القيادة في الأمم المتحدة في الثاني من كانون الأول العام 1977 قراراً دولياً حمل الرقم 50/3/ج ، اعتبروا فيه تاريخ صدور قرار التقسيم 29/11/1947 يوماً للتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، تحييه الأمم المتحدة، ابتداء من العام 1978 حسب القرار.

وفي إجراء تقليدي من كل عام، تعقد اللجنة المعنية بممارسة الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني اجتماعاً خاصاً يشارك فيه أمين عام الأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن ورئيس الجمعية العامة إلى جانب عدد من ممثلي الدول للتعبير عن تضامنهم مع الشعب الفلسطيني.  كما يُصدر الأمين العام رسالة خاصة بالمناسبة يتمنى فيها السلام العادل والدائم وفقاً لقرارات مجلس الأمن دون ذكر لقرار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين رقم 194، الذي يرفضه قادة العدو الصهيوني.  كما طلبت الجمعية العامة في جلستها الستين وبموجب القرار 60/37 بتاريخ 1/12/2005 من لجنة وشعبة حقوق الفلسطينيين ضمن فعاليات إحياء المناسبة "تنظيم معرض سنوي عن حقوق الفلسطينيين أو مناسبة ثقافية بالتعاون مع البعثة المراقبة الدائمة لفلسطين لدى الأمم المتحدة".

هكذا تحول التاسع والعشرين من تشرين الثاني من مناسبة أليمة حفرت عميقاً في ذاكرة ووجدان الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، إلى احتفال فولكلوري... وصارت ذكرى التقسيم الأليمة مهرجاناً خطابياً يتبارى فيه صانعو القرار 181 وغيره من الآفات والمصائب الدولية، بكيل عبارات الدعم الفارغة من أي مضمون ومعنى، ومن أي فعل ميداني أو ترجمة عملية تلامس مصلحة الشعب الفلسطيني الذي يكتوي بنيران المستعمرين الفاشيين العنصريين الصهاينة دون أن تستطيع المؤسسات الدولية وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي من اتخاذ ولو قرارٍ يتيم بإدانة حروبهم العدوانية ومجازرهم المتنقلة وجرائمهم الموصوفة المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني والمقدسات المسيحية والإسلامية.

إن التحول الدراماتيكي الذي طرأ على ذكرى التقسيم، ورغم إلباسه ثوب التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني، فإنه يصب في مصلحة العدو الصهيوني من البداية حتى النهاية، لكونه حرَّر الكيان من قيود – وهمية - لم تُطبِق يوماً على أعناق أو أيادي الصهاينة الغارقة بالدماء الفلسطينية...

إضافة لذلك، فإن هذا التغيير والتبديل ينطوي على محاولات تغيير الواقع والوقائع، وعلى تشويه حقائق التاريخ والجغرافيا والديموغرافيا التي تنطق بحق الفلسطينيين بوطنهم على كامل مساحة أرضهم، إضافة لكونه مسعى دولياً مكشوفاً لقلب مفاهيم العدالة والحق التي وقفت عند حدود القضية الفلسطينية، وعلى عتبات الشعب الفلسطيني منذ كذبة وعد بلفور وقرار التقسيم الجائر وحتى يومنا هذا...

إن الشعب الفلسطيني مدعو اليوم لوعي حقيقة الفخ الذي نصبته الأمم المتحدة لبعض المسؤولين النافذين في منظمة التحرير الفلسطينية و"السلطة"، والتمسك بإعلان التاسع والعشرين من تشرين الثاني من كل عام ذكرى تقسيم فلسطين... مناسبة لتجديد العهد والوعد على مواصلة الجهاد لإسقاط قرار التقسيم بميدان المواجهة، كما فعل أبطال انتفاضة القدس، الذين حطموا القيود وأزالوا الحدود ووحدوا الوطن والشعب، من القدس إلى الضفة الغربية إلى غزة إلى الداخل الفلسطيني...

أما التضامن الحقيقي مع الشعب الفلسطيني، من قبل الأمم المتحدة ومؤسساتها، فيبدأ بنزع الشرعية الدولية عن الكذبة البريطانية المسماة "وعد بلفور"، وإخضاع قادة العدو الصهيوني وكل من وقف معهم وإلى جانبهم من دول وحكومات وقادة، لمحكمة مجرمي الحرب، وإعادة الأمور إلى نصابها كما كانت عشية الاستعمار البريطاني لفلسطين.

وإنه مما يثير الدهشة والاستغراب، أن تنقاد بعض وسائل الإعلام وبعض المفكرين وراء الخديعة، فتسوق ليوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، غير مدركة أنها تساهم، عن غير قصد ربما، في ترويج الخديعة وتزييف الوقائع.

هكذا نقرأ استبدال ذكرى تقسيم فلسطين بيوم التضامن... وهكذا نفهم التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

انشر عبر
المزيد