معركة "السماء الزرقاء"

14 تشرين الثاني 2015 - 03:50 - السبت 14 تشرين الثاني 2015, 15:50:56

راجمة صواريخ استخدمت في معركة السماء الزرقاء
راجمة صواريخ استخدمت في معركة السماء الزرقاء

وكالة القدس للأنباء - خاص

مقدمة:

 بعد ظهر يوم الأربعاء في 14 / 11 / 2012، قامت طائرة صهيونية من دون طيار، بإطلاق صاروخ باتجاه سيارة في أحد شوارع مدينة غزة كانت تقل قائد كتائب القسام – الجناح العسكري لحركة المقاومة الإسلامية "حماس" – أحمد الجعبري، الذي ارتفع شهيداً، ومعه ستة آخرون.  ثم قام الطيران الحربي الصهيوني بعد ذلك بشن سلسلة غارات، قال العدو إنها استهدفت منصات إطلاق الصواريخ في قطاع غزة؛ وإنه تم تدمير القسم الأكبر من مستودعات الصواريخ في القطاع ومنصات إطلاقها.

 قبل ذلك بيومين، كان العدو الصهيوني يستجدي تهدئة من الوسيط المصري، في الاتصالات التي كانت تجريها القاهرة لمنع تدهور الوضع الأمني إثر قيام العدو بقتل امرأة وطفلتها في منطقة الشريط ورد المقاومة باستهداف جيب عسكري صهيوني.  وبالفعل تم التوصل الى إبرام تهدئة.  وبذلك، شكل اغتيال الشهيد الجعبري خديعة من قبل العدو لقوى المقاومة، وصفعة شديدة للإدارة المصرية.

أطلق العدو اسم "عامود السحاب" على عمليته العسكرية ضد قطاع غزة؛ فردت حماس بإطلاق تسمية "حجارة من سجيل" على ردها ضد العملية الصهيونية.. بينما اختارت حركة الجهاد الإسلامي تسمية عمليتها المقاومة باسم : "السماء الزرقاء" في إشارة الى أنها ستبدد "عامود السحاب".

 بعد ثمانية أيام متواصلة من العدوان الصهيوني الهمجي، والصمود البطولي والأسطوري لقوى المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، تم إعلان التوصل الى اتفاق لوقف إطلاق النار، في مؤتمر صحفي مشترك بين وزير الخارجية المصري، محمد كامل عمرو، ووزيرة الخارجية الأمريكية، هيلاري كلينتون، عند الساعة التاسعة من مساء يوم الأربعاء 21 / 11 / 2012.

أهداف العدوان في ميزان الربح والخسارة:

خلافاً لحرب العام 2008 / 2009، لم يضع العدو أهدافاً ذات سقف مرتفع لعدوانه الأخير ضد قطاع غزة.  أهداف هذا العدوان، وزير الخارجية الصهيوني، أفيغدور ليبرمان، هي:

1 – استعادة الهدوء الى منطقة الجنوب

2 - واستعادة الردع الصهيوني.

3 – القضاء على مخزون الصواريخ البعيدة المدى

4 - هذا طبعاً إضافة الى الانتقام من الشهيد أحمد الجعبري، الذي أبقى الجندي الصهيوني شاليط في الأسر، لأكثر من أربع سنوات.

وتأكيدا على الأهداف التي أعلن عنها ليبرمان، وبخ بنيامين نتنياهو وزراءه الذين عبروا عن رغبتهم في اجتثاث حركة حماس، معتبراً أن هدف حكومته هو تحقيق الردع الإسرائيلي فقط أمام منظمات المقاومة وعلى رأسها حركتي حماس والجهاد الإسلامي.

أما الأهداف الصهيونية السياسية للحرب، فقد أختلف المحللون في تحديدها، ويمكن إجمالها بالآتي:

1 – إيقاف عمليات إطلاق الصواريخ لفترة كافية، أقله الى وقت الانتخابات التشريعية المبكرة، التي حدد نتنياهو موعدها يوم 22 / 1 / 2013.

2 – الضغط على المقاومة من أجل إبرام اتفاق هدنة طويلة الأمد (5 – 15 عاماً)

3 – تكريس الفصل السياسي بشكل تام بين قطاع غزة وباقي فلسطين، وبالأخص مع الضفة الغربية.

4 – اختبار الدور المصري الجديد، وإلزام مصر بتعهد ضبط وضع غزة.

5 – تحقيق انجاز سياسي وعسكري يمكن تحالف (نتنياهو – ليبرمان) بالفوز بأكبر عدد من الأصوات في الانتخابات المقبلة.

في المقابل، حددت المقاومة مجموعة من الأهداف في عملية صدها للعدوان:

الأهداف العسكرية للمقاومة:

1 – جعل العدو يدفع ثمناً مرتفعاً ، باغتيال القائد الجعبري، لانتهاكه تعهده السابق الذي أرغم على تقديمه الى الوسيط المصري في آذار / مارس 2012، بوقف سياسة الاغتيالات.

2 – توجيه المزيد من الضربات الى عقيدة الردع الصهيونية.

3 – إجبار العدو على وقف عمليات التوغل على الشريط في منطقة غزة وشاطىء البحر.

4 – إلزام العدو بالتعهد مجدداً بوقف ممارسة عمليات الاغتيال.

الأهداف السياسية للمقاومة:

1 – كسر حصار غزة، وإجبار العدو على إعادة فتح المعابر التي تصل قطاع غزة بالعالم الخارجي، وبفلسطين المحتلة.

2 – تسهيل حياة سكان غزة، بما يمكنهم من التحرك بحرية وأمان، ويسهل عملية إعادة إعمار غزة.

3 – حرمان العدو من تحقيق أهدافه في تحقيق الفصل السياسي بين قطاع غزة وباقي الوطن.

نتائج المعركة:

بمتابعة سير المعركة ونتائجها العسكري والسياسية، نصل الى النتيجة التالية:

على المستوى العسكري:

1 – نجح العدو الصهيوني في اغتيال الشهيد الجعبري غدراً وغيلة، لكنه فشل في تحقيق باقي أهدافه العسكرية.

2 – فشل العدو في استعادة قدرة الردع لدى جيشه؛ بل على العكس من ذلك، وصلت صواريخ المقاومة الى عمق لم تصله من قبل، وبغزارة إطلاق صواريخ غير مسبوقة، وبأسلحة جديدة تستخدمها المقاومة في غزة.  والدليل على أن قدرة الردع لدى جيش العدو أصابها المزيد من التآكل هو تردد العدو وعجزه عن التجرؤ الى الدخول في معركة برية، لأنه يعلم أن التكلفة البشرية في صفوف جنوده ستكون مرتفعة جداً، باعتراف جنرالاته.  قال وزير ما يسمى بالجبهة الداخلية  "الإسرائيلية" "آفي ديختر"، إن الليلة الثالثة من المواجهة كانت قاسية للغاية على "إسرائيل" نتيجة قصف المقاومة الفلسطينية للبلدات والمدن "الإسرائيلية".  وأضاف:"إن إسرائيل لم تعش مثل هذه الحالة من الرعب منذ إقامة الدولة".

3 – انتهت المعركة بتكريس القدرة العسكرية للمقاومة، ولا سيما قدراتها الصاروخية.

4 – أجبرت المقاومة العدو على التعهد، مرة أخرى، بوقف سياسة الاغتيالات.  ليس هذا فحسب، بل وبعدم التعرض للمدنيين في منطقة الشريط وعلى شاطىء البحر.

على المستوى السياسي:

1 – أجبرت المقاومة العدو على التعهد بفتح المعابر وتسهيل حركة المسافرين والبضائع، ليس في معبر رفح وحده، بل أيضاً عبر جميع المعابر مع الوطن المحتل.

2 – هذا الأمر يعني إفشال خطة العدو في فصل غزة عن باقي الوطن.

3 – منعت المقاومة العدو من تحقيق هدفه في الحصول على هدنة طويلة الأمد.

4 – منحت المقاومة مصر دوراً أكبر، فارتفع دور مصر من كونه (وسيطاً) الى كونه (حكماً) و(راعياً)، بإجبار العدو على التعهد بتقديم ملاحظاته الى القاهرة في حال وجودها.

انجازات المقاومة:

استطاعت قوى المقاومة خلال هذا العدوان تحقيق جملة من الإنجازات، أبرزها:

على المستوى السياسي:

1 – إفشال جميع أهداف العدوان.

2 – إعادة روح المقاومة الى نبض الشارع الفلسطيني من خلال تحقيق انتصار واضح.

3 – يمهد هذا الانتصار لإمكانية إطلاق حوار فلسطيني داخلي، يمكن من خلاله الوصول الى برنامج وطني شامل، يرتكز الى إعادة بناء منظمة التحرير، وتفعيل مؤسسات المنظمة، وبلورة برنامج وطني جامع على قاعدة المقاومة، التي لم يعد بالإمكان التشكيك بجدواها ودورها في صنع الانتصار، وإجبار العدو على التراجع.

4 – من النقاط المهمة التي تحققت هو إعادة تموضع القضية الفلسطينية كنقطة جذب محورية لا يمكن تجاوزها في العلاقات السياسية العربية والإقليمية، ولا سيما بين (مصر) و(إيران) اللتين باتتا مضطرتين الى التنسيق بينهما بشأن القضية الفلسطينية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.

على المستوى العسكري والأمني:

1 – الإنجاز الأكبر الذي تحقق خلال هذه المعركة هو قصف تل أبيب، بقرة إسرائيل المقدسة، على حد تعبير أمين عام حركة الجهاد الإسلامي، الدكتور رمضان عبد الله شلح.  ويمكن اعتبار هذا الإنجاز هو الأكبر لما يتضمنه من أبعاد نفسية وسياسية واستراتيجية، بأن المقاومة باتت تمتلك من القدرة ومن الإرادة ومن التصميم على ملاحقة العدو في عقر داره، وبأن بداية أية معركة قادمة ستكون باستهداف "تل أبيب أولاً".  وكان لسرايا القدس شرف السبق في استهداف تل أبيب بصاروخ فجر – 5، إيراني الصنع.

2 -  الانجاز الكبير الثاني هو انجاز الكتروني – استخباراتي، حيث استطاعت سرايا القدس اختراق ملفات العدو السرية، والحصول على معلومات مفصلة عن خمسة آلاف جندي، بكامل ملفاتهم، وما تحتويه من أسماء وعناوين سرية، وأرقام هواتفهم، ومعلومات تفصيلية حول حياتهم الأسرية.  وأكثر من ذلك، تمكنت السرايا من بث رسائل تهديد مباشرة الى هؤلاء الجنود والضباط، على أجهزتهم الخلوية وأجهزة أفراد عائلاتهم، مفادها أن غزة ستكون مقبرة لهم، وستتحول تل أبيب الى كتلة من لهب.

3 – الإبداع في وسائل التمويه والإخفاء في بيئة جغرافية مكشوفة أو شبه مكشوفة بالكامل، واستطاعت تحييد سلاح الجو ومنعه من القضاء على الترسانة الصاروخية ومنصات الإطلاق.

4 – القدرة على امتصاص الضربة الأولى التي جاءت مفاجئة بكل المقاييس، حيث كان العدو يستجدي وقف إطلاق النار قبل يومين فقط في مصر.

5 – امتلاك المقاومة لأسلحة متطورة، فاجأت العدو: حيث تم استخدام صواريخ "كورنيت" في المعركة التي يخشاها العدو وجنوده منذ تجربة مجزرة الدبابات في حرب لبنان.  وأيضاً تبيّن أن المقاومة تمتلك أسلحة خاصة باستهداف الطائرات الحربية والاستطلاعية، وصواريخ مضادة للسفن والبوارج الحربية.

لكل هذه الإنجازات، يمكن القول أن انتصار غزة جاء مدوياً بكل المقاييس.  وحق للمقاومة أن تحتفل بالنصر الذي تحقق، وأن تواصل البناء عليه من أجل تحقيق نصر أكبر قادك لا محالة.

انتهى

انشر عبر
المزيد