جريمة الاغتيال

الموساد الصهيوني يغدر بالشقاقي في مالطا

24 تشرين الأول 2015 - 04:33 - السبت 24 تشرين الأول 2015, 16:33:25

الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي
الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي

وكالة القدس للأنباء – خاص

كانت الأيام التي سبقت استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي حافلة بالوقائع التي تؤكد مدى تهافت النظام العربي الرسمي، على مد جسور العلاقات مع الكيان الصهيوني، وراحت سلطة الكم الذاتي تزيدُ من تشديد حصارها على المجاهدين والمناضلين، بعد أن وقعت مع الكيان الصهيوني اتفاق طابا الذي تخلّت فيه رسمياًَ عن أكثر من 90% من الضفة الغربية المحتلة، وفي منتصف أكتوبر (تشرين أول) وبعد أن تفاقمت قضية إبعاد الفلسطينيين عن ليبيا توجه الدكتور فتحي الشقاقي أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين مع وفد من (قوى التحالف الفلسطيني) إلى ليبيا لإجراء محادثات مع الحكومة الليبية لثنيها عن عزمها في مواصلة عملية الإبعاد.

تفاصيل جريمة الاغتيال:

تمكنت أجهزة الاستخبارات الصهيونية من التقاط خبر وصول الدكتور الشقاقي إلى ليبيا، والذي كان على رأس قائمة الاغتيال الصهيونية، فعملت شبكة من الموساد على التقصي والمراقبة، كما كُشف النقاب بعد تنفيذ جريمة الاغتيال عن أن مجموعة أخرى من الموساد كانت في مالطا تترقب وصول القائد الشهيد الشقاقي إلى العاصمة المالطية.

وعند الساعة العاشرة صباحاً من يوم الخميس 26 تشرين أول 1995م وصل الدكتور فتحي الشقاقي في سفينة ليبية إلى مالطا باعتبارها محطة اضطرارية للسفر إلى دمشق، في ظل الحصار الجوي المفروض على ليبيا، وحال وصوله توجه إلى فندق «دبلومات» في مدينة سليما على مقربة من العاصمة لافاليتا وحجز غرفة في ذلك الفندق عند الساعة 10.20 دقيقة وكان يحمل جواز سفر ليبياً باسم مستعار هو إبراهيم الشاويش.. وعند الساعة 11.00 صباحاً غادر الدكتور الشقاقي الفندق متوجهاً إلى مكتب للطيران حيث قطع تذكرة للسفر إلى دمشق في اليوم التالي وفي غضون ذلك، كانت شبكة من الموساد تتربص بالقائد الشهيد، لتختار الفرصة المناسبة لتنفيذ جريمة الاغتيال.

وعند الساعة الواحدة وعشرين دقيقة، وبينما كان الدكتور الشقاقي عائداً وعلى مقربة من فندق «دبلومات» في جادة «تاور»، اقترب منه أحد عناصر الموساد الصهيوني، وحين أصبح بجانبه شهر مسدسه وأطلق عدة رصاصات من مسافة قريبة جداً فاخترقت طلقتان جانب الأيسر من رأسه ولم يكتف من القاتل بذلك وتابع إطلاق ثلاث رصاصات على مؤخرة رأس القائد المجاهد الدكتور فتحي الشقاقي بعد أن سقط شهيداً مضرجاً بدمه الزكي.

وأكد شهود عيان أن القاتل سارع بعد ذلك إلى الفرار على دراجة نارية «ياماها» كانت تنتظره مع عنصرٍ آخر من الموساد، وانطلقت الدراجة بالاثنين لتختفي في مداخل المدينة. وقالت مصادر الشرطة المالطية إن القاتلين قادا الدراجة مدة 5 ـ 10 دقائق، ثم تركاها تحت جسر قرب مرفأ محلي للقوارب و(اللانشات) البحرية، حيثُ كان هناك ما يؤكد أنهما غادرا مالطا مباشرة على متن أحد المراكب التي كانت تنتظرهما هناك.

وأعلن مصدر أمني في لافاليتا أن الشرطة المالطية، كشفت عن أن الدراجة التي استخدمت في عملية الاغتيال تم استقدامها إلى جزيرة مالطا عبر مواطن يحمل جواز سفر فرنسي، وقال قائد شرطة مالطا إن ذلك الشخص أحضر الدراجة النارية من إيطاليا على عبَّارة قبل عدة أشهر بعد أن اشتراها من فرنسا، وحملت الدراجة لوحة تسجيل مسروقة، وأضاف إن الاغتيال «عمل محترفين».

مسؤولية الموساد:

معلومات الشرطة المالطية أكدت أيضاً، وبعد استجواب شهود عيان وعمال فندق «دبلومات» أن شخصاً يبدو أنه كان يتابع الدكتور الشقاقي قد طلب من عامل الاستقبال في الفندق أن يخبره فيما إذا كان (الليبي إبراهيم الشاويش) قد حجز في الفندق أم لا، مما يؤكد أن الاستخبارات الصهيونية كانت ترصد تحركات القائد الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي قبيل تنفيذ جريمة اغتياله.

وحتى وقت متأخر من مساء يوم الخميس، لم يكن نبأ استشهاد الدكتور الشقاقي قد تأكد بعد، إلاّ أن إذاعة الكيان الصهيوني نقلت حينذاك عن مصدر مسؤول عسكري صهيوني كبير تأكيده أن إبراهيم الشاويش الذي تم اغتياله في مالطا هو حسب معلومات الاستخبارات الصهيونية، ليس سوى الدكتور فتحي الشقاقي الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، مشيراً إلى أن الشقاقي على لائحة المستهدفين من قبل الموساد، كما صدرت عن الكيان الصهيوني وقادته إشارات مختلفة تؤكد قيام الموساد باقتراف جريمة الاغتيال الجبانة.

زئيف شيف:

شبكة كاملة من الموساد شاركت في الاغتيال...

كشف المعلق العسكري (الإسرائيلي) في صحيفة «هآرتس» زئيف شيف عن مشاركة «شبكة كاملة» من عناصر الموساد، في جريمة اغتيال الدكتور فتحي الشقاقي أمين عام «حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين».

وقال شيف في لقاء بثه التلفزيون (الإسرائيلي) في 29/10/1995، «إنني لا أصدق أن أمراً كهذا يمكن أن يحدث فقط بوجود شخصين» وأضاف إن أولئك الذين يقومون بالضغط على الزناد ليسوا وحدهم وإنما يقف ورائهم الكثير من عملاء الموساد.

الشقاقي والعواصم المغلقة

مساء السبت 28/10/1995م، وفيما أظهر الكيان الصهيوني الابتهاج لاغتيال الشقاقي على ألسنة قادته، وبينما كان رابين يتبجح بالقول (إن القتلة قد نقصوا واحداً) كانت أبواب عواصم كثيرة قد أقفلت في وجه جثمان القائد الشهيد فتحي الشقاقي.

لقد رفضت السلطات المالطية منذ البداية السماح بنقل جثمان الشهيد جواً من لافاليتا إلى دمشق، وبعد اتصالات صعبة وصل جثمان الشهيد إلى العاصمة الليبية طرابلس حيث استقبلته وفود عربية وإسلامية وتظاهرات جماهيرية واسعة، طالبت بالثأر والانتقام من الغزاة الصهاينة، كما أُقيم للشهيد حفلٌ تأبيني ووسط أجواء الحزن والغضب التي أحدثتها صدمة استشهاد الدكتور فتحي الشقاقي لدى جماهير الأمة العربية والإسلامية، وقفت الحدود العربية دون وصول الجثمان الطاهر إلى دمشق.

كان هناك كثيرون ممن يخافون من الشهيد القائد حتى بعد استشهاده، فالحكومات التي تستقبل الوفود الأجنبية والصهيونية في كل لحظة، أشاحت عن جثمان الشهيد الشقاقي وأغلقت أبواب مطاراتها في وجهه.. ولم توافق سوى بعد اتصالات صعبة ومتواصلة على أن يعبر التابوت أراضيها متوجهاً إلى دمشق.

وكانت دمشق هي البوابة الوحيدة التي فتحت ذراعيها للشقاقي حياً وشهيداً.. وكان ثرى دمشق هو المكان الأجدر باحتضان جسد الشهيد ودمه في وقت خشي فيه الآخرون من غضب (إسرائيل) وأمريكا لمجرد أن يعبر الجثمان فوق أراضيهم.. وفي فجر 31/10/1995م، أشعلت دمشق شموعها وسهرت مع حشد كبير من جماهير الشعب الفلسطيني والحركات الإسلامية والوطنية في فلسطين ولبنان وسوريا، بانتظار وصول الشقاقي إلى دمشق.. وعند الساعة الواحدة صباحاً هبطت في مطار دمشق الطائرة الخاصة التي نقلت الجثمان من مطار جربا في تونس حيث كانت في استقباله وفود كبيرة من حزب الله وحركة المقاومة الإسلامية (حماس) وقادة فصائل (قوى التحالف الفلسطيني) ووفود إسلامية إيرانية وعربية وسورية رسمية إلى جانب عدد من كوادر حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين يتقدمهم الأمين العام الجديد للحركة الدكتور رمضان عبد الله.

ولدى توقف الطائرة تم إنزال النعش إلى سيارة إسعاف خاصة علقت عليها صور الشهيد الشقاقي وأكاليل الورود، فيما دوت زغاريد أم إبراهيم زوجة الشهيد ونساء فلسطينيات احتشدن في أرض المطار وهتفن بتمجيد الشهيد ودمه وبالمطالبة بالثأر من القتلة الصهاينة... ثم سارت الحشود الجماهيرية والوفود التي استقبلت الجثمان في موكب كبير ومهيب استمر أكثر من ساعتين في الطريق ما بين مطار دمشق ومشفى المواساة حيث أودع النعش بانتظار التشيع في اليوم التالي.

البيان الصادر عن حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين

في نعي الشهيد القائد الأمين العام الدكتور فتحي الشقاقي

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون

بقلوب يعمرها الإيمان بقضاء الله وقدره ويسكنها الإصرار اللاهب على مواصلة درب الجهاد والاستشهاد، تنعي حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين إلى جماهير شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية والإسلامية وأحرار العالم، قائدها الفذ وفارسها الرسالي وأمينها العام الشهيد البطل الدكتور فتحي إبراهيم الشقاقي الذي سقط برصاص الغدر الصهيوني يوم الخميس الموافق 26/10/1955، في جزيرة مالطا، بينما كان في طريق عودته من ليبيا بعد قيامه، ضمن وفد فلسطيني بالتوسط لإنهاء الأوضاع المأساوية للفلسطينيين الذين يعانون على الحدود الليبية المصرية.

إننا إذ ننعي الأخ والقائد الكبير، أبو إبراهيم، الذي كان دوماً بشموخه وعنفوانه وإيمانه العميق بالله وثقته بشعبه أكبر من المؤامرة وأقوى من الفاجعة، لنؤكد لسفاحي الكيان الصهيوني وعلى رأسهم الإرهابي رابين أن هذه الجريمة البشعة ستجعل كل صهيوني أينما وجد على وجه الأرض هدفاً لضرباتنا المعجزة ولأجسادنا المتفجرة غضباً وثورة.. أينما يفرون بعد اليوم سنحيل كل الأرض من تحت أقدامهم بيت ليد و«رامات أشكول» والقطرانة.

إننا في حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين نعاهد الله والشعب الفلسطيني والأمة العربية والإسلامية على الاستمرار في المسيرة التي أضاءها دم شهيدنا العظيم كما أضاءها من قبل دم سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي ودم هاني عابد ومحمود الخواجا وعماد عقل وكل الشهداء الأبرار.

إننا نؤكد لجماهير أمتنا في كل مكان أننا سننتقم وسنشعل الأرض ناراً ونقمة تحت أقدام المجرمين الصهاينة وسنزلزل كيان الغطرسة والإرهاب الذي يقيم أركانه على عمليات الاغتيال والقتل الجبان، ولا يراعي أي اعتبار للأعراف والمواثيق ويستبيح العباد والبلاد في ظل حماية قوى البطش والهيمنة والاستكبار العالمي.

إننا نعلن لجماهير شعبنا وأمتنا أن المؤسسات الشورية في حركة الجهاد الإسلامي وفور تأكد نبأ استشهاد القائد المعلم الدكتور فتحي الشقاقي، قد انتخبت خلفاً له الأخ الدكتور رمضان عبد الله أميناً عاماً لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين. إننا قيادة وقاعدة نعاهدك أيها القائد الخالد أبو إبراهيم أن نبقى على دربك المضيء بنور دمك الطاهر لن نهون ولن ننكسر.

المجد والخلود لك ولكل الشهداء الأبرار. الموت للقتلة الإرهابيين الأشرار. الخزي والعار للمساومين والمفرطين، والله أكبر، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين

القدس ـ 5 جمادى الثانية 1416هـ

الموافق 29 تشرين الأول 1995م

انشر عبر
المزيد