الجريمة تكرّ الحبل: اكتشاف أهم خلايا التجسس

26 أيار 2015 - 01:08 - الثلاثاء 26 أيار 2015, 13:08:49

تشييع الشهيدين المجذوب (أرشيف)
تشييع الشهيدين المجذوب (أرشيف)

وكالة القدس للأنباء – خاص

سرععت عملية اغتيال الشيهدين محمود ونضال المجذوب في الكشف عن إحدى أهم شبكات التجسس "الإسرائيلية" في لبنان، لتكرّ بعدها سبحة اكتشاف وتفكيك خلايا العملاء. فبعد أيام قليلة من اغتيال الشهيدين، وتحديداً في 7 حزيران / يونيو من العام 2006، ألقت أجهزة أمن المقاومة الإسلامية في لبنان، بالتعاون مع أجهزة الأمن اللبنانية، القبض على أحد العميل، محمود قاسم رافع، أحد أبرز رموز الشبكة التي نفذت عملية الاغتيال هذه، إضافة الى عمليات اغتيال أخرى غيرها، أبرزها: اغتيال القيادي في «حزب الله»، الشهيد علي حسن ديب «أبو حسن سلامة»، في طلعة المحافظ - صيدا بتاريخ 17 آب / أغسطس 1999، واغتيال الشهيد جهاد جبريل (نجل الأمين العام لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة» أحمد جبريل، في بيروت بتاريخ 20 أيار / مايو 2002.

أيضا كانت تلك الخلية مسؤولة عن اغتيال المسؤول في «حزب الله» الشهيد علي حسين صالح في الكفاءات في الضاحية الجنوبية بتاريخ 2 آب / أغسطس 2003، فضلاً عن زرع عبوة ناسفة على طريق الناعمة كانت تستهدف إغتيال أحد الكوادر الفلسطينية بتاريخ 22 آب / أغسطس 1999، وزرع عبوة ناسفة على جسر الزهراني (قضاء صيدا) تم اكتشافها وتعطيلها من الجيش اللبناني قبل انفجارها بتاريخ 18 كانون الثاني / يناير 2005.

وجاء في اعترافات العميل محمود رافع، كما نشرت صحيفة اللواء بتاريخ 28 نيسان / أبريل أنه في آواخر شهر آذار / مارس من العام 2006، أنه تلقى اتصالاً من ضابط يدعى ناتان، كلفه بإحضار سيارة مرسيدس فضية 280 حديثة الصنع من مرآب «مطار رفيق الحريري الدولي» في بيروت، وصفِّها أمام «مستشفى الحياة»، ووضع مفتاحها في الصندوق، ففعل ذلك ليلاً.

وبعد 20 يوماً تقريباً، كلّفه ناتان بموجب اتصال، بركن السيارة في مرآب «مجمع غالاكسي» في كاليري سمعان في بيروت، ولكنه لم يركنها هناك، بعدما وجد أن الكلفة المطلوبة لركنها في المرآب لعدة أيام تبلغ حوالى 40 دولاراً أميركياً، فاستعملها ليوم واحد هناك، ثم انتقل بها وركنها في كراجه في منطقة حاصبيا، وقام بتغطيتها بشادر، وعندما سأله المشغل الصهيوني عما إذا ما كان قد ركن السيارة في موقف في بيروت، تهرّب العميل رافع من قول الحقيقة، وأبلغه بأنه نفذ التعليمات وركن السيارة في بيروت.

وبتاريخ 23 أيار / مايو 2006، كلّفه ناتان بنقل السيارة إلى «موقف سبينس» في صيدا وتسليمها إلى العميل الفار حسين خطاب، الذي أبلغه أن هذه السيارة ستكون شبيهة «بسيارة جيمس بوند»، وأخبره بأن ناتان اتصل به وطلب منه استئجار غرفة في إحدى فنادق بيروت وترك هاتفه الشخصي مفتوحاً داخل الغرفة، على أن يستعمل بدلاً عنه الهاتف المُسلم له من الصهاينة.

وبناءً لتعليمات ناتان، اصطحب العميل خطاب العميل رافع لدلالاته على المصطلحات لبعض الأمكنة في عدة أماكن في صيدا قريبة من محيط منزل آل المجذوب.

وورد الى العميل رافع اتصال من المشغل الصهيوني، الذي طلب منه استئجار «فان» مقفل، فقام بذلك، حيث توجه الى عديسة وأبقى محرك «الفان» مشغلاً، حيث لاقاه عميلان آخران يعرفهما بلسم فؤاد وجورج، وكان معهما باب سيارة مغلف بنايلون وحقيبة وضعاهما في «الفان»، وعاد فؤاد أدراجه وبقي معه جورج، الذي أبلغه أنه ينقل كمبيوتر الى خطاب.

وأوضح رافع أنه عندما سأل جورج عن الأغراض، أجابه الأخير: «إنه باب سيارة مرسيدس يحوي كاميرا لخطاب مربوطة بكومبيوتر».. زاعماً أنه «لم يُعلمه أن بداخله عبوة».

وصباح الجمعة 26 أيار / أغسطس 2006، جرى استبدال الباب الذي أحضره جورج بباب سيارة المرسيدس التي كانت مع العميل رافع، وذلك قرابة الثانية فجراً، فنزل رافع الى «موقف سبينس» في صيدا بالسيارة و«الفان» التي قادها خطاب ومعه جورج، وغادر بعدها حيث التقى بجورج وخطاب على المستديرة يمشيان، فصعدا معه، وقالا له إنهما يريدان إجراء تجربة، ثم تلقى جورج اتصالاً، ورد على المتصل بالقول: «أوكي مئة بالمئة».

وحوالى الساعة 6.00، وبناءً لطلب ناتان، انطلق العميل خطاب بسيارة الفان، ولحق به العميل رافع بسيارة المرسيدس وبرفقته جورج الى المستديرة القريبة من منزل آل المجذوب في صيدا، وتوقّف العميل رافع أمام المفرق المؤدي الى منزل آل المجذوب، أما العميل خطاب فتوقف بالقرب منهما بشكل مرئي منهما.

ونحو الساعة 6.40، وبناءً لطلب ناتان، دخل العميل رافع بالطريق الفرعية المؤدية لمنزل آل المجذوب، وبقي على تواصل مع ناتان الذي طلب منه رصف السيارة، على أن تكون جهتها اليمنى مقابلة لمدخل بناية المجذوب، وقام جورج بتعليق جاكيت سوداء على نافذة الباب الخلفي الأيسر، وترجلا من السيارة وتوجها إلى «الفان»، وانطلقا مع خطاب إلى تلة البرامية المشرفة على المكان.

هناك ترجّل العميل رافع للمراقبة، وباشر جورج والعميل خطاب ببرمجة آلة  إلكترونية مجهّزة بشاشة للتأكد من التقاط صورة مدخل مبنى المجذوب، وبعد التأكد من ذلك غادروا المكان بواسطة «الفان» لتناول الطعام في محل البساط.

بعدها وبناءً لتعليمات من ناتان، عادوا حوالى الساعة 8.30 الى البرامية، وسمع العميل رافع المدعو جورج يقول للعميل خطاب انه لدى مشاهدته الشخص المطلوب أن يصرخ (بوم..بوم).

وحوالى الساعة 10.00، ورد اتصال من ناتان على هاتف جورج، فرد رافع، وسأله المتصل إذا كان الشباب جاهزين، فأعلم خطاب وجورج بذلك.. وبعد عدة دقائق انفجرت السيارة، واستشهد الشقيقان محمود ونضال المجذوب.

وعلى أثر الإنفجار، انطلق العملاء جورج وخطاب ورافع بـ«الفان»، وترجّل العميل خطاب قرب «مستشفى الجبيلي» في الهلالية، وتابع العميل رافع طريقه برفقة جورج باتجاه جزين - أنان - دير المخلص - اقليم الخروب، ولدى الوصول الى محلة وادي مزبود، قام العميل رافع بحرق أوراق السيارة (صُوّرت الأوراق المحروقة) واحتفظ بالمفتاح، وقام جورج بتخبئة بعض الصواعق هناك.  

وبوصولهما الى الشويفات، ركن العميل رافع «الفان» واستقل سيارته «الرانج روفر» وبرفقته جورج، وتناولا طعام الغداء في جونية، ثم تابعا الى الشاليه في «السانت بو».

وليلاً، في الساعة 22.30، وبناءً لاتصال من ناتان توجّها الى جبيل، وانتظرا قرب صخرة على شاطئ البحر مقابل المطعم الأزرق، وكانت بانتظارهما فرقة من الكوماندوس الصهيوني، حيث جرى تسليم العميل رافع مبلغ 10 آلاف دولار أميركي، وحقيبة كتف كبيرة بداخلها جزئيات كمبيوتر وظرف من النايلون لتسليمهم الى العميل خطاب، ثم غادروا برفقة جورج بحراً، والذي نقل معه جهازي الكومبيوتر والإرسال، وعاد العميل رافع الى الشاليه وأرسل برقية بإنجاز المهمة.

وبتاريخ 27 أيار/ مايو 2006، سلم العميل رافع الفان لصاحبه.. وبتاريخ 29 أيار / مايو 2006، نقل العميل رافع الحقيبة الى حاصبيا.  وبتاريخ 5 حزيران / يونيو 2006، سلّمها الى العميل حسين خطاب داخل «مستوصف النجدة الشعبية» في النبطية، وخبّأ مفتاح السيارة داخل المخبأ السرّي في إحدى الطاولات المسلّمة إليه من الصهاينة، والمجهّزة بجهاز شيفرة إرسال واستقبال.  وقام بتحطيم الهاتف مع الخط المسلّم له من جورج ببداية العملية (تم ضبط الجهاز الخليوي والمفتاح) وتقاضى نتيجة لذلك 10 آلاف دولار أميركي (ضبط منهم 5 آلاف دولار).

وقد تم توقيف العميل رافع من قبل مخابرات الجيش اللبناني فجر 7 حزيران 2006، أثناء عودته الى منزله في منطقة حاصبيا، حيث أطلق على العملية اسم «عملية الفجر».

وقد ضبط بحوزة العميل الموقوف محمود رافع وثائق مشفّرة وخرائط جوية وأجهزة اتصال موضوعة بطاولات مموّهة، وجهاز تلفزيون وأجهزة خليوية وخطوط صهيونية ودولية ووسائل تصوير ومراقبة واعتدة متنوّعة ومبلغ 5 آلاف دولار أميركي مما تقاضاه عن عمالته في جريمة اغتيال الأخوين المجذوب.

كما ضبط بحوزته عدة إخراجات قيد مزوّرة تحمل رسمه الشمسي، ورخص سوق مزوّرة بأسماء مختلفة، وإخراجات قيد لنساء صهيونيات بأسماء لبنانيات، استلمها جميعها من «إسرائيل»، موضوعة في مخابئ سرية داخل حقائب يدوية.

أما العميل الفار حسين خطاب فقد توارى عن الأنظار، بعدما علم بتوقيف العميل رافع، ودون التمكن من تهريب أي من المعدات التي كانت بحوزته في منزله الكائن قرب «مستشفى الهمشري» على طريق المية ومية - صيدا، من وثائق وأقراص مدمجة، بداخلها خرائط جوية لمناطق في لبنان وسوريا، وأجهزة تشفير، فضلاً عن معدات عديدة بينها جهاز الإرسال داخل جارور المكتب، والذي كان يتلقى عبره رسائل الصهاينة مباشرة على شاشة الكومبيوتر، حيث تمت مصادرتهم من قبل مخابرات الجيش اللبناني، حيث ذكر خبراء تقنيون أنه لم يعثر على مثيل له في لبنان، إضافة الى مبلغ 13 ألف دولار أميركي، كان مخبّأً في مخبأ سرّي مع الجهاز.

وبعد نجاح شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي من توقيف العميل أديب العلم بتاريخ 11 نيسان / أبريل 2009، اعترف انه كان له دور بتسهيل مغادرة الضابط الصهيوني الذي أشرف شخصياً على تفجير العبوة في السيارة التي استهدفت الأخوين المجذوب في صيدا.  

وبالفعل تمت مطابقة هذه المعلومة مع ما أدلى به العميل رافع من اعترافات حول وجود من سهّل عملية إجلاء الضابط الصهيوني جورج، وتم التأكد من ذلك عبر تحليل الاتصالات التي أجراها العلم فور حصول جريمة اغتيال الأخوين المجذوب، فتبين أنه تم الاتصال به من قبل «الموساد» الصهيوني بهدف القيام باستكشاف ومسح الطريق الساحلية المؤدية الى ساحل جبيل والأخرى المؤدية الى الشاطئ، حيث قام بذلك ترافقه زوجته، حياة الصالومي، وأبلغ مشغليه عن خلو شاطئ جبيل من الرواد، وأن حركة السير على الطرقات خفيفة، وقد تناول طعام العشاء مع زوجته في مطعم «الشاطئ الأزرق» في انتظار التعليمات، قبل أن يُغادر بعد منتصف الليل الى منزله، بعد إبلاغه من «الموساد» بإنجاز المهمة.

 

 

انشر عبر
المزيد