الشهيد محمد الشامي: المجاهد الملائكي والرجل القرآني

12 شباط 2015 - 10:17 - الخميس 12 شباط 2015, 10:17:18

الشهيد محمد المعروف وعائلته
الشهيد محمد المعروف وعائلته

الإعلام الحربي

"إني أبرأ من حولي وقوتي وألتجئ إلى حولك وقوتك يا ذا القوة المتين من أي عمل فيه شرك بالله، واعتبر عملي الجهادي ضمن صفوف سرايا القدس الذراع العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين وسيلة، وليس غاية نتقرب من خلالها إلى الله، فتقبلني ربي قبول حسن عندما أتي إليك كما تحب أن ترى عبدك.." كانت تلك كلمات آخر رسالة أبرقها الشهيد محمد حمدان الشامي " أبو الحسين" عبر هاتفه المحمول ، إلى أحد أصدقائه المجاهدين في سرايا القدس ..

نعم هذا هو الشهيد المجاهد محمد المعروف بين أصدقائه وأقاربه بالرجل "الملائكي" لما كان يتميز به هذا الرجل من التزام منقطع النظير، كما كل رفاقه المجاهدين في سرايا القدس، غايتهم رضا الله وإعلاء كلمته وتحقيق النصر المؤزر على عدو الله وعدوهم ، عبر وسيلتهم حركة الجهاد الإسلامي وذراعها العسكري سرايا القدس.

وستظل كلماتك يا أبا الحسين وسام فخر لمن بقى على قيد الحياة من إخوانك المجاهدين في غرفة العمليات، حين أخبرتهم بتقدم الآليات الصهيونية، مخبراً إياهم أنه "لا فرار اليوم"، وأن معركتك مع العدو الصهيوني ستكون قاتل أو مقتولاً، ثم ما لبثت أن تواصلت معهم لتزف إليهم خبر إصابتك المباشرة لعدد من الجنود الصهاينة، ثم انقطع الاتصال بك على هذه الدنيا، لأن روحك الطاهرة ارتقت إلى علياء المجد كما تمنيت، ولا نزكي على الله أحدا.

ارتقيت يا محمد مقبلاً غير مدبر كما تمنيت ورجوت الله، بعد أن أفرغت رصاصات سلاحك الرشاش من طراز "b.k.c" في جنود العدو الصهيوني موقعاً فيهم القتل والاصابة، فكانت شهادتك نبراساً يهتدي بها كل عشاق الشهادة في سبيل الله.

عاشق للوطن بلا منازع

في لقاء جمع "الإعلام الحربي" لسرايا القدس، بأسرة الشهيد محمد الشامي، في أحد المنازل التي لجئوا إليها بعد أن دمر الاحتلال منزلهم بمنطقة "الزنة"، قالت والدته بصوت شاحب حزين :" لقد تعلق نجلي محمد بفلسطين، تعلقاً أشبه بتعلق جذور الأشجار بتراب الوطن، فكان لا يرى بقعة أجمل من فلسطين".

وأكملت الوالدة الملكومة حديثها:" كثيراً ما كنت، ووالده نحدثه عن وجود فرصة للعمل له في المملكة العربية السعودية ، حيث كنا نعمل أنا ووالده هناك، وغيرها من بلاد العالم، لكنه كان يجيبنا بهدوء، أنه لن يجد أطيب من تراب فلسطين المقدس، ولا أطهر من هوائها المعبق برائحة دم الشهادة، ولا أجمل من سماءها القريبة من عرش الرحمن"، مؤكدة أن كل المؤشرات كانت توحي لها ولوالده أن نجلها محمد زائر من زمن آخر سيغادر دنيانا في أي لحظة لعالم آخر.

ولم تجد الوالدة الصابرة كلمات تصف بها نجلها "محمد"، إلا تلك الدموع التي سالت على وجنتيها، ثم صمتت للحظة من الوقت لتواصل بعدها في الحديث عن صفات وأخلاق أبا الحسين، الذي كان يتصف بالهدوء والسكون، والالتزام المنقطع النظير في الصلاة وقراءة القرآن، مؤكدةً فخرها واعتزازها بنجلها الذي تعلق بالله كأجمل ما يكون تعلق الإنسان بخالقه.

وأشارت أم محمد إلى أنها وزوجها الذي كان يعمل مديراً في وزارة الزراعة ولم يدخرا جهداً ووقتاً ومالاً لإسعاد أبنائها وبناتها، مؤكداً أن إقدام نجلها على الشهادة كان من اجل الله، وإيماناً بعدالة قضيته، وحق شعبه بالحرية وتقرير المصير، ورداً على العدوان الصهيوني الهمجي الذي كان يستهدف الأطفال والشيوخ والنساء والآمنين في بيوتهم دون أي وجه حق.

بزوغ فجر الملائكي

وأطرقت أم محمد برأسها وهي تعود بالذاكرة إلى تاريخ ميلاده، قائلةً:" عندما قدم فجر ميلاد محمد كنت في المملكة العربية السعودية، ورغبة زوجي بإنجابه في فلسطين لأجل الحصول على الهوية، وحتى يكون ارتباطهم بالأرض، فنزلت إلى مصر، وهناك جاءني المخاض وولدته في أحد المستشفيات المصرية، بتاريخ 9/9/ 1986م"، منوهةً إلى أن والدته كانت متعسرة وصعبة، حيث أن وزنه تجاوز الخمسة كيلوا جرام، الأمر الذي ابهر الأطباء المصريين.

ونوهت الوالدة الصابرة إلى أنها أطلقت اسم "محمد" على نجلها، رغم أنها وزوجها كانا قد قررا تسميته "معتز" من قبل، لأنها قرأت على خده الأيمن اسم "محمد".

وأكدت الأم في سياق حديثها لـ"الاعلام الحربي" عن عمق العلاقة التي كانت تربطها بنجلها الشهيد التي كانت حسب وصفها التصاق الجسد بالروح، قائلةً:" محمد كان اقرب الأبناء إلى قلبي "، مشيرةً إلى ما كان يقوم من أعمال بيتيه تطفي عليه جو من البهجة والسرور على الأسرة، كإعداد وجبة "الكبدة الاسكندرانية" المفضلة التي تحب أسرته تناولها كل يوم جمعة.

وعاش شهيدنا محمد سنوات طفولته في كنف أسرته التي تتكون من والديه، وشقيق واحد وثلاث أخوات، في الغربة، ولكن سرعان ما شدهم الحنين للعودة إلى فلسطين مسقط رأس أجدادهم، فعادوا للمساهمة في بناء الوطن، حيث كان والده مهندساً وخبيراً في مجال التخطيط الزراعي، وأمه أستاذة محامية وخبيرة في مجال القانون.

فنهل شهيدنا المجاهد محمد الشامي من والديه حب الوطن وعشق ترابه، وشب على ذلك العشق الذي كان ينموا كما أشجار فلسطين الخضراء.

ودرس أبو الحسين مراحل تعليمه الأساسية والإعدادية في مدارس بني سهيلا بخان يونس، وأكمل المرحلة الثانوية في مدرسة العودة بنجاح، والتحق بكلية المجتمع إدارة المشاريع، واستشهد وهو لازال في السنة الأخيرة للتخرج.

وتميز محمد بشهادة أساتذته بالأخلاق العالية، وتفوقهم الدراسي، كما أن شهيدنا متزوج ولديه ثلاثة أطفال أكبرهم "الحسين" وعمره خمس سنوات، وزين ثلاث سنوات، وطفلة لا يتجاوز عمرها العامين ونصف.

عشق الأبناء للآباء

وفي حوار مقتضب مع أطفاله، تحدث الحسين عن حبه الشديد لوالده الذي ارتقى شهيداً ، قائلاً :" أنا بحب بابا كتير وهو راح إلى الجنة".

وأكمل قائلاً بصوته الطفولي " كان يحملني وشقيقي على كتفه ويلاعبنا، ويضحكنا، ويشتري لنا الألعاب وكل شئ نطلبه يلبيه لنا".

وختم حديثه قائلاً :" بابا راح بعيد على الجنة، وأنا نفسي أكون معاه بالجنة ومعي أخي زين وماما". أما زين فتمنى رؤية والده الذي سافر إلى الجنة حسب تعبيره.

ما اخذ بالقوة لن يسترد إلا بالقوة

بدوره تحدث والده أبو محمد عن دوره وزوجته في زرع بذرة حب الوطن في وجدان أبنائه وبناته، قائلاً :" ليس هناك أجمل من تراب فلسطين، ولا أنقى من هوائها، فهي مهبط الوحي، وارض الرسالات السماوية، وقبلة المسلمين الأولى".

وأضاف الوالد الصابر لـ"الإعلام الحربي":" منذ نعومة أظفار أبنائي وبناتي كنت حريص على زرع حب الوطن في وجدانهم، فكان ثمرة هذا الزرع الطيب أني قدمت فلذة كبدي محمد شهيداً لله وللوطن مقبلاً غير مدبر". مؤكداً أنه كان على علم بانضمام نجله إلى صفوف سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، ولم يشأ منعه لأن كان على يقين أن ابنه "أبا الحسين" لديه المقدرة على معرفة الصواب من الخطأ، وأن تحرير فلسطين لن يكون إلا عبر فوهة البنادق ــ فما أخذ بالقوة لن يسترد عبر المفاوضات بل بالقوة ـ

ووصف أبو محمد علاقته بنجله بالحميمة التي يسودها الود والمحبة والاحترام المتبادل، مشيداً ببطولات نجله الذي خاض عدة معارك ضد جيش الاحتلال وعاد منها سالماً غانماً.

ولفت والد الشهيد إلى ما كان يتمتع به محمد من سرية تامة في العمل، حيث أن أحداً لم يكن يعلم بطبيعة عمل الشهيد، إلا رفاقه المحيطين به ، نظراً لما كان يتمتع به الشهيد من وسرية وهدوء والتزام منذ الصغر، معللاً سبب هدوئه إلى أن احد المشايخ الأفغانيين الذي كان متواجداً في مصر وقت ميلاده، أذن في أذنه اليمنى وأقام الصلاة في أذنه اليسرى .

رحلته الجهادية

الشهيد المجاهد محمد الشامي، ارتبط بفلسطين ارتباطاً وثيقاً تجسد ذلك في إصراره على الثبات والبقاء في بيته، حتى كانت معركته مع العدو الصهيوني في بداية الاجتياح البري في معركة "البنيان المرصوص".

وكان عشق محمد لفلسطين عشقاً فريداً، قل نظيره إلا لدى الثلة المؤمنة التي تعيش على ارض الرباط، فمحمد كان بإمكانه السفر إلى أي بقعة من العالم والنزول عند رغبة والديه له، لكنه أصر على البقاء، والاستشهاد في سبيل الله مقبلاً غير مدبر، كيف لا وهو من تربى في مدرسة الإيمان والوعي والثورة، في مدرسة المعلم فتحي الشقاقي، وهاني عابد، وعوض القيق، ومحمد أبو المرشد، وأبو الوليد الدحدوح وماجد الحرازين ومحمد الشيخ خليل ومقلد حميد، حيث كان انتمائه لحركة الجهاد في سن مبكر مع بداية انتفاضة الأقصى المباركة، ثم كان انضمامه لصفوف مقاتلي سرايا القدس بعد إلحاح كبير منه، في عام 2004م، حيث تلقى عدة دورات عسكرية، أهلته للرباط على الثغور، بحكم قرب بيته من السياج الأمني، وكان محمد يتابع عن كثب تحركات جيش الاحتلال، وكان أول من شاهد تحرك آليات الاحتلال نحو الحدود الشرقية لخان يونس بالمعركة الاخيرة، وابلغ غرفة العمليات، معلناً لهم بدء معركته التي طال انتظاره مع جنود الاحتلال، قائلاً كلمته المشهورة " اليوم قتالاً لا فرار فيه".

ويسجل للشهيد المجاهد محمد الشامي المجاهد مشاركته في كافة المعارك التي خاضتها سرايا القدس ضد الاحتلال الصهيوني.

ارتقائه لعلياء المجد .. بطولة وإقدام

وفيما يتعلق بتفاصيل قصة استشهاده، تقول والدته أم محمد :" مع اشتداد العدوان الصهيوني الاخيرة على قطاع غزة، طلب منّا محمد إخلاء البيت على الفور، وظل وشقيقه عمار هناك رافضين الخروج من المنطقة ".

وتابعت الوالدة الصابرة حديثها لـ"الاعلام الحربي" :" مع بدء العدوان البري، اتصل بي محمد ليطمئن علي، وفي نهاية حديثه طلب مني الدعاء له بنيل ما يتمنى، وعدم الاتصال على جواله لأن الوضع صعب للغاية"، مؤكدةً أنها حاولت الاتصال به أكثر من مرة لكن جواله كان مغلق.

وأشارت إلى أن حديثها مع نجلها الشهيد كان في مساء يوم 17/ 7/ 2014م، وفي صباح اليوم التالي الموافق 18/7/2014، تلقت الوالدة الصابرة نبأ استشهاد نجلها "محمد" بعد خوضه معركة بطولية ضد جيش الاحتلال، بينما اختفت أثار نجلها "عمار" الذي اعتقلته قوات الاحتلال وهو مصاب، وتم إطلاق سراحه فيما بعد.

مصادر خاصة لـ"الإعلام الحربي" وشهود عيان أكدوا أن الشهيد أبو الحسين وابن عمه هاني خاضا اشتباك مسلح عنيف ضد جيش الاحتلال استمر لأكثر من خمسين دقيقة في ساعات الفجر، فيما أكدت غرفة العمليات في سرايا القدس أن الشهيد كان على تواصل معها حتى لحظات قبل استشهاده بدقائق، واخبرهم انه تمكن من إصابة وقتل عدد من جنود الاحتلال، وأن ابن عمه استشهد في اللحظات الأولى من المعركة، بينما هو أصيب في ساقه، مشيرةً إلى أن الشهيد أخبرهم عن استخدام العدو الصهيوني قنابل مسيلة للدموع بشكل كثيف، الأمر الذي اثر عليه بصورة كبيرة.

العدو الصهيوني بدوره اعترف بأن قواته البرية من لواء "جفعاتي" وقعت في كمين محكم نصبه لها بعض المجاهدين، وأنهم خاضوا اشتباك مسلح عنيف معها استمر لبضع الوقت، قبل أن تتمكن القوات الصهيونية من استهداف المجاهدين، لكنها كعادتها اخفت خسائرها البشرية، في الوقت الذي أكد في الشهيد تمكنه من قتل عدد من جنود الاحتلال.

وقام جيش الاحتلال بإطلاق زخات من الرصاص وقنابل الدخان في محيط المكان فيما تقدمت بعض الآليات لنقل الجنود القتلى والجرحى، الذين تم نقلهم في طائرات مروحية صهيونية إلى المستشفيات داخل فلسطين المحتلة، وقد عثر في مكان الاشتباك على بعض الأدوات التي يستخدمها الاحتلال للإسعافات الأولية، إلى جانب بعض ملابس جنود الجنود التي نزعها عن أجساد الجنود المصابين والقتلى التي وجدت ملطخة بالدماء.

انشر عبر
المزيد