سيناريوهات الانتخابات الإسرائيلية!

05 شباط 2015 - 03:50 - الخميس 05 شباط 2015, 15:50:47

د.ناجي صادق شراب
د.ناجي صادق شراب

ناجي صادق شراب

تأتي الإنتخابات الإسرائيلية للكنيست العشرين في ظل سياقات وتحولات داخلية وإقليمية ودولية ستفرض نفسها على شكل الخارطة السياسية للقوى السياسية في إسرائيل، وعلى الخيارات والقرارات والأولويات التي ستتصدر عمل الحكومة الإسرائيلية القادمة.

فتأتي هذه الإنتخابات في ظل إحتجاجات إجتماعية وإقتصادية متزايدة في إسرائيل تتصدرها الإعتبارات الأمنية والقلق المتزايد من إقتراب إيران لإمتلاك القوة النووية وتأجيل المفاوضات بشأنها، وفي ظل تنامي دور المستوطنيين، ودور الحاخامات الدينيين، وفي ظل ثقافة كراهية وتعصب عنصري وحقد ضد الفلسطيين غير مسبوق، وبالتالي الثقافة السائدة التي ستجري في سياقها هذه الإنتخابات ترفض التوجه نحو السلام، وترفض قبول فكرة الدولة الفلسطينية، وسيادة ثقافة التشدد واليمين المتطرف.

وتأتي الإنتخابات في سياق فلسطيني يتسم بالضعف، وبعد حرب على غزة دامت واحد وخمسين يوما ولم تحقق اهدافها السياسية بإجهاض قدرات المقاومة وبقاء خيارات الحرب مفتوحة. وتأتي في ظل تصعيد عسكري داخلي وعمليات قتل وإرهاصات إنتفاضة داخل إسرائيل تعاملت معها بمزيد من القوة، والإجراءات الأمنية.

وتأتي في ظل تحولات إقليمية ودولية في موازين القوى لا تعمل لصالح إسرائيل، فتنامي دور القوى والحركات الإسلامية المتشددة، وخطر حركة "داعش" التي تسيطر على الأجواء السياسية في المنطقة، وفي ظل تنامي الإعتراف بالدولة الفلسطينية، وزيادة إحتمالات عزلة إسرائيل، وتنامي القناعة الدولية بإنهاء الإحتلال الإسرائيلي، وأيضا تنامي التوجهات السياسية الرافضة للقبول بإسرائيل، والتي تطالب بنهايتها، وزيادة التهديد القادم من حزب الله، والطائرة بدون طيار التي أرسلها "حزب الله" إلى قلب إسرائيل كرسالة تهديد، والقدرة على الوصول إلى أي مكان في إسرائيل، وتنامي التصريحات الصادرة من قبل قادة "حزب الله" بقدرة الحزب التدميرية، وإمتلاكها لآلاف الصواريخ المتاخمة لحدود لإسرائيل والتجمعات السكانية فيها.

وتأتي هذه الإنتخابات ولأول مرة بعد إنتخابات التجديد النصفي للكونجرس والتي فاز فيها الحزب الجمهوري مما دعم من قوة نتنياهو ومواقفه المتصلبة، لكنها تأتي قبل ألإنتخابات الرئاسية الأمريكية، مما قد يزيد من إحتمالات التصادم بين إدارة الرئيس أوباما والحكومة الإسرائيلية القادمة التي قد يرأسها نتنياهو. وفي ظل موقف أوروبي أكثر نقدا لسياسات إسرائيل، ولعل أبرز المظاهر التي ينبغي التوقف عندها أن هذه الإنتخابات والتي تأتي بعد أقل من عامين على الحكومة الحالية وهي حكومة يمينية متشددة، تؤكد أن الحكومة القادمة قد تلقى نفس مصير الحكومة الحالية، وهو ما يعني ان إسرائيل ذاهبة لشكل من الإئتلاف البرلماني الهش، والذي قد يدخل إسرائيل في حالة من عدم الإستقرار السياسي، الذي قد ينعكس على مزيد من الخيارات العسكرية في علاقات إسرائيل الخارجية، وخصوصا في العلاقة مع غزة وإيران.

التطورات السياسية غير المتجانسة داخل الإئتلاف الحكومي القائم وخصوصا في أعقاب الخلافات بين نتنياهو ولبيد حول قضايا الموازنة والمطالبة بمزيد من المخصصات للجيش، وفي أعقاب الإختلاف حول توجهات قانون الدولة القومية الذي يحاول أن يدخل منه نتنياهو باب الإنتخابات ليقدم نفسه على أنه الأكثر يمينية وهي دفعت بنتنياهو للذهاب للإنتخابات المبكرة لضمانه الفوز بها. وهي التي تفسر لنا أن هذه الإنتخابات تتم في ظل تحول واضح للمجتمع الإسرائيلي نحو مزيد من اليمين المتشدد، وفي ظل ثقافة رافضة، وثقافة تؤيد التوجه نحو القوة العسكرية لحسم القلق الإسرائيلي من التهديدات التي بدأت تلوح في أفق الإنتخابات الإسرائيلية، وهي التي ستتحكم في توجه الصوت الإسرائيلي لأي من القوى الإسرائيلية.. نتنياهو يحاول إرسال رسالة للمواطن الإسرائيلي أنه هو وحده القادر على حفظ أمن وبقاء إسرائيل في مرحلة التحديات التي تواجه إسرائيل لكنه يحتاج إلى تفويض شعبي من جديد لإتخاذ القرارات المناسبة في ظل حكومة جديدة يكون له فيها القرار المؤثر. وأن هذا هو الهدف الأول من تشكيل حكومته القادمة.

وهنا يبرز أكثر من سيناريو للإنتخابات القادمة في إسرائيل: الأول وهو الأكثر إحتمالا، فوز معسكر اليمين الذي يقوده تحالف "الليكود" وهذه المرة بعض الأحزاب الدينية بتشكيل حكومة قادرة على تحقيق أهدافها المعلنة. والسيناريو الثاني هو التكافؤ بين قوى اليسار والتي تشكل نواتها تحالف حزب "ليفني" وحزب "العمل"، وهي قادرة على تحقيق عدد من المقاعد لكنها ستكون بعيدة عن تشكيل الحكومة القادمة وهذا الإحتمال ضعيفا وفي ضؤ أزمة القيادة التي يأتي منها هذا المعسكر. وأما السيناريو الثالث فهو العودة من جديد لشكل الإئتلاف الحكومي لعدم قدرة أي من القوى الرئيسة على  تحقيق فوز منفرد، وهو إحتمال قائم ولكنه أقرب إلى إئتلاف اليمين منه  إلى إئتلاف اليسار، ولذلك التصور الأخطر لهذه الإنتخابات زيادة قوة اليمين، مما يجعل تركيبة الحكومة مكونة من القوة اليمينية، ومن حزب كحلون الجديد الذي قد يحقق ما يقارب الخمسة عشر مقعدا، مع "الليكود" المأمول فوزه بما يقارب الخمسة وعشرين مقعدا، ولذك قد يشكل هذا محور الحكومة القادمة مع مشاركة الأحزاب الدينية.

يبقى التساؤل الحتمي ما هي التداعيات السياسية التي يمكن إن تترتب على هذه الإنتخابات وفوز نتانياهو وتحالفه الجديد بالإنتخابات؟ لعل أبرز هذه التداعيات ستكون على مستويين: الأول خيار السلام الذي سيصبح مستحيلا وبعيدا لرفض أي شكل من أشكال قيام الدولة الفلسطينية، وإستمرار سياسات الإستيطان، وزيادة إحتمالات الحرب من جديدعلى غزة. والمستوى الثاني سيكون العمل على حسم الملف النووي الإيراني، بالذهاب للخيار العسكري وخصوصا مع زيادة إحتمالات فشل المفاوضات مع إيران، وإقتراب نهاية حكم الرئيس أوباما، وهو ما يدفع الكثيرين لإعتبار العام القادم هو عام الحسم سواء كان عسكريا أو سياسيا، وحتى مع موضوع الدولة الفلسطينية وعجز الإدارة الأمريكية على حسم الملف التفاوض الفلسطيني الإسرائيلي.. ويبقى السؤال ماذا يملك الفلسطينيون من خيارات؟ وكيف سيتعاملون مع الإنتخابات الإسرائيلية، ومع الحكومة الرابعة والثلاثين التي ستأتي بها؟!

انشر عبر
المزيد