غزة تنتظر إعادة الإعمار.. كتب: صادق الشافعي

26 أيلول 2014 - 03:34 - الجمعة 26 أيلول 2014, 15:34:06

لم تبدأ حملة إعادة إعمار غزة حتى الآن، لا شيء جدياً وشاملاً يدور على أرض الواقع. ما يدور حول الإعمار لا يزال كلاماً عن الدراسات والتحضيرات والإعداد والمباحثات، إضافة إلى اتفاقات مبدئية. جولة المباحثات غير المباشرة الثانية لم تنعقد إلا أمس، ولا شيء محدداً نتج عنها حتى الآن، وإعادة الإعمار بند رئيسي وشائك على جدول أعمالها .
انعقاد مؤتمر المانحين ما زال أمامه أكثر من أسبوعين، وما زال هناك جدل حول درجة نجاحه وشروط المشاركين فيه للمساهمة في تمويل إعادة الإعمار، كما تعبر عن ذلك بوضوح عدد من الدول الأوروبية التي تعلن عدم حماستها لإعمار ما يدمره الاحتلال كل سنتين أو ثلاث، وكأنها تدفع ثمن عدوانه، وتربط مساهماتها وسخاءها "بوقف إطلاق نار كامل ومستدام".
إضافة إلى ما تقدم، ليس هناك برنامج محدد لإعادة الإعمار تم الاتفاق النهائي عليه، ولا آلية تفصيلية تم وضعها وإقرارها، بل إن تقدير الفترة الزمنية اللازمة لإنجاز إعادة الإعمار تختلف من جهة لأخرى. المتفائلون يقدرونها من 3 إلى 6 سنوات، أما الواقعيون والمتشائمون فيرفعونها فوق هذه الأرقام، ويصل بعضهم بها إلى 20 سنة، ومع ذلك، فإن موضوع إعادة الإعمار احتل سريعاً مكاناً مميزاً بين عناوين الخلاف الداخلي الفلسطيني .
السلطة الفلسطينية، تتمسك بأن تكون عملية الإعمار جزءاً من مسؤولياتها العامة والمباشرة كقيادة شرعية واحدة للشعب الفلسطيني، ويجد مطلبها تأييداً من أغلبية الفلسطينيين، وقبولاً واسعاً من الهيئات الدولية والدول الأجنبية المانحة، وكل الأنظمة العربية تقريباً، بل إنه أصبح شرطاً للمساهمة في الإعمار لدى أغلبية الجهات المذكورة .
"حماس" على الطرف الآخر تصّر على أن يكون لها دور وحضور خاص ومميز في عملية الإعمار كما في كل العملية السياسية بمختلف جوانبها، وتطالب بالمشاركة في إدارة الشأن العام في غزة بالاعتماد على أجهزة الأمن التي شكلتها ولا تزال بامرتها والمسؤولين في الإدارات العليا في الوزارات المختلفة الذين ينتمون إليها، ما يشكّل اعترافاً بثقل دورها ووجودها السياسي والعسكري والأمني في القطاع . ويرتبط هذا الإصرار برؤيتها الشاملة للاعتراف بها من المجتمع الدولي كقوة سياسية مؤثرة، والقبول بدور ووزن مميزين لها في العملية السياسية والقيادية الفلسطينية.
الخلاف الفلسطيني إذا ما استمر وتفاقم ولم تنجح المحاولات الجارية في السيطرة عليه، فإنه سيرمي بظلال قوية على عملية الإعمار ويعيق قيامها بالشكل المطلوب، وسيعطي حججاً ومبررات تزيد من
تردد المترددين وتقدم الحجة للمتقاعسين.
مصر كطرف معني بشكل خاص بالعملية السياسية حول غزة وحول الحركة على معبر رفح ومرور مواد البناء اللازمة عبره، لها رؤيتها وموقفها المؤثر أيضاً في هذا الأمر، وهي بالنتيجة تريد حصر التعامل في كل ما يتعلق بغزة مع القيادة السياسية الممثلة بالسلطة الوطنية .
والرؤية والموقف المصريان كما يتم الإعلان عنهما يقومان على عاملين أساسيين:
* الأول عدم تكريس الانقسام بين الضفة وغزة، وتوحيد الشعب الفلسطيني
* والثاني عدم إلقاء مسؤولية قطاع غزة على مصر، لأن "إسرائيل" لا تزال سلطة الاحتلال للقطاع، وهي المسؤولة عنه بموجب اتفاقية جنيف الرابعة .
أما "إسرائيل"، فإنها لم تتنازل حتى الآن، عن ربط قضية الإعمار مع شرط جعل غزة منزوعة السلاح، ولا هي تنازلت عن شرط التحكم بكمية المواد التي تدخل والمعابر التي تدخل منها، إضافة إلى مراقبتها مراقبة دقيقة تمنع استخدامها في بناء الأنفاق أو في تصنيع السلاح، وبالذات المواد متعددة الاستعمال. وإضافة إلى دور الأمم المتحدة في مراقبة المواد واستعمالها، فقد تحدث وزير الحرب (موشي) يعالون عن تطويرهم لنظام إلكتروني يمكنهم من مراقبة ورصد دقيق لمواد البناء التي تدخل والأغراض المحددة التي ستستخدم فيها.
إن "إسرائيل"، لم تعلن حتى الآن التزاماً نهائياً وشاملاً حول موضوع إعادة الإعمار، ولم تتنازل عن أي من شروطها ومطالبها، مع أنه ليس أسهل عليها من التراجع عن أي إعلان والتملص من أي اتفاق، سواء كان مبدئياً أو حتى نهائياً، وعين "إسرائيل" لا تزال على القرار الذي تحاول أمريكا والدول الأوروبية استصداره من مجلس الأمن، بأمل منها أن يحقق مطلبيها بغزة منزوعة السلاح وبالرقابة الدولية في قرار دولي .
في 16 من سبتمبر/ أيلول الحالي، في إيجاز أمام مجلس الأمن الدولي أكد روبرت سيري مبعوث الأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط "أن الأمم المتحدة نجحت في التوسط للتوصل إلى اتفاق ثلاثي فلسطيني "إسرائيلي" أممي لتمكين العمل في النطاق المطلوب في قطاع غزة، وإشراك القطاع الخاص في غزة وإعطاء السلطة الفلسطينية دوراً قيادياً في جهود إعادة الإعمار، مع توفير ضمانات أمنية من خلال مراقبة الامم المتحدة بعدم تحويل هذه المواد عن أهدافها المدنية الخالصة". وهو ما يؤكد الدور المركزي الذي ستلعبه الأمم المتحدة في إعادة الإعمار، خصوصاً أنها تمتلك آليات عمل موجودة تبلورت واستقرت عبر سنوات من تقديمها مساعدات لأكثر من 70% من سكان قطاع غزة اللاجئين.
وعلى الخط نفسه سار حسين الشيخ وزير الإدارة المدنية الفلسطينية، حين أعلن مساء الخميس الفائت رزمة من الإجراءات ستبدأ في الأيام والأسابيع المقبلة، وما يتعلق بالإعمار مباشرة من هذه الإجراءات:
أ- توسعة معبر كرم أبو سالم ليتسع إلى أكثر من 700 شاحنة يومياً .
ب- البدء بإعداد خطة شاملة مع كل الجهات المختصة لبرنامج إعادة الإعمار، وآلية إدخال مواد البناء والحديد والآليات والمعدات الثقيلة إلى غزة .
إذا كان التعويض عن المفقودين من العائلة والأهل والأحبة مستحيلاً، فلا شيء يعوض هؤلاء، فإن الإعمار، هو التعويض المباشر والملموس لأهالي القطاع عما لحقهم من دمار وتشريد. وهو الذي يمكنهم من العودة إلى بيوت يسكنونها مع توفير لهم خدمات عامة هم بأمس الحاجة إليها، وهو مطلب أساسي، إلى جانب المطالب/الحقوق الأخرى، ليعيش الفلسطينيون حياتهم الطبيعية كبشر عاديين .
إن البدء بإعادة إعمار قطاع غزة على أساس اتفاق واضح وآليات محددة، حتى لو تبين أنه يتطلب بعض السنوات، يعطي تأثيره المباشر في عنوانين مهمين:
* الأول، عودة عجلة الاقتصاد في القطاع للدوران ولو ببطء في البداية وبالتدريج، إضافة إلى ورشة الأعمال الهائلة التي ستخلقها إعادة الإعمار، وهو ما يؤثر إيجاباً في حياة الناس ومعيشتهم وما يوفر فرص عمل كثيرة جداً تخفض بشكل ملحوظ من معدل البطالة المتفشية والمرتفع جداً .
* والثاني، الحد بنسبة عالية من هجرة الشباب ومغادرة القطاع بحثاً عن فرص عمل، وبالذات الهجرة غير الشرعية عبر التهريب وعصاباته التي تشكّل خطراً كبيراً على حياتهم والتي أودت بحياة العشرات منهم حتى الآن.
الدور الشعبي في موضوع إعادة الإعمار لا بد أن يفسح له مجال في الخطة العامة لإعادة الإعمار ليكون جزءاً متناسقاً منها . وقد فتح مبعوث الأمم المتحدة روبرت سيري الباب أمام هذا الأمر، حين تكلم عن دور للقطاع الخاص في الاتفاق الثلاثي المشار إليه . فكما كان التصدي للعدوان على غزة معركة وطنية عامة بامتياز، وشهدت درجة مفرحة من الوحدة الوطنية، فإن قضية الإعمار يجب أن تكون على الصورة نفسها أيضاً. ورغم أن الأشكال القائمة للدور الشعبي لا تزال جنينية مثل مشروع التكافل الأسري في الضفة، فإنها تؤكد جاهزية الناس في جميع أماكن وجودها واستعدادها العالي للإسهام بكل إمكاناتها . ما تحتاج إليه هو آلية محددة لانخراطها في الخطة العامة. وما تحتاج إليه قبل ذلك وحدة اتفاق وموقف فلسطيني ينتمي إلى الوطن وأهل الوطن وعذاباته واحتياجاته مترفعاً عن الانتماءات التنظيمية وحساباتها وخلافاتها.
اتفاق وموقف يكافئ الناس على صمودها وتضحياتها برفع كرب دمار المأوى وغياب السقف الذي يستر من التشرد، لا أن يزيدها كرباً فوق كربها بخلافات لا تدخل الناس واهتماماتها ومصالحها في حساباتها واستهدافاتها .

المصدر: صحيفة الخليج

 

انشر عبر
المزيد