غزة تستعد للمرحلة القادمة... كتب بشارة مرهج

12 أيلول 2014 - 01:29 - الجمعة 12 أيلول 2014, 13:29:02

في معركة غزة الخالدة، وعندما كان المواطن الفلسطيني يتلقى الصواريخ والقذائف "الإسرائيلية" بصبر وروح معنوية عالية، مقدماً أغلى التضحيات في سبيل قضيته العادلة المقدسة، كان المحتل يضرب أخماساً بأسداس في ملجئه محاولا طرد اليأس الذي تسرب إلى نفسه جراء استمرار المقاومة في الرد والردع في أصعب الظروف، وجراء عجز جيشه عن تحقيق الوعود التي أطلقها بسحقها وفرض الاستسلام على غزة.
كان الجمهور الصهيوني المكدس في ملاجئه المجهـزة، التي لـم يتعـود الإقامـة فيـها طويلاً، يتساءل عن سر صمود الشـعب الفلسطـيني وإصراره على المجابهة والتفافه حول مقاومتـه برغم الخسائر الهائلة التي يتكبدها نتيجة القصف الوحشي المركز على المساجد وأهلها، والمنازل وعائلاتها، والمدارس وطلابها، والمستشفيات ومرضاها.
لقد شكل كل ذلك بالنسبة له صدمة كبيرة مشابهة للصدمة التي فاجأته في صيف العام 2006 على يد المقاومة اللبنانية، ولكنه كان في المقابل يمنّي النفس بقرب الانتصار كلما سمع تصريحاً متشنجاً أو مشجعاً من قادته، وكلما مر يوم جديد على محرقة غزة. بيد أن الأمنيات سرعان ما كانت تتحول إلى أوهام، إذ كلما ارتفعت وتيرة القصف، تحطمت الهجمات على صخرة الصمود الفلسطيني فازداد تساؤله حول حقيقة ما يجري، حتى إذا تبينت مسارات الحرب، تحول التساؤل لديه إلى خيبة أمل ثم إلى قلق وجودي، انتشر وتعمق حتى دفع 59 في المئة من الجمهور الصهيوني المتحمس للعدوان إلى الاعتراف بخسارة الحرب.
هذه هي الخسارة الكبرى التي منّي بها الكيان والتي لن يتمكن من إخفائها. فبعد اليوم لن تتمكن الصهيونية من التصرف في غزة والأرض المحتلة كما يحلو لها من دون حسيب أو رقيب، إذ باتت تعرف أن المعادلات قد تغيرت.
وبرغم القسوة التي مارستها قوات العدو وفرق الاحتياط التي استدعتها والشائعات التي أطلقتها في ظل حصار رهيب يمثل أعلى درجات العنصرية والإرهاب فإن المقاومة صمدت وأدارت دفة الحرب بحرفية وذكاء وإبداع، أذهل العدو وأفشل خططه.
وإذ خرجت المقاومة من المعركة أكثر تماسكا، وأوسع تمثيلاً، وأشد تصميماً على متابعة النضال، خرجت القيادة الصهيونية مرتبكة يتبادل أفرادها الاتهامات بالتقصير سواء في جمع المعلومات والتوقعات، أو في القتال الميداني حيث ظهر التفوق الفلسطيني بوضوح، مستفيداً من دعم وخبرات الأشقاء والأصدقاء الذين يعرفهم الرأي العام.
إن انتصار غزة كما انتصار لبنان بالأمس يؤسس لمرحلة جديدة في مسار القضية الفلسطينية ويفتح الطريق نحو إنقاذ القدس والمقدسات كما نحو انتصار فلسطين على الاحتلال الذي يجثم على صدر بيت المقدس منذ عقود.
وإذا كان الانتصار الفلسطيني النوعي الإستراتيجي قد أصبح مرئياً بفضل الدماء الزكية والتضحيات الاستثنائية، إلا أن المهمات المستقبلية ستزداد صعوبة في ظل إصرار العدو على سياسة القهر والعدوان والتهجير، ومصادرة الأراضي، وبناء المستوطنات، وتكديس الأسلحة النوعية والذرية، وإجراء التدريبات والمناورات، ومساندة التطرف والغلو وإثارة الفتن في ربوعنا العربية.
إن غزة التي صوَّبت البوصلة نحو الهدف الحقيقي وكشفت المزايدين والمارقين، والتي تنادينا اليوم لدعمها معنوياً ومادياً لتمكينها من إيواء العائلات، وفتح المدارس، وترميم المستشفيات وفتح المعابر، تدرك مع كل الشرفاء والأحرار انه لا بديل عن المقاومة، وأنه لولا المقاومة لما تحقق هذا الانتصار التاريخي الذي شكل بارقة أمل حقيقية وسط الأحداث المأساوية وتحديات الفتن الداخلية والغلو والعنف والتدخلات الخارجية التي تواجه أمتنا.
إن غزة تعرف انه لا بديل عن وحدة المقاومة والشعب، لأنه من دون هذه الوحدة، تتعرض المكاسب إلى أخطار لا يمكن تجاهلها. فالطريق لا تزال وعرة وطويلة وحقول الألغام لا تزال تحيط بنا، وثقافـة الاستـسلام لا تزال قوية ومنتشرة في المنطقة، والحصارات المتعددة الأشكال لا تزال قائمة. لذلك فالأيام الآتية هي أيام الإعداد والبناء والاستعداد لكل الاحتمالات، وهي أيام التضامن والاتحاد حول مناضلي غزة وأطفالها وأهلها.

المصدر: صحيفة السفير اللبنانية

 

انشر عبر
المزيد