قراءة في الحرب”الإسرائيلية” على غزة

13 آب 2014 - 07:47 - الأربعاء 13 آب 2014, 19:47:07

القدس للأنباء - خاص

كتب: هيثم أبو الغزلان


مرة أخرى تقف غزة في مواجهة العدوان الصهيوني الشامل، يهبُّ أهل الضفة الغربية والقدس للنجدة بما يستطيعون، يُساندهم اخوانهم في المدن والبلدات الفلسطينية المحتلة منذ العام 1948. إذاً هي حرب عدوانية شاملة على شعبنا الفلسطيني على طول مساحة فلسطين التاريخية. والهدف خلق وقائع جديدة على الأرض، تحقيق جملة من الأهداف، ذريعة الخطف والقتل للمستوطنين الثلاثة في الخليل هي أوهن من الاستناد إليها.. وما قيام المستوطنين المجرمين باختطاف الفتى الشهيد محمد أبو خضير والتنكيل به وحرقه وهو حي، إلا إحدى الإشارات الجذرية للعقلية الصهيونية الإجرامية، ولكن، رغم فداحة الفعل إلا أن الهدف يبقى هو العمل على تكريس مشاريع سياسية، لتصفية القضية الفلسطينية، بكل مكوناتها، وتحقيق “حلم” “كي الوعي الجمعي” الفلسطيني الذي دعا إليه رئيس أركان الاحتلال سابقا، موشي يعلون.

البداية.. مع الخليل
بعد عملية خطف المستوطنين الثلاثة وقفت إسرائيل على رجل واحدة متأهبة منتظرة خائفة مذعورة مرتبكة.. لتنطبق عليها كل الأوصاف، وعلى جيشها وأجهزة الأمن والاستخبارات فيها: اختفاء 3 مستوطنين في خليل الرحمن في الضفة المحتلة. كيف حصلت عملية الاختطاف والقتل؟ هل توجد عملية أسر أصلا؟! من المنفذ؟ كيف نفذت المجموعة المسلحة المفترضة العملية بهذه الدقة وانسحبت وما هي طرق تمويهها؟! ولماذا لم يتم العثور على دليل يقود إلى الجهة المنفذة؟؟!

بكل الأحوال، إن إشغال الكيان الإسرائيلي فترة من الزمن هو انتصار معنوي، فكل هذا الكم الهائل من التصريحات التي “ترغي وتزبد”، تتوعد ولا تجد قدرة على تنفيذ تهديداتها.. اجتماعات متلاحقة.. اتصالات مستمرة.. ومداهمات.. تشديدات وحواجز، إغلاق طرق، قصف بالطائرات لأهداف في غزة.. لم يحقق هدفه، بل على العكس من ذلك.

فقد قال محلل الشؤون العسكرية في صحيفة “يديعوت أحرونوت” “رون بن نيشال” “المؤشرات كافة تدل على أن هذه العملية هي على خلفية قومية، وما يؤكد هذا هو فقدان الاتصال بالجنود الثلاثة في آن واحد، فضلاً عن اشتعال السيارة التي كانت تُقلٌّهم بالقرب من قرية دورا في مدينة الخليل”.

وأشار المحلل إلى أن التحذيرات في أوساط الجيش حول وقوع عملية اختطاف قد زادت في الآونة الأخيرة، مع ما رافق ذلك من مضي أكثر من 50 يوماً على إضراب الأسرى الإداريين في معتقلات الاحتلال.

وأكد المحلل “نيشال” بأن كافة المنظمات الفلسطينية في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها حركات “فتح” و”حماس” و”الجهاد الإسلامي” تعمل جاهدة لخطف جنود إسرائيليين…

وحول عمل الفصائل الفلسطينية في الضفة الغربية والقطاع، لفت المحلل العسكري إلى أنها كانت قد اكتسبت الخبرة اللازمة من أجل القيام بتنفيذ عمليات الأسر، وكذلك لديهم الخبرة في طرق تعامل “الشاباك” وأجهزة الأمن الإسرائيلية مع هذه العمليات الأمر الذي سيجعل لهم القدرة العالية في تمويه آثار الخطف بمهارة عالية.

وفي كل الأحوال، إن حصول العملية هو فشل إستخباري إسرائيلي، سيما أنها نُفذت في منطقة قريبة من مستوطنة “غوش عتصيون”، أي “تحت أعين أجهزة الأمن الإسرائيلية والمستوطنين المسلحين” الذين لم يستطيعوا إحباط “عملية الخطف الجارية”.

في العموم، ما جرى في الخليل من عملية أسر لجنود مستوطنين ـ إن كان الأمر هكذا ـ يؤكد على قدرة وحيوية المقاومة الفلسطينية وتصميمها على المواجهة ونصرة الأسرى.. ويشير إلى الفشل الاستخباري الإسرائيلي.. وأن هذا الصراع مستمر ولا بد للشعب الفلسطيني أن ينتصر فيه.

العدوان على غزة
مهّد جيش الاحتلال “الإسرائيلي” لعدوانه على قطاع غزة، بحرب شاملة على شعبنا في الضفة الغربية، إعتقالات بالجملة، عمليات دهم وتفتيش وتكسير وإرهاب وتخويف، نسف بيوت وتدمير ممتلكات ومؤسسات عامة، وكذلك إغلاق للمؤسسات، ومنع المواطنين من حرية الحركة والتنقل والعمل، وشن أوسع عملية تنكيل، بهدف تركيع شعبنا وتطويعه، وتصفية بنية المقاومة، وعزلها عن بيئتها الحاضنة، فكانت الهبّات الجماهيرية غير المسبوقة في القدس والداخل الفلسطيني، تلك الهبات التي أربكت الحسابات “الإسرائيلية”..

وجاءت هذه الإجراءات قبل أن تنقل “إسرائيل” المعركة إلى غزة وتباشر عدوانها على القطاع المحاصر عبر ضربات جوية متكررة طاولت أهدافًا للمقاومة بغية “دفع الثمن”.

وسعت إسرائيل عبر توسيع دائرة عدوانها ليشمل قطاع غزة، إلى توجيه ضربة مؤلمة لحركات المقاومة، ومنها “حماس” في محاولة لتعطيل اتفاق المصالحة، ونزع “الشرعية الدولية” التي حصلت عليها حكومة الوفاق الفلسطينية.

وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن أهداف العملية الإسرائيلية ـ رغم أنها لم تكن واضحة ـ، هو تدمير البنية التحتية لحركة “حماس”، والقضاء التام على القدرات العسكرية والصاروخية للحركة، وذلك على نحو سريع لا يسمح باندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، أو تشكيل اصطفافات إقليمية ودولية مناهضة لإسرائيل ومتعاطفة مع الفلسطينيين.
وتسعى “إسرائيل” من خلال تدميرها للبنية التحتية لحركة “حماس” ـ وبطبيعة الحال المقاومة بشكل عام ـ ، إلى وقف إطلاق الصواريخ على جنوب فلسطين المحتلة، الأمرالذي يعطل حياة السكان المدنيين الذين يعيشون هناك ويقوّض نسيجهم الاجتماعي، ويخلق نوعاً من “توازن الرعب”، كما تسعى أيضاً إلى تقويض تجربة المصالحة الوطنية الفلسطينية وإفشال حكومة الوحدة الوطنية بين حركتي “فتح” و “حماس”.

يضاف إلى ذلك تراجع “إسرائيل” عن الالتزام بما جرى الاتفاق عليه، بعد حرب العام 2012، بشأن تخفيف الحصار على غزة، ورفض توسيع منطقة الصيد للصيادين في البحر المتوسط إلى أكثر من ثلاثة أميال، وأيضًا رفض تسهيل دخول البضائع التجارية إلى غزة عبر معبر “كرم أبو سالم”.

ويظهر السياق العام للأحداث، أن تصعيدًا تدريجياً حصل قبل انفجار الأمور في حرب “البنيان المرصوص”، حيث كان هناك قبل الحرب حرص على عدم تصعيد الموقف، ولكن، بعد الحملة المستمرة والمتصاعدة ضد المقاومة في الضفة، واغتيال ستة من مقاومي كتائب الشهيد عز الدين القسام (6-7)، في مدينة رفح جنوب قطاع غزة، تصاعدت حدة التوتر فردت “حماس” بقصف المستوطنات الإسرائيلية الجنوبية برشقات صاروخية بلغت أكثر من مئة قذيفة هاون وصاروخ من عيار “قسام”، و”غراد”..

ولم تمضِ ساعات قليلة، حتى أعلنت إسرائيل انطلاق حملتها العسكرية التي سمَّتها “الجرف الصامد”، فبدأتها بقصف كبير لعشرات الأهداف والمواقع، ردًّا على استهداف حماس للمدن الجنوبية (سديروت، وعسقلان، وبئر السبع، ونتيفوت، وأوفاكيم، ونير عام)؛ مما جعل ما يقرب من ربع سكان إسرائيل يقضون ساعاتٍ طويلةً في الملاجئ. وقد استخدمت “حماس” صواريخ متوسطة المدى فقط بعد أن بدأت إسرائيل بقصف بيوت الفلسطينيين.

هنا لا نتحدث عن نتائج نهائية في جولة الصراع الحالية ضد “إسرائيل”، وما يُطمئن لناحية المقاومة؛ الجهوزية العالية، والإعداد المتقن، والمفاجآت المتوالية، والصمود الشعبي المنقطع النظير، والهبّة الجماهيرية الواسعة في الضفة والأراضي المحتلة منذ العام 1948، وهذا يشير إلى وجود حاضنة شعبية، رغم كل المجازر البشعة التي ترتكبها “إسرائيل”.

استفادت حركات المقاومة من عمليتي “الرصاص المصبوب” و”عامود الدخان”، واستخلصت العبر منهما، ومن جولات أخرى من الصراع مع المحتل، ولذا نرى “بنك الأهداف”، الذي تمتلكه “إسرائيل” فقيراً جداً.

وبالمقابل، فقد استطاعت المقاومة اخفاء أماكن تخزين الأسلحة، وأماكن اطلاقها، وعددها. كما نجحت في تعقب ومعاقبة العملاء.. مما حرم “الإسرائيلي” من المعلومات، ما انعكس تخبطاً في الأهداف وممارسة للجرائم ضد المدنيين عبر الاستهداف “المنظم” للمنازل السكنية الآهلة بالسكان المدنيين من الأطفال والنساء، ومقار الجمعيات الإنسانية، ودور العبادة! فقد ذكرت تقارير “إسرائيلية” إنه خلال خمسة أيام فقط للحرب العدوانية، وصل عدد المواقع التي قصفها الاحتلال 1160 هدفاً.

وتعاطت المقاومة بردّها على العدوان “الإسرائيلي” “الجرف الصلب”، وفق تطور العدوان ووسائل القتل، بحيث أنها قصفت “تل أبيب” و”القدس” و”حيفا” و”بئر السبع” عندما بدأت “إسرائيل” باستهداف المدنيين ومنازلهم، ناقلة الحرب إلى عمق “إسرائيل” مع ما تجرّه من انعكاسات مؤذية عليها اقتصادياً وسياسياً. فإسرائيل لا تستطيع تحمّل إغلاق مطار “اللد” ومرافىء “حيفا” و”أسدود” و”عسقلان” و”إيلات” مدة طويلة..

وكشف موقع “جلوبس” المعني بشؤون الاقتصاد الإسرائيلي، أن التكلفة الأولية للعملية خلال مدة أربعة أيام على قطاع غزة، تبلغ 8.5 مليار شيكل (2.4 مليار دولار).

وذكر موقع صحيفة (يديعوت أحرونوت) أنّ الضرر للممتلكات الذي يُسبّبه العدوان على غزّة في جنوب فلسطين المحتلة يصل إلى 10 مليون شيكل، كما أنّ استدعاء 40 ألف جنديّ للاحتياط سيُكلّف خزينة دولة الاحتلال ما يُعادل 600 شيكل للجنديّ في اليوم الواحد، أمّا في ما يتعلّق بالقبّة الحديديّة وتفعيل طائرات سلاح الجو وسفن سلاح البحريّة، فإنّ المبلغ، وفق تقديرات الاختصاصيين في مجال الاقتصاد، فيصل إلى مئات ملايين الشواكل في اليوم الواحد، ولفت الموقع العبريّ أيضًا إلى أنّ المؤشرات في البورصة الإسرائيليّة في تل أبيب سجلّت انخفاضًا كبيرًا. بالإضافة إلى ذلك، أوضح الموقع، أنّه بسبب مواصلة إطلاق الصواريخ من قطاع غزّة باتجاه العمق الإسرائيليّ، فإنّ المصانع توقّفت عن العمل خشية تعرّض العمّال للإصابة، الأمر الذي سيُلحق أضرارًا بالغةً في الاقتصاد الإسرائيليّ. أمّا تكلفة اليوم الواحد من القتال، فقال الموقع، إنّه يصل إلى مئات ملايين الشواكل.

ولهذا، دعا الرئيس السابق لجهاز الأمن العام (الشاباك) يوفال ديسكين، إلى إنهاء الاقتتال في جنوب “إسرائيل”، ـ فلسطين المحتلة ـ، على وجه السرعة والتحرك لحل النزاع “الإسرائيلي” الفلسطيني .

وكتب ديسكين في تدوينة له على صفحة (الفيسبوك) الخاصة به إلى أنه كلما تصاعد القتال أصبح جليًا أكثر فأكثر مدى عدم جدواه وفائدته.

أما المفكر المصري فهمي هويدي، فقد كتب: “غزة ظلت طول الوقت قابضة على الرؤية الصحيحة، مدركة أن العدو الحقيقي هو إسرائيل، والإرهاب الحقيقي يمثله الاحتلال في مختلف أطواره، من الاغتصاب إلى الاستيطان. وأن السلام الحقيقي لن تقوم له قائمة إلا بزوال الاحتلال. ولأنها امتلكت تلك الرؤية فإنها تعرضت للحصار والاجتياح والتجويع والتدمير إلى جانب مختلف صور الاجتثاث والإبادة. ولم تعان من فحش الأعداء فحسب وإنما عانت أيضا من ظلم الأشقاء وتجريحهم. من ثم فإن أهلها ظلوا يستقبلون الصواريخ بصدورهم العارية من عدوهم. كما ظلوا يحتملون الطعنات في ظهورهم من أشقائهم الأقربين منهم والأبعدين. وفي كل ذلك فإنها لم تنكسر ولم تركع”.

حقائق
لقد ظهر جلياً ومنذ اللحظات الأولى لعملية “البنيان المرصوص”، عدة حقائق، أفرزتها المعركة، تتلخص بـ :

- أن المقاومة هي من حدد ساعة “الصفر” لبدء المعركة.

- التحكم والسيطرة الواضحان لدى المقاومة في إطلاق الصواريخ..”نوعيتها، عددها، المدى الزمني، والنطاق المكاني”…

- تنفيذ عمليات هجومية نوعية: “قاعدة زيكيم”.. و”الكمين المحكم” لوحدة المغاوير في سرايا القدس، الذي استهدف قوة من وحدة لواء “غولاني” شرق مدينة غزة.

- “شل” قدرة الطيران المروحي بعد استهدافه بصواريخ “ستريللا”، مما جعل الاحتلال يستعيض عنها بالطيران الحربي، ويدفع باتجاه احتمالية الاجتياح البري ـ مع عدم الحسم في الإجابة حتى الآن عن أسئلة تتعلق بـ:

- اجتياح كامل للقطاع، مع ما يترافق ذلك من مخاطر حول زيادة عدد القتلى في جيش الاحتلال، وهل تتحمل الجبهة الداخلية “الإسرائيلية” ذلك؟ فقد قال كبير المعلقين العسكريين في صحيفة “يديعوت أحرونوت” رون بن يشاي، إن هدف العملية البرية سيكون تقليص القدرة على إعادة بناء ترسانة الصواريخ والإمكانيات العسكرية الأخرى، وأن عمليات القصف والعمل البري ستهدف إلى المس بقدرة المقاومة على حفر الأنفاق الحربية، المعدّة لنقل المقاتلين والسلاح إلى داخل المستوطنات اليهودية في عمق الكيان الصهيوني.

- أم سيكون هذا الاجتياح مجرد اختراق بري يلامس حدود “الكثافة السكانية” الفلسطينية، ولا يخترقها، بهدف تدمير منصات الصواريخ وبالتالي إبعاد خطرها عن مدن ومستوطنات الكيان. وفي الداخل “الإسرائيلي” يوجد من يُفضّل تجنب الدخول البري المباشر إلى القطاع للمخاطر العديدة التي يحتويها هذا الخيار، منها: الكلفة البشرية والاقتصادية العالية جدا، وافتقاده للجواسيس، وأيضاً ما أعدته المقاومة من شبكات أنفاق لا يعلم عنها ما يجعل الأمر أكثر غموضاً، ويدفع باتجاه التردد.

وكتب العسكري عمر معربوني في موقع “نبأ برس”، عن مفاجآت المقاومة التي ظهرت جلية باستخدامها لصواريخ وصل مداها الى 140 كلم، حيث ضربت مشارف حيفا، وغيرها. و”قدرة أطقم الصواريخ بما فيها بعيدة المدى على العمل وإطلاق الصواريخ رغم وجود كل أنواع المراقبة الجوية والتكنولوجيّة المتطورة، من طائرات وأقمار صناعية ومناطيد وطائرات استطلاع بدون طيار، وصولاً الى تحديد مواعيد الإطلاق والإعلان عنها عبر وسائل الإعلام”. و”استهداف أكثر من آلية بينها دبابة “ميركافا” بصواريح “كورنيت”، واستخدام القناصات 12.7 بعيدة المدى لاستهداف جنود العدو”. و”استخدام طائرات بدون طيار من نوع أبابيل وهي من ثلاثة طرازات، استطلاعية، وهجومية، و”انتحارية”… واستخدام تقنيات الحرب الالكترونية عبر متابعة اتصالات العدو واختراق منظومات اتصاله وحتى أقنيته التلفزيونية، كما حصل مع القناة الثانية الصهيونية.

وفي حال استمر التصعيد، فإن “إسرائيل” ستعمل على اتباع أسلوب التهويل الاعلامي، علّها في ذلك تنقذ بعض ماء وجهها، وتعيد “شد العصب” الداخلي المنهار، وذلك من خلال الحديث عن عملية برية، تدرك سلفاً كلفتها ومخاطرها إن حصلت.

وهذا ما حذر بن يشاي في مقال له من “الوقوع في الأوهام، فالحديث عن الاجتياح ليس حديثاً عن نزهة أو جولة صباحية”.

إن التخاطب عبر “الصواريخ” والميدان، أثبت أن المقاومة قادرة على استنزاف “إسرائيل”، وأنها ـ أي المقاومة ـ، قادرة على الصمود فترة طويلة، ولا يشكل عامل الوقت ضغطاً عليها كما يشكل على “إسرائيل”، ولذلك، بدأ الحديث عن تحركات دولية وعربية محورها ضرورة العودة إلى تفاهمات العام 2012، وبناء عليه أعلنت الخارجية المصرية عن مبادرة تستند إلى تفاهمات 2012، فرفضتها المقاومة لأنها لا تستجيب للشروط الفلسطينية.

استخلاصات وعبر:
- من الواضح من سياق إدارة المعركة ضد العدوان الإسرائيلي أن المقاومة، وخصوصاً سرايا القدس وكتائب عز الدين القسام، قد استطاعوا التحكم للنهاية، بإطلاق الصواريخ؛ بمديات تلك الصواريخ، وبالأمكنة المستهدفة، ما يعني القدرة على التحكم والسيطرة، والتدرج في العمليات.

فقد رأى الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، الدكتور رمضان عبد الله شلح في مقابلة صحافية، أن الاحتلال حاول بقراره شن عدوانه على قطاع غزة الهروب للأمام وتصدير أزماته الداخلية وتصفية حساب قديم مفتوح على مصراعيه مع المقاومة، وإذ به يأتي بصواريخ المقاومة إلى تل أبيب وإلى ما بعد تل أبيب.

وأكد نائبه، زياد النخالة، أن “المقاومة في معركة “البنيان المرصوص” كسرت كافة المحرمات المقدسة للاحتلال الإسرائيلي”، وأضاف: “إسرائيل قصفت غزة والمقاومة قصفت “تل أبيب” و”القدس” المحتلة و”حيفا” واذا استمر العدوان فإن صواريخ المقاومة ستتجاوز المدى الذي وصلت إليه”.

وعن تهديد الاحتلال بالحرب البرية على غزة، قال: “إن المقاومة تمتلك ما يؤهلها لخوض معركة وجهاً وجه مع العدو، وأن المقاومة لم تستخدم حتى اللحظة من العدوان الا الجزء البسيط من إمكانياتها ولم يظهر على ساحة القتال سوى أبطال الوحدة الصاروخية حتى الآن”.

وسلطت صحيفة “معاريف” على موقعها الالكتروني (14-7-2014)، الضوء على كيفية تعامل حركة “حماس” وجناحها العسكري مع المعركة الدائرة في قطاع غزة، مشيرة إلى أنه وخلافاً لتوقعات الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجيش الإسرائيلي فإن “حماس” أثبتت أن لديها القدرات العالية والنفس الطويل في هذه المواجهة العسكرية.

- حرص المقاومة على عدم إعطاء الإسرائيلي الفرصة للحصول بالسياسة على ما لم يستطع الحصول عليه في الحرب وفي الميدان.

فقد قال النخالة، إن “اتفاق التهدئة عام 2012م أصبح خلفنا فالمقاومة في وضعية أفضل ونحن في مرحلة متقدمة ونقصف كافة المدن الصهيونية”. وأضاف في لقاء مع قناة “الميادين”، “شرط المقاومة الأساسي لوقف ضرباتها والقبول بتهدئة أن ينتهي حصار قطاع غزة”. وأشار النخالة، أن صواريخ المقاومة غيرت المعادلة، “وهي التي سترسم طبيعة الاتفاق القادم”.

- الفشل الإسرائيلي الاستخباري والأمني، ويعود هذا الفشل إلى عدم القدرة على تقدير إمكانيات المقاومة وقدراتها الصاروخية، وإلى يقظة المقاومة وحرصها على السرية التامة في تطوير قدراتها بناء على تجاربها مع الحروب السابقة، فضلًا عن الحملات الأمنية التي نفذتها الداخلية في غزة على مدى السنوات الماضية ضد العملاء من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي “الشاباك” وتوقيف عدد منهم وإعدام آخرين.

وقال مصدر في المقاومة في تصريح صحفي نشره موقع التقرير إن: “الاحتلال لا يمتلك معلومات حول قدرات المقاومة وعتادها العسكري ونوعيته وهذا ما يثير قلقه، ولا يمتلك معلومات حول التكتيكات العسكرية وردات الفعل التي سيتحملها فيما أقدم على حرب مفتوحة على غزة، هذا ما يدفعه إلى استخدام نهج جس النبض واستفزاز المقاومة للكشف عن قدراتها، التي عجز عن تقديرها جهاز “الشاباك”".

وأكد أن “هذا العجز الاستخباري أثار حفيظة قيادات الجيش وظهر ذلك جليًّا من خلال القرارات التي تنبثق عن المجلس العسكري المصغر، فتارة يهدد بالتصعيد وتارة يطالب بالتهدئة دون أن ينتهج نهجًا محددًا في إدارة المعركة والتصعيد على غزة”.

وهنا يتساءل المحللون الإسرائيليون: “ماذا تفعل طائراتنا في سماء غزة، والصواريخ تنطلق من هناك وتسقط فوق روؤسنا”؛ إذ بات أكثر من مليوني إسرائيلي في الملاجئ وأماكن الحماية في القدس وتل أبيب وجنوب “إسرائيل”.

وبحسب القناة الإسرائيلية العاشرة، فإن مسألة وجود مثل هذه الصواريخ في قطاع غزة تُعتبر مفاجِئة لتقديرات الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وقالت: “على ما يبدو فقد تمّ تصنيع الصاروخ في قطاع غزة، واعتبرت ذلك بمثابة إنجاز لحركة حماس”.

أما وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق موشيه أرنس قال: “لا شكّ أنّنا نواجه مشكلة حقيقية مع الصواريخ طويلة الأمد كالتي سقطت في الخضيرة، وهذا جديد لم نعتد عليه في الجولتين السابقتين على غزة”.

- إسرائيل لم تستطع كسر إرادة الشعب الفلسطيني.. فبعد تسعة أعوام من خروج إسرائيل من قطاع غزة جرت أمور كثيرة وطنيًا وإقليميًا.. ويعتبر الدكتور إبراهيم أبراش في مقال له أن “الحرب التي تجري اليوم كما هو الأمر بالحربين السابقتين – 2009 ، 2012-، والتي تبدأها إسرائيل وتستدرج لها فصائل المقاومة، التي لا يكون أمامها إلا الدفاع عن الشعب والأرض، تعبّر عن فشل إسرائيل في كسر إرادة الشعب الفلسطيني ودفعه للاستسلام”.

ويوضح أبراش: ” إن مشاركة فلسطينيي الـ48 في الحراك واعتقال العشرات منهم في خضم حملة القمع الشرسة التي يتعرضون لها ذات دلالاتٍ بعيدة جداً، فهؤلاء لا يمكن أن يكون مطلبهم «دويلة» فلسطينية في حدود الأراضي المحتلة عام 67، كما أنهم الأكثر التحاماً بقطعان المستوطنين في حياتهم اليومية مقارنةً بفلسطينيي الضفة أو غزة، لذا فإن انخراطهم في مشروع انتفاضيّ سيكون أعمق أثراً على الاحتلال واقتصاده واستقراره، من دون أن يعني ذلك أن انتفاضة الضفة بلا أثر، على العكس تماماً، فانتفاض الضفة وحده يمكن أن يحميها من التهويد المتصاعد، ومجرّد إطلاق الصواريخ على مدن الكيان الصهيوني وبلداته يمكن أن يذكر العالم بأنّها محاصرة جواً وبحراً وبراً”.

- الكشف وبشكل واضح وسافر عن الموقف الحقيقي للأنظمة العربية تجاه ما يحصل للشعب الفلسطيني، فبسكوتهم وعدم تحركهم كانوا برأي البعض “رافعة للعدوان على الشعب الفلسطيني”، رغم أن القضية الفلسطينية ليست قضية الشعب الفلسطيني وحده، ولا حتى الشعوب العربية والاسلامية، بل قضية الشعوب الإنسانية الحرة، التي ترفض الظلم العدوان.

ويرى الكاتب العماني محمد الشحري أن “الأنظمة العربية المشغولة بالحرب على الإرهاب، وتأجيج الخلاف الطائفي الشيعي – السني، لن تعيد الأراضي الفلسطينية إلى أهلها، لأن المحتل لم يعد شبرًا واحدًا إلا بالمقاومة المسلحة، وانسحابه من جنوب لبنان وغزة، لم يكن لإرضاء العرب، بل لإيقاف الخسائر البشرية التي يتكبدها يوميًا في صفوف جيشه، الذي روج مقولة “الجيش الذي لا يقهر”، لكن المقاومة اللبنانية وعلى رأسها حزب الله..، أثبتوا بطلان هذه المقولة في حرب 2006، كما فعلت غزة بعد ذلك بسنتين”.

- مقدمات انتفاضة ثالثة: باتت الظروف الموضوعية والذاتية لتفجر انتفاضة أكثر حضوراً، ويرى البعض أن هذه الظروف هي لإحداث تحول في أدوات الانتفاضة الثالثة من وسائل شعبية سلمية “غير عنيفة” إلى انتفاضة “عنيفة”؛ لغياب الأفق السياسي وفقدان الأمل بإنهاء الاحتلال عبر المفاوضات، والاستمرار بالاستيطان واعتداءات المستوطنين على ممتلكات المواطنين وأرزاقهم وترويع الآمنين ومحاولات خطف الصبية، وتدنيس دور العبادة للمسلمين والمسيحيين “المساجد والكنائس”، ناهيك عن محاولات تهويد مدينة القدس، والمس بالمسجد الأقصى وساحاته من خلال الاقتحامات المتكررة من قبل المتشددين اليهود وسياسيين متطرفين.

وكتب المفكر الفلسطيني منير شفيق حول هذا الموضوع أن: “أنوية الحركات الشبابية المبادرة في الضفة الغربية أسّست للانتفاضة الشاملة القادمة طوال المرحلة السابقة لا سيما منذ التظاهرة ضد زيارة موفاز لرام الله، ثم التضامن مع انتفاضة جماهير الـ 48 في إنزال الهزيمة بمخطط “برافر”. ثم أضف مجموعة النشاطات التي مورست ضد الاحتلال والاستيطان وتهويد القدس وتقسيم المسجد الأقصى، ونصرة للأبطال المضربين ضد الاعتقال الإداري. هذه النشاطات التي مارسها الشباب والشابات الشجعان وصلت مستوى أرقى في المواجهة التي خاضتها جماهير الخليل وشعفاط بعد اختطاف الجنود الثلاثة واستشهاد الفتى محمد أبو خضير محروقاً حياً على أيدي عصابات صهيونية. وهنا لا بد من إبراز هبة جماهير الفلسطينيين في قرى مناطق الـ 48 ومدنها ولاسيما في حيفا والناصرة وأم الفحم. وذلك باعتبارها تأكيداً على وحدة الشعب الفلسطيني وأصالة جماهيرنا التي بقيت مغروسة فيها عبر الأجيال بالرغم مما تعرضت له من تنكيل وإبادة وعنصرية وتهويد”.

أخيراً
إن ما حصل في غزة يعني أن المقاومة بحاضنتها الشعبية، التي لم يستطع الاحتلال التفريق بينهما، قادرة على تطوير هذه التجربة، والاستفادة من التجارب السابقة في عدواني 2008 – 2009 و 2012 والعديد من جولات الصراع لتكون عاملاً دافعًا باتجاه المزيد من تحقيق الانجازات الوطنية، ورافعة تقود إلى المزيد من الضغط على العدو الإسرائيلي، وعامل قوة للشعب الفلسطيني لناحية الأداء والتميز والقدرة على الإبداع في تطوير الوسائل القتالية ضد العدو لتحقيق النصر والتحرير. وعسى أن يكون ذلك قريبًا.

* ملاحظة: ما تقدم يغطي فقط فترة العشرة أيام الأولى من حرب "البنيان المرصوص"

انشر عبر
المزيد