التهدئة لا تؤمن حلاً.. كتب: د. محمد السعيد ادريس

31 تموز 2014 - 04:21 - الخميس 31 تموز 2014, 16:21:59

بقدر ما كشفت الساعات القليلة للهدنة المؤقتة للعدوان الإجرامي "الإسرائيلي" مدى فداحة الجرائم التي ارتكبها الصهاينة ضد المدنيين والمباني السكنية والمستشفيات، بقدر ما كشفت عن حقائق أخرى مهمة . أولى هذه الحقائق أن تلك الجرائم الوحشية هي رد فعل مباشر للذعر الذي أصاب قادة العدو وجيشه من الصمود البطولي أمام الغزو البري بعد أن أفشل العدوان الجوي والبحري من تحقيق أهدافه. لم يثبت الفلسطينيون في القطاع قدرة فائقة على الصمود فحسب، بل أثبتوا قدرة فائقة على المواجهة والنزال وقتل وإصابة العشرات من جنود العدو، والوصول بالرعب إلى عمق الجبهة الداخلية "الإسرائيلية" وبالذات تل أبيب ومطار بن غوريون. ثانية هذه الحقائق أن "الإسرائيليين" في حاجة إلى هذه الهدنة لمواجهة خسائرهم وتخدير الرأي العام العالمي من هبته الشجاعة الداعمة للشعب الفلسطيني والرافضة لكل هذه العدوانية الصهيونية، فهم في الكيان في حاجة ماسة إلى التقاط الأنفاس وتقدير الخسائر ومراجعة الحسابات لتحديد الخيارات الأفضل بدلاً من التورط في تهدئة طويلة غير محسوبة، بعد أن صدموا من حقيقة أن العدوان على غزة لم يكن إلا حرباً حقيقية وليست قتالاً من طرف واحد. وقد أرجع المحلل "الإسرائيلي" في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل صعوبة التوصل إلى اتفاق لوقف الحرب إلى "قلة الإنجازات". فبعد ما لا يقل عن 22 يوماً من الحرب "الإسرائيلية" على غزة لم يستطع الجيش "الإسرائيلي" تحقيق انتصار أو حتى إنجاز يبرر به عدوانه، ولم يجد اليمين الحاكم في الكيان "ليكود - إسرائيل بيتنا - البيت اليهودي" بزعامة بنيامين نتنياهو وأفيجدور ليبرمان ونفتالي بينيت ما يمكنهم تقديمه للرأي العام داخل الكيان لتبرير العدوان على غزة .
ثالثة هذه الحقائق أنه رغم القبة الحديدية (الأمريكية - "الإسرائيلية") وما تتضمنه من صواريخ مضادة للصواريخ من طراز "باتريوت" الأمريكي و"أرو" "الإسرائيلي" فإن صواريخ المقاومة طالت أهدافها داخل الكيان، ما يعني أنه ليست هناك حماية مطلقة للكيان، وأنه على الرغم من كل التقدم التقني "الإسرائيلي" عسكرياً، فإن القوات الجوية والبرية لم تستطع التعرف تماماً على مناطق الأنفاق التي تريد تدميرها، ولم تستطع التعرف على مخازن الصواريخ، وهما الهدفان المباشران للعدوان: تدمير الأنفاق على الحدود بين القطاع وفلسطين المحتلة، وتدمير مخازن صواريخ وأسلحة المقاومة، بل إضافة إلى هذا العجز استطاعت المقاومة تنفيذ اقتحام بري ضد قوات العدو في منطقة كرم أبو سالم، كما نجحت في تنفيذ اقتحام بحري على مستوطنة اسدود والعودة بنجاح، بل إن طائرات من دون طيار تابعة للمقاومة استطاعت أن تحلق في سماء الكيان أكثر من ثلاث ساعات من دون علم "الإسرائيليين" .
هذا يعني أن عدم التوصل إلى اتفاق حاسم لوقف الاقتتال وإن كان سببه ما سماه عاموس هرئيل بـ"قلة الإنجازات" وهو مصطلح مراوغ لا يعبر عن واقع الأمر وهو الفشل الذريع والعجز عن تحقيق الأهداف، فإنه يرجع أيضاً إلى سبب آخر ربما يكون أكثر أهمية وهو أنه مع كل يوم يمر على العدوان تزداد المقاومة قوة ومصداقية، ويكتسب خيار المقاومة مكانة عالية بين كل الخيارات الأخرى "الرخوة". فالمقاومة تدرك فداحة الخسائر في الأرواح والممتلكات لكنها تدرك أيضاً حجم الإنجاز وأنها تكسب الرهان على خيار المقاومة، كما تدرك أنها بصمودها لن تستعيد مكانة خيار المقاومة فقط ولكنها ستعري كل أنصار خيارات الاستسلام وتكشف فضائحهم أمام شعوبهم بإثباتها بالدليل القاطع أن هذا العدد المحدود من أبناء الشعب الفلسطيني الذين يملكون القليل والنادر من الزاد والعتاد لم يستطع الصمود فقط أمام آلة عسكرية هي الأقوى في المنطقة، بل استطاع أن يهزم هذا العدو بمنعه من تحقيق أهم أهدافه وهو كسر الإرادة الوطنية، إرادة تحرير فلسطين من الاحتلال.
رابعة هذه الحقائق أن الأطراف الدولية والإقليمية التي استطاعت أن تتوصل إلى هدنة التهدئة ليس بمقدورها أن تصل إلى هدنة دائمة لا ترضى عنها "إسرائيل"، فأطراف اجتماع باريس الذي عقد يوم السبت الماضي (26 يوليو/تموز الجاري) وضم وزراء خارجية فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى وزيري خارجية تركيا وقطر، تنطلق جميعها بلا استثناء من محورية أمن "إسرائيل"، وأن قطر وتركيا تدركان تماماً ضرورة تغليب الواقعية السياسية.
وانطلاقاً من هذه الواقعية يسلم أطراف مؤتمر باريس بحق ""إسرائيل" في الدفاع عن النفس، وقد حدد ثلاثة من كبار المفكرين الاستراتيجيين في الكيان هم عاموس يادلين وشلومو بروم وأودي ديكل، الأهداف "الإسرائيلية" من العدوان التي تتطابق مع هذه الواقعية السياسية، وهي معالجة "الأنفاق الهجومية" التي حفرتها "حماس" على حدود القطاع مع "إسرائيل"، إما عن طريق التمكّن من التدمير الكامل لهذه الأنفاق أو باحتلال شريط من الأرض بعمق ثلاث كيلومترات داخل غزة يكون بمثابة "جدار أمني فاصل" لحماية "إسرائيل" وإبطال مفعول الأنفاق. أما الهدف الثاني فهو نزع سلاح المقاومة أو تدمير هذه الأسلحة، مقابل تأمين حياة أكثر طبيعية في قطاع غزة مثل "الفتح الأكثر انتظاماً للمعابر إلى غزة وغيره من التسهيلات في مجال الصيد وإدخال البضائع، وذلك مقابل تحويل غزة إلى "منطقة مهادنة" وإنهاء كل ما له علاقة بالمقاومة وخيار المقاومة، ما يعني أن الهدنة الدائمة تريد أن تنهي وضع غزة الاستثنائي كشوكة في ظهر الكيان، وكرصيد ومخزون قوي لتثوير الشعب الفلسطيني في الضفة وفي الشتات ونزع كل غبار ورماد التسوية المزيفة عنها، ووضعه دائماً أمام خياره الاستراتيجي الذي لا تراجع عنه وهو أنه لا خيار بديلاً لعودة فلسطين، وأن المقاومة هي الحل.
هذه هي القضية المحورية الآن، وما تضمنته مقترحات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة تعمل في الاتجاه المعاكس تماماً، فهي تركز بالتحديد على "إخلاء غزة من السلاح، مقابل إنهاء حصار القطاع وإعماره" .
عيونهم على الضفة دائماً، وهم يتصورون أن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية والقدس قد تم تدجينه تماماً، وأنه أضحى صاحب مصلحة في التسوية، أو بالأحرى استمرار ما يسمى مجازاً بـ"عملية التسوية"، أي وهم أن هناك تسوية تستلزم التهدئة في حين أن الطرف الآخر يواصل مخططي الاستيطان والتهويد وتفريغ ما يعرف بـ"حل الدولتين" من مضمونه تماماً، ويهيئ كل الظروف لفرض حل "دولة واحدة لشعب واحد". أي أن فلسطين كلها للشعب اليهودي وحده دون غيره.
صمود غزة البطولي أكد أنهم واهمون، جميعهم واهمون، وهبّة الشعب الفلسطيني في الضفة واندلاع المواجهات مع قوات الأمن "الإسرائيلية" على مدى الأيام الماضية، ما أدى إلى سقوط تسعة شهداء حتى يوم السبت الماضي، تؤكد أنهم واهمون.
فما يمكن تسميته بالأزمة الراهنة لم يبدأ من غزة لكنه بدأ من الضفة الغربية والقدس قبل أسبوعين على الأقل من العدوان "الإسرائيلي" على غزة، بل إن هذا العدوان الراهن على غزة، وتفادي التصعيد "الإسرائيلي" في الضفة كان هدفهما الاحتواء الاحترازي الاستباقي لانتفاضة ثالثة كامنة في ضمير كل أهالي الضفة، سوف ترويها حتماً شلالات الدماء السائلة والنازفة في غزة، وتحرسها أرواح أكثر من ألف شهيد سقطوا إيماناً منهم بأن فلسطين لن تموت، وأن حلول التهدئة والتسوية فاشلة وساقطة، لأن قانون المواجهة والصراع حدده "الإسرائيليون" كما سبق أن حددناه نحن: الصراع حول الوجود ولن يكون أبداً من أجل حدود.

المصدر: الخليج

 

انشر عبر
المزيد