المقاومة الفلسطينية تحسم الموقف.... في فرنسا أيضا.. كتبت: راغدة عسيران

27 تموز 2014 - 10:22 - الأحد 27 تموز 2014, 10:22:58

القدس للأنباء

للمرة الثانية، يصدر أمر منع مظاهرة مؤيدة للشعب الفلسطيني ومقاومته في العاصمة الفرنسية. لقد وافقت السلطات الفرنسية على عدة مظاهرات تأييدا للشعب الفلسطيني، تندد بالمجازر الصهيونية وتدعو الى "السلام"، في كافة المدن وحتى في باريس، ولكنها ترفض وتصر عل رفضها لأي مظاهرة يدعو اليها، وبشكل مسستقل، الشباب العربي والإسلامي الملتف حول الاتحاد العام لطلبة فلسطين وحركة الشبيية الفلسطينية وجمعيات عربية أخرى. والسبب الذي تتحجج به السلطات الفرنسية ورئيس الحكومة المعروف بمواقفه المؤيدة للصهاينة والمعادية للمسلمين هو أن المظاهرات التي تدعو اليها هذه الجمعيات ستكون عارمة ولا تستطيع قوات الشرطة منع التجاوزات فيها، غير أن السبب الحقيقي الذي بدأ يظهر بكل تجلياته هو منع التعبير المستقل للعرب والمسلمين في فرنسا، أي منع دعم المقاومة في غزة بشكل صريح وواضح.
لقد شارك هؤلاء العرب والمسلمين في المظاهرات الأخرى لأنهم يدعمون فلسطين أولا وأخيرا، وفي تلك المظاهرات التي عمت فرنسا، شكلوا أحيانا الأكثرية من المتظاهرين ولكنهم ساروا بين يافطات تطالب ب"وقف إطلاق النار من الجانبين" أو المطالبة بمقاطعة دولة العدو. غير أنه منذ إنتفاضة الأقصى ثم عدوان 2008-2009 على قطاع غزة، استيقظ الشباب العربي والمسلم من جديد على القضية الفلسطينية وشعروا أنها قضيتهم ويجب عليهم الدفاع عنها ودعمها في مواجهة السلطات الفرنسية والمؤسسات الصهيونية في فرنسا، ولم تعد تمثلهم شعارات "السلام" المزيف أو دعم "المقاومة السلمية" التي ترفعها جمعيات أخرى. منذ ذلك الوقت، بدأت معركة خفية وملتوية في البداية ثم توضحت أكثر فأكثر بين الدولة الفرنسية من جهة ومعظم مؤسساتها، الأمنية والتعليمية ولإعلامية والإقتصادية والترفيهية، وبين بعض مواطنيها المسلمين ومن أصل عربي، الذين يعبرون بشكل مستقل عن طموحاتم بشأن حياتهم في فرنسا أو بشأن السياسة الفرنسية المنحازة كليا الى جانب المعتدي الصهيوني. لقد شنّت الدولة ومؤسساتها الحرب على هولاء الشباب بتهمة "المعاداة للسامية" وفتحت لهم صفوف خاصة في مدارسها لتلقينهم "تاريخ المحرقة اليهودية" في الوقت الذي كانت تمنع المسلمات من إرتداء الحجاب في المدارس وتحاول ربط أئمة بعض المساجد بسياستها الصهيونية تحت ستار العلمانية.
تأتي خصوصية فرنسا بالنسبة الى الدول الأوروبية أنها تضم أكبر جاليات اليهود في أوروبا، بعد الولايات المتحدة ودولة العدو، من جهة وأنها كدولة استعمارية ما زالت تمجد وتفتخر بتاريخها الإستعماري، تضم أكبر الجاليات العربية في أوروبا، وخاصة من أبناء الجزائر وتونس والمغرب كما تضم جاليات إفريقية مسلمة تشارك الجاليات العربية مشاكلها الحياتية اليومية. ولكن لم يكن تواجد هذه الجاليات يشكل مشكلة في دولة تدعي إحترامها ل"حقوق الإنسان" والحريات لولا إرتباطها العضوي بالمؤسسات الصهيونية المختلفة من ناحية ولولا نظرتها الإستعلائية والعنصرية من ناحية أخرى، ليس فقط كحليفة للصهيونية بل أيضا كدولة استعمارية، ضد الجاليات العربية والمسلمة التي حصلت أعداد كبيرة منها على المواطنة الفرنسية.
لم تعد فرنسا شريكة دولة العدو في عدوانه المستمر على الشعب الفلسطيني من ناحية سياستها الخارجية فقط، بل أصبحت شريكة المؤسسات الصهيونية في سياستها الداخلية ايضا، ولا سيما بعد استلام الحزب الإشتراكي للحكم منذ بضعة سنوات. في فرنسا المعادية للعرب والمسلمين، تحمي قوات الأمن إحتفالات التبرع لجيش العدو وتقمع المظاهرات التي ينظمها المحتجون، كما أنها تدعم وتقوم بتدريبات مشتركة مع "رابطة الدفاع اليهودي" وهي منظمة تحظر الولايات المتحدة تواجدها على أراضيها لأنها تعتبرها إرهابية، ولكنها موجودة في فرنسا بشكل رسمي، وهي التي شنّت الهجوم على المتظاهرين العرب قبل أسبوعين وافتعلت الشغب. فلذلك بدأت الأصوات تعلو في الجاليات العربية وفي بعض الأحزاب (الحزب الشيوعي مثلا) للمطالبة بحل هذه الرابطة. ويطالب العرب والمسلمون أيضا بفك الإرتباط بين "الهيئة الممثلة للمنظمات اليهودية في فرنسا" وهي أكبر منظمة صهيونية تعمل في أوروبا، وبين مؤسسات الدولة، اذ تبيّن منذ سنوات أن هذه الهيئة الصهيونية تساهم بشكل ملحوظ في رسم السياسة الفرنسية، الخارجية والداخلية.
لقد صرح جيش العدو، خلال عدوانه الهمجي الأخير على غزة، عن وفاة أحد المجندين الفرنسيين في صفوفه، وذلك يعيدنا الى المجند شاليط، المواطن الفرنسي الإسرائيلي الذي كان يقصف غزة وتم خطفه من قبل المقاومة. ولكن الفضيحة الكبرى التي تتناولها المواقع الإلكترونية وبعض الصحف (بخجل) هو وجود ما يقارب 800 فرنسي يهودي في الوقت الحاضر انتموا الى جيش العدو ويشاركون في قتل الفلسطينيين في غزة، إضافة الى المستوطنين الآخرين الذين يلبوا دعوة الهجرة الى الكيان. هؤلاء الفرنسيين تم تجنيدهم لعطلة الصيف وتم أرسال البعض منهم الى الجبهات القتالية، بدعم مالي من قبل مؤسسة فرنسية تعني بالشؤون العائلية، وهي مؤسسة إجتماعية رسمية تساعد الفرنسيين على تسديد تكاليف عطلتهم. رغم أن الموضوع ليس جديدا وتم كشفه خلال صيف 2006 حين عاد بعض المجندين الفرنسيين اليهود من الحرب على لبنان والمقاومة ورووا مشاركتهم فيها، ولكن تزامن الإعلان عنه مع منع السلطات الفرنسية  للمظاهرات المؤيدة للمقاومة، ما أجج غضب العرب والمسلمين في فرنسا، الذين يكتشفون يوما بعد يوم انحياز بل مشاركة "دولتهم" و"رئيسهم" بالعدوان الهمجي على الفلسطينيين.
وأثار غضب العرب والمسلمين أيضا الدعوة الى الإفطار الذي وجهها إمام مسجد ايفري في ضاحية باريسية الى رئيس الوزراء الفرنسي الصهيوني والمعادي للإسلام، منويل فالس، وهو الذي منع المظاهرات المؤيدة للمقاومة، إضافة الى أن سجله يحمل العديد من أقوال عنصرية ومعادية للإسلام حتى قبل توليه هذا المنصب، ومنها طلبه من مصوّر أن يلتقط له صورة بين "البيض" خلال زيارة انتخابية قام بها لأحياء شعبية. وقبل دخول الوزير الى الجامع للإفطار، استقبله المسلمون الذين جاؤوا خصوصا، بالهتافات المؤيدة للشعب الفلسطيني، ما أسفر عن رشهم بالقنابل المسيلة للدموع من قبل الشرطة الفرنسية. تدل كل هذه التصرفات الفرنسية الرسمية على توتر واضح للسلطات التي لم تعد تستطيع لا إخفاء مشاركتها العدوان على غزة ولا لجم غضب المسلمين والعرب ولا منع الجاليات العربية والإسلامية من التعبير عن إنتماءهم ووقوفهم الى جانب المقاومة الفلسطينية.
لم يعد المسلمون والعرب في فرنسا ينتظرون المثقفين والمراسلين والصحافيين العرب الذين يقضون وقتهم في الأروقة الديبلوماسية والسياسية الفرنسية لتزويدهم بالأخبار والتحليلات الصادرة عن الدول العربية، فأصبح لهم قنواتهم التواصلية الخاصة، يتابعون الأخبار الفلسطينية وأخبار المقاومة، ويترجمون ما يهمهم ويفيدهم لشحن الهمم، وكان في المقابلة مع الدكتور رمضان عبد الله الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين على قناة "الميادين" مقاطع تم تداولها وتوزيعها، وخاصة التي تتكلم عن الجيل الصاعد الذي لا يعرف الهزيمة والإنكسار وأنه هو الذي سيحرر فلسطين. ويعتقد الشباب العربي والمسلم في فرنسا أنه ينتمي الى هذا الجيل وأن فلسطين هي التي ستحدد هويتهم ومستقبلهم، وأنها ستؤمن لهم الكرامة أينما كانوا. ولهذا السبب، قرروا تحدي المنع والنزول الى الشارع.




 

 

انشر عبر
المزيد