كم احن الى غزة.. عساف : لن أنسى من أين جئت

14 أيار 2014 - 03:28 - الأربعاء 14 أيار 2014, 15:28:05

محمد عساف والقضايا الشخصية
أنا إنسان بسيط وجئت من معاناة هذا الشعب. ولدت في المخيم وفتحت عيوني وتربيت فيه. أنتمي إليه وأفتخر به. النجومية تضع قيودا على الإنسان وتبعده أحيانا عن البيئة التي تربى فيها وكـوّن فيها أولى صداقاته في الشارع والمدرسة والجامعة.
كم أحن إلى تلك الأيام الجميلة والبسيطة. كم أحن إلى أن أسير في الشارع وحدي وأجلس في مطعم بسيط في خانيونس أتناول الفلافل والحمص ولا أحد يقطع عليّ خلوتي ولا كاميرات تلاحقني ولا زحام حولي.
هذا لا يعني أنني لا أستمتع بالنجاح الذي حققته بل إن جزءا كبيرا من هذا النجاح يعود فيه الفضل للمعجبين والمؤيدين لي من كافة أبناء الوطن العربي من محيطه إلى خليجه وخاصة أبناء شعبي الفلسطيني لكنني من شدة الضغط أهرب في خيالي أحيانا لأتخيل نفسي أسير حافي القدمين على شاطئ غزة مع صديق أو صديقين لا أحد يلتفت إلينا، نمارس حياتنا البسيطة دون تعقيد أو جدول حفلات صارم أو رحلة طيران تتأخر أو جمهور يزحف نحو المسرح لالتقاط صور تذكارية وتوقيعات.
صدقني لن أنسى من أين جئت وإلى أي الفئات أنتمي. تأكد أنني طبيعي في تصرفي وهذا التواضع الذي تسألني عنه وقلت إنه يزين الفن ويزيد الفنان ألقا لن أتخلى عنه لأنه ليس مصطنعا ولا متكلفا ولا غريبا عني. وكيف أتعالى عن أحبتي وأنصاري والمعجبين بي وهم سر نجاحي. لا أبدا لن أتغير وأريدك أن تطمئن كل الناس من خلال جريدتكم المحترمة.

محمد عساف والقضايا الفنية
هذه جولتي الثانية في الولايات المتحدة وكندا. وأود أن أؤكد لك وللقراء أن النجاح الباهر كان حليف الجولتين. وقد شاهدت بأم عينك حفلة الليلة وكم كان تفاعل الجمهور عاليا. في الجولة الأولى كان عدد الحفلات أكثر وكان الناس متشوقين لرؤية عساف وسماعه مباشرة بعد الفوز باللقب لذلك كان الاندفاع عاليا لدرجة تصل إلى عدم السيطرة على الجمهور وخاصة في النهاية.

لكنني إستمتعت بالجولة وحصلت على عدة تكريمات في أكثر من مدينة بما فيها المدينة التي التقينا فيها في نيوجرزي وألقيت فيها الكلمة الرئيسية وقام مسؤول الشرطة في المدينة بتقيم هدية رمزية لي. وكما كان النجاح سمة الجولتين أؤكد لك أن كل الحفلات التي قدمتها كانت ناجحة سواء في فلسطين أو في الوطن العربي أو في أوروبا وأمريكا وحتى في تشيلي.
قد أضطر في المستقبل القريب أن أخفف من عدد الجولات الخارجية لأركز أكثرعلى إنتاج أغان جديدة بعد الانتهاء من ألبومي الأول الذي سيصدر قريبا. لدي مشاريع كثيرة وطموحة وسأغني بأكثر من لهجة عربية من الخليج ومصر وبلاد الشام والعراق وشمال أفريقيا. لكنني معني أيضا بتقديم التراث الفلسطيني الغني جدا للشعب العربي بعد وضع لمسات من الحداثة والتطوير. أنت تعرف أن أغنية ‘يا حلالي يا مالي’ هي أغنية تراثية بامتياز يتداولها الناس في فلسطين من شمالها إلى جنوبها وخاصة في الأفراح لكن بعد أن غنيتها وتم إطلاقها في 10 نيسان/أبريل الماضي حققت نجاحا كبيرا وأصبح التراث الفلسطيني على كل شفة ولسان في العالم العربي. إذن وأنا أغني لكل العرب وبلهجاتهم أريد أن يستمع العرب لمعاناة شعبنا من خلال تراثه الغني والمتنوع والذي يعبر بصدق عن حجم المعاناة التي يعشها جيل وراء جيل وراء جيل.

هناك بعض الدول العربية لم أزرها إلى الآن إما لظروفها هي أو لتعارض زيارتها مع جدول أعمالي ولكني أود أن أؤكد للمعجبين في كافة الدول العربية التي لم أقدم فيها حفلات بأنني أتمنى أن يكون لقاؤنا بكم قريبا وخاصة مصر والجزائر وأنا أعرف كم هناك من المعجبين في كل بلد عربي وأتمنى أن تتاح لي الفرصة أن ألتقي بكم يا أهلنا وأحبتنا في كل بلاد العرب لنؤكد من جديد ضرورة التقارب والتضامن كما جاء في أغنية الفوز: ‘يا شعوب الضاد لازم بالوجع تتوحدي’.
لدي مشاريع فنية كبيرة وينتظرني عمل شاق وأنا مصصم على السير في الطريق الصعب وشقه بعرق الجبين والاجتهاد كما شققت طريقي إلى مسابقة أرب آيدول بالمثابرة والتصميم والجد. والجمهور سيظل هو الحكم فلا نجاح لفنان بدون جمهور خاصة وأن التواصل بين الفنان وجماهيره أصبح مباشرا بسبب وسائل التواصل الاجتماعي. فنحن الآن نستطيع أن نعرف كم إنسانا شاهد الأغنية وكم متابعا للفنان على الفيس بوك وتويتر وهكذا.

محمد عساف والقضايا الوطنية
كما قلت حضرتك في مقالك الأول عني تفرقنا السياسة ويوحدنا الفن (نشر في القدس العربي بتاريخ 23/5/2013)، فالفن يصل إلى كل الناس ويدخل القلوب بلا إستئذان ويعكس صورة حضارية للشعوب. الفنان يتجاوز الفئوية والعصبية والطائفية ليصبح قاسما مشتركا بين الناس جميعهم بغض النظر عن انتماءاتهم وثقافاتهم وخلفياتهم. ونحن كفلسطينيين ما أحوجنا إلى فن راق يعكس الهم الفلسطيني بالأغنية واللوحة الفنية والقصيدة والقطعة الموسيقية كما فعل ذلك محمود درويش وناجي العلي وغسان كنفاني وإسماعيل شموط وسليمان منصور. أنا أفتخر بانتمائي لهذا الشعب المناضل والموحد في همه وطموحه وتطلعاته. وأريد أن أؤكد لقراء القدس العربي أن من أكثر اللقاءات التي هزت مشاعري حفلاتي في فلسطين مثل رام الله وأريحا وبيت لحم وجنين. لكن حفلتي بالناصرة يوم 25 نيسان/أبريل الماضي لها معزة خاصة في قلبي. شعرت براحة لا مثيل لها. كنت أحلق بالأغنية وكأنني طائر يفرد جناحيه حول الوطن. شعرت من كل قلبي بوحدة الشعب الفلسطيني أينما كان وحيثما حل لا تفرقه الحواجز ولا الحدود ولا المنافي.

وأود أن أشير إلى أن بعض الصحف أشارت إلى أن الحفلة نوع من التطبيع وأقول لهؤلاء لا يكون التطبيع عندما يلتقي أبناء الوطن الواحد فنحن ولدنا تحت الاحتلال ولا يمكن أن يتحرك أحد دون إذن من سطات الاحتلال لكننا لم نطبع ولم نستسلم. وأتمنى على القراء أن يراجعوا كمية التحريض التي أطلقها غلاة المتطرفين الإسرائيليين لمنع قيام الحفلة بالناصرة بحجة أنها تشجع العرب على التطرف كما قالت جماعة ‘إم ترتسو’ اليمينية في بيان شديد طالبت فيه وزير الداخلية بإلغاء الحفل وتشديد الرقابة على ميزانية الناصرة، بل قامت المنظمة بترجمة أغنية ‘يا طير طاير’ باعتبار أن الأغنية تعدد المدن الفلسطينية بما فيها تلك التي تعتبر الآن جزءا من إسرائيل.
المصالحة الفلسطينية ضرورة ومهمة خاصة في هذا الوقت بالذات والقضية الوطنية مستهدفة. لقد أساء الانقسام لشعبنا وقضيته الوطنية ولا نريد أن نعود لتلك الحالة الشاذة في تاريحنا. ثم لماذا ننقسم وهل معروض علينا شيء نختلف عليه؟ نحن نريد للشعب أن يتوحد حول برنامج وطني متفق عليه وأتمنى لهذه المصالحة أن تصمد وأن تتحول إلى وحدة حقيقية ترأب الصدع وتضمد الجرح وتقوي العزيمة وتولد مزيدا من الاحترام للقضية الوطنية ومزيدا من التضامن العربي والدولي مع قضيتنا المقدسة.

إن تكريمي بمنحي منصب ‘سفير مساعي حميدة’ لوكالة إغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) لشرف عظيم لي ويمنحني فرصة لرد الجميل ولو بشيء يسير للشعب الفلسطيني وخاصة اللاجئين منهم الذين شردوا من وطنهم بغير حق. أتمنى أن أستطيع تقديم المزيد لشعبنا الذي يعاني من قسوة الاحتلال وأود أن أوجه التحية لأسرانا البواسل الذين يسطرون صفحات من النضال بأمعائهم الخاوية.
نعم أنا أقرأ درويش كثيرا وأتعلم منه. فشعره يرتقي بالذوق ويهذب اللغة ويوسع المدارك. وأقرأ لمعين بسيسو وأبو سلمى ونزار قباني والشعراء العرب. المشكلة عندي في قلة الوقت. لكن بين الحين والآخر أجد شيئا من وقت في رحلة على متن طائرة للاستمتاع بما جادت به موهبة درويش.

إنني أعد الشعب العربي الفلسطيني أن أبقى حاملا للهم الفلسطيني لأنه همّي أنا، وهمّ أهلي، وهمّ أصدقائي وهمّ الفلسطينيين جميعا بغض النظر عن انتماءاتهم. ولا فائدة من الفن إذا حصر موضوعه في العشق والغرام وتعالى عن هموم الناس ومعاناتهم وآلامهم وآمالهم.
وأخيرا تحية لصحيفة ‘القدس العربي’، التي تحمل أيضا الهم الفلسطيني بامتياز وظلت مخلصة للقضية الفلسطينية والقضايا العربية جميعها. وتحية من خلال صحيفتكم لجمهوري العريض في الوطن العربي وفي كل أماكن وتجمعات أبناء العروبة خارج الوطن.
هذا الجمهور العريض والمخلص الذي منحني كل هذا الحب وهذا التأييد وأتمنى أن يمنحني الله القدرة على أن أظل مصدرا لثقتهم وجديرا بحبهم. كما أود أن أشكرك شخصيا على ما كتبته بحقي من مقالات وأشكر لك حضورك هذه الليلة من نيوجرزي خصيصا للقائي في فرجينيا والسلام. 

انشر عبر
المزيد