الاستخبارات "الإسرائيلية" في عصر الفضائيات والإنترنت/ حلمي موسى

06 أيار 2014 - 09:23 - الثلاثاء 06 أيار 2014, 09:23:13

خلافا للانطباعات التي سادت مؤخرا، وفي ظل تعاظم تقنيات التجسس الالكتروني، فإن الاستخبارات "الإسرائيلية" لا تزال تستمد القسم الأكبر من معلوماتها من مصادر علنية. هذا على الأقل ما يؤكده المعلق العسكري لـ"يديعوت أحرنوت" أليكس فيشمان في مقالة نشرها في ملحق "عيد الفصح". ولكن هذا التأكيد ينطلق أيضا من تنامي مصادر المعلومات العلنية التي تستفيد منها إسرائيل، وخصوصا من الشبكات الاجتماعية على الانترنت.
ويشرح المراسل العسكري لـ"يديعوت أحرونوت" أليكس فيشمان أنه بسبب تغيير المقاربة صارت شعبة الاستخبارات العسكرية تهتم بالسلوك السياسي للجمهور العربي، وأيضا ولكن بشكل أقل، بمواضيع اجتماعية كمكانة المرأة العربية مثلا. وقد نالت جائزة رئيس الشعبة هذا العام الوحدة التي أفلحت في توقع فوز الرئيس الإيراني حسن روحاني في الانتخابات خلافا لأجهزة استخبارات أخرى تنبأت بأن إيران مقبلة على ربيع موصية بتشجيع تدخل خارجي. واستندت خلاصة شعبة الاستخبارات على جمع معلومات عن المجتمع الإيراني وتحليلها عبر محاولة لفهم سجالات الشارع الإيراني والتركيز على هموم المواطن البسيط. ورأت أن المواطن الإيراني كان يخجل بقيادته السابقة. وقد أظهرت الأبحاث العلنية أن الإيرانيين لا يرغبون في الظهور في العالم ككوريا الشمالية، وهم يرون أنفسهم قوة عظمى ذات عمق ثقافي مختلف. وهذا هو حالهم اليوم حين ما يسمح المرشد الأعلى السيد علي خامنئي لزعماء الدولة السياسيين بإجراء حوار مع "الشيطان الأكبر" الأميركي وبالتالي مغازلة الجمهور.
وهكذا، فإنّ تقدير شعبة الاستخبارات قاد إلى التقدير بأنّ التغيير الذي تنطوي عليه الانتخابات ليس شكليا وأن هناك فرصة للخروج إلى طريق جديد. وأشار فيشمان إلى أن هذا التقدير ربما هو ما حال دون الإقدام على خطوات إشكالية عدة غير موزونة من جانب القيادة الإسرائيلية.
في كل حال، قادت التغييرات في سلوك الجمهور العربي إلى تغييرات تنظيمية في شعبة الاستخبارات العسكرية. وتحوي كل حلبة استخبارات، سواء أكانت الإيرانية أم المصرية أم الفلسطينية أم الإقليمية، خلايا ودوائر تعمل في ما يسمى بـ"الاستخبارات الجماهيرية". وكل خلية تعمل مع جمهورها المستهدف. وقبل سنة ونصف أنشئ داخل وحدة الأبحاث مركز لدراسة سلوك الجمهور. وترأس المركز دكتورة في علم الاجتماع هي الرائد ميطال التي عملت في السابق باحثة رأي عام في قسم علم السلوك. ووظيفتها، ووظيفة المركز، هي توجيه رجال الاستخبارات عند تحليل استطلاعات الرأي والميول في الشبكات الاجتماعية، وأيضا في طرق قراءة السجالات العامة.
كذلك أنشئ في وحدة سلوك الجمهور التابعة للوحدة المركزية لجمع المعلومات الاستخباراتية المعروفة باسم "8200" مركز يسمى "سينغ" وهو مركز لجمع المعلومات وإجراء الأبحاث. ويضم هذا المركز عشرات الباحثين الذين يرصدون ويحللون المعلومات العلنية في العالم العربي. ويسعى ضباط "الوحدة 8200" للحصول على معلومات حول مزاج الجماعات المؤثرة مثلا في مدينة صيدا اللبنانية وأثر ذلك على مكانة "حزب الله" في لبنان. وقد يتطلب الأمر لتحقيق هذه الغاية استخدام أساليب قديمة مثل وسائل الاستخبارات السرية.
ويرأس وحدة سلوك الجمهور الرائد موشي، وهو دكتور في تاريخ الشرق الأوسط ترعرع في الاستخبارات. وللإطلاع على حجم المواد التي ترصدها الوحدة ينبغي الأخذ بالحسبان أن في مصر وحدها ازدادت مواقع الانترنت بعد سقوط الرئيس حسني مبارك والرئيس محمد مرسي بنسبة كبيرة وأن هناك 55 صحيفة ممأسسة، وآلاف الصحف المستقلة والمحلية، و53 قناة تلفزيونية ممأسسة، و15 فضائية وعشرات محطات الإذاعة. كل ذلك على أكتاف حلقة واحدة تعنى بالحلبة المصرية.
ويشرح الرائد موشي واقع أنّ إسرائيل لا تملك كرة بلورية لقراءة المستقبل. ويوضح أنّ "السياسة العربية حاليا باتت حقا سياسة جديدة، وصار مستحيلا رؤية سوريا فقط عبر عيون عائلة الأسد، أو مصر عبر عيون مبارك و(وزير الدفاع السابق عبد الفتاح) السيسي. فالقادة العرب يتعاملون مع واقع مختلف، ومراكز القوة باتت متفرقة، والنتيجة هي أنني صرت اليوم أكثر قدرة على وصف الأحداث في العالم العربي".
شبكة اجتماعية بدوية
يقتبس فيشمان عن الاستخبارات المركزية الأميركية وجود 1200 جماعة مسلحة في سوريا حاليا. ليست جميعها موضع اهتمام الاستخبارات الإسرائيلية، التي تتابع بعضها. ومن هذه المتابعة علمت بأن تنظيم "القاعدة" يحاول التجسير بين "داعش" و"جبهة النصرة" وأن شيخا هاما أرسل للوساطة بينهما قتل وهو عند جماعة ثالثة. ومنذ ذلك الحين نشب صراع دموي بين تنظيمين لأنصارهما وجود قرب هضبة الجولان الأمر الذي يزيد احتمال اشتعال الصدامات على الحدود مع إسرائيل. ولذلك فإن الاستخبارات الإسرائيلية ترصد هذه المسائل ولا تكتفي فقط برصد الصراع بين الرئيس بشار الأسد ومعارضيه.
وفي المقابل، وضمن رصد ما يجري في الحلبة المصرية هناك اهتمام بمزاج البدو في سيناء وذلك عبر رصد نشاطاتهم على الشبكات الاجتماعية. ففي سيناء لم تعد المسألة جمالا وحميرا وإنما توجد أيضا شبكات متطورة، خلوية وحاسوبية. وهناك كميات هائلة من المعلومات تتدفق فيها والمهم هو ما يصل إلى طاولات التحليل والخبرة التي تتراكم.
وللمقارنة، حتى الثمانينات من القرن الماضي كان ألبرت سوداي الأسطوري هو المكلف وحده بتحليل المزاج السياسي في مصر. وسوداي كان خبيرا في شؤون محمد حسنين هيكل وكان يحلل للاستخبارات كل مقالة يكتبها. وكان الاعتقاد أن ما يكتبه هيكل هو ما يفكر به الرئيس جمال عبد الناصر. وكذا الحال في الحلبة العراقية حيث كان إيلان كوهين يرصد أبواق النظام العراقي. والاستخبارات الإسرائيلية لم تتخل عن هذا الأسلوب لكن صار الرصد لمجموعة أكبر من الكتاب والمعلقين.
لقد أجبرت الانتفاضة الأولى في فلسطين إسرائيل على البدء برصد مزاج الشارع العربي حين ما تبين أن موقف النقابات واتحادات الطلبة يعبر عن موقف الفصائل. وكان "الشاباك" حينها هو الجهاز الذي يحوي وحدة صغيرة لدراسة المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية وفي قطاع غزة واليوم صارت دائرة كاملة. ويحاول الباحثون في هذه الوحدة وضع الإصبع على نبض الشارع ولذلك يخلصون منذ العام 2012 وحتى الآن إلى عدم وجود خطر نشوب انتفاضة ثالثة.
وفضلا عما سبق صارت الاستخبارات الإسرائيلية شديدة الاهتمام بالسيرورات الاقتصادية للمجتمعات والمنظمات العربية والإيرانية. وكانت خلاصة ندوة عقدتها الاستخبارات قبل عامين أنه من أجل فهم أثر الاقتصاد على السياسة من المهم دراسة "اقتصاد الظل" في العالم العربي، مثل اقتصاد "حزب الله" في لبنان واقتصاد الحرس الثوري في إيران والجيش في مصر. وبعد تشكيل وحدة خاصة بهذا الشأن ازدادت كمية الأبحاث المتعلقة بالشركات العربية أربعة أضعاف، بل أن أحد هذه الأبحاث توقع إطاحة الجيش المصري بحكم الرئيس محمد مرسي قبل شهور من حدوث ذلك. وركزت أبحاث أخرى على الطبقة الوسطى في الشرق الأوسط وموقف المجتمع الإيراني من الاتفاقيات مع الغرب.
ويخلص فيشمان إلى أنه وبرغم كل ما سبق فإن منظومة الاستخبارات الجماهيرية لا تزال تحبو ولم تشكل لنفسها في إسرائيل عقيدة قتالية واضحة. الأمر الوحيد المؤكد هو أن تقدير الموقف الذي لا يستند إلى تحليل للمعلومات العلنية يبقى جزئيا بل وخاطئا.
المصدر: السفير
 

انشر عبر
المزيد