تدريس العبرية في غزة.. بين التعرّف والتعارف!.. كتبت: راغدة عسيران

29 نيسان 2014 - 05:02 - الثلاثاء 29 نيسان 2014, 17:02:15

لم يثر قرار حكومة غزة تدريس اللغة العبرية قبل عامين في بعض الصفوف من المرحلة الأساسية استنكارا من ناشطي "مناهضة التطبيع". في ذلك الوقت جرى إقرار المادة على أنها اختيارية ينتقيها التلميذ من بين مواد أو لغات أخرى، على أن تعمّم التجربة على باقي المدارس فيما بعد.
علّلت الحكومة قرارها بالقول إن قطاع غزة بحاجة إلى معرفة ما يفكّر فيه العدو ويخطّط له، وجاء على لسان الوكيل المساعد في وزارة التربية والتعليم زياد ثابت: "ما زلنا تحت احتلال يتحدث العبرية وتصلنا بعض منتجاته المكتوب عليها بلغته لذلك معرفتها مفيدة".
هذه التجربة بدأت عام 2012 في 14 مدرسة موزّعة على مناطق القطاع، والآن يجري توسيعها ضمن قرار وزاري على عاتق "التربية والتعليم" التي أعدّت مناهج مختلفة تناسب عمر الطلاب.
على المنوال نفسه، قال وكيل الوزارة أبو شقير في تصريحات صحافية إن قرارهم جاء تلبية لرغبات الطلبة في الإلمام باللغة العبرية، وهذا يساعدهم مستقبلا في اجتياز مساق العبرية في الجامعات".
قبل الحكم على صحة هذا القرار وظروفه ونتائجه على الطلاب، لا بد من الإشارة إلى أن معرفة العبرية في قطاع غزة ليست نادرة، فهناك ما لا يقل عن 120 ألفا يتحدثون بها ولاسيما الذين كانوا يعملون في الأراضي المحتلة قبل الانتفاضة والحصار، فضلا على آلاف الأسرى الذين تعلموها في السجون وواصلوا تحصيلهم العلمي عبر الجامعات العبرية أيضا.
في المقابل، تبدو الحاجة إلى توسيع القاعدة الفلسطينية الأكاديمية أو الشعبية التي تتقن العبرية بحاجة إلى مراجعة قبل اتخاذ أي قرار في هذا الاتجاه، فخطوة حكومة غزة يمكن أن تثير بعض الاستغراب من ناحية التوقيت أو حتى الأيديولوجيا التي تنطلق منها بناء على أنها تابعة لحركة مقاومة لا تعترف بشرعية الوجود الإسرائيلي في فلسطين.
من هذه التساؤلات المشروعة ضرورة إيضاح أهداف الحكومة الحالية في غزة مبررات قرارها، فلا يغفل أحد اليوم الحالة الاستخبارية الإسرائيلية الكبيرة التي تسعى إلى إسقاط الشباب والمراهقين الفلسطينيين عبر الإنترنت، ولاسيما مع ثورة التواصل الاجتماعي. كذلك كيف يمكن إيقاف أو تحجيم الفضول الذي قد يقع فيه غير الواعين حين يتعلمون لغة عدوهم ويلجون بها مواقع ووسائل إعلام عبرية تقدم مواد تختلف تماما عن ثقافة المجتمع الفلسطيني؟. كل هذا يشير إلى مخاطر كبيرة تترافق مع القرار في ظل الحديث المتزامن عن محاربة ظاهرة التخابر مع العدو التي تتوكل بها داخلية هذه الحكومة نفسها!.
على مستوى آخر، علينا الانتباه إلى أن هذه الخطوة لاقت ترحيبا لافتا من الدوائر الإعلامية القريبة من (إسرائيل) كفرانس 24، وبي بي سي، وفضائية "الحرة". الأخيرة على سبيل المثال وصفت القرار بخطوة إيجابية نحو التواصل مع المجتمع "الإسرائيلي"، وقد أنهى معدّ برنامج "اليوم" في فضائية "الحرة" تقريرا له عن هذا الموضوع بالقول: "يبقى الأمل في أن تعلّم كل الطرفين لغة الآخر قد يساعد على بناء جسور من التفاهم بين الشعبين أو على الأقل يساعد في تبديد الكثير من الآراء المسبقة"؛ في إشارة إلى أن تعلم العبرية يفتح بابا التطبيع الذي تحاربه غزة وتخالف نظيرتها في رام الله عن هذه النقطة بالتحديد.
أما الطلاب والأساتذة الذين جرى لقاؤهم في عدة فضائيات غربية وعربية، فأعربوا عن سرورهم لتعلمهم وتعليمهم لغة العدو، وقالوا إنها ضرورية لفهم ما يقال على التلفزة العبرية وصحفه تحت بند "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم". كما رأى بعض الأساتذة أن ما يدفعهم نحو ذلك أن هناك إسرائيليين يتعلمون في المقابل اللغة العربية التي أصبحت إلزامية في بعض المدارس والجامعات الإسرائيلية.
بعيدا عن تقييم الإعلام الصهيوني، على حكومة غزة تقديم تصور واضح عما يمكن أن يحدث على المدى البعيد، فالتدريس المنهجي لمادة ما يعني أن الحكومة خطّت طريقا نحو التأسيس لفكرة ما، فهل ستصبح اللغة العبرية جزءا من المشهد العربي العام في السنوات المقبلة، أم إن المستقبل الحقيقي الذي نريده ونعمل عليه هو عودة فلسطين المحتلة إلى عروبتها، فلا حاجة لأجيالنا القادمة إلى لغة العدو، إلا من باب ضيّق يعني بعض المتخصصين؟
السؤال بلغة أخرى: هل المطلوب مثلا من الشعوب العربية أيضا تعلّم العبرية كما على الحكومات والفضائيات العربية نقل البرامج الإسرائيلية إلى جماهيرها كي تعرف كيف يفكر العدو وكيف يجب التعامل معه كون الكيان أيضا عدو الأمة والشعوب العربية والإسلامية؟
ألا يمكن للشباب التعرف على تفكير العدو من مئات المقالات والدراسات المترجمة التي تصدر أسبوعيا في الصحف العربية والأجنبية ويُبث مقتطفات بدقة منها على معظم الفضائيات العربية المطبّعة أو غير المطبّعة (الأخيرة تنقح عادة)؟. بمعنى آخر: من يريد معرفة كيف يفكّر العدو بإمكانه الغوص في الكتابات المترجمة المنتقاة أو العادية، لذا لا حاجة إلى تدريس هذه اللغة في مدارس القطاع كلها مع جميع المراحل.
من ثمَّ، هل ترى حكومة غزة التي يقال أنها توافق على دولة على حدود 1967، هل ترى أن الكيان باق إلى الأبد وأن جامعاته تقدّم ما لا يقدّمه الغرب حتى تبرّر خطوتها بإمكانية مساعدتهم "مستقبلا في اجتياز هذا المسار في الجامعات والمراحل المتقدمة في التعليم"؟. هل يكون خيار التحاق الفلسطينيين مطروحا في الجامعات الصهيونية مستقبلا؟
إن كان الهدف هو استعمال العبرية للتعرف على المجتمع الإسرائيلي، فإن الدورات المكثفة في مرحلة التعليم العالي كافية لهذا الغرض بما أن اللغة "سهلة" -كما صرّح التلامذة والأساتذة- وهكذا أساسا يجري تعليم معظم لغات العالم التي يحتاجها الطالب خاصة أن أساليب تعليم اللغات شهدت تطورا ملحوظا في الآونة الأخيرة؟
الأدهى من ذلك أن أحد التلامذة الذين ظهروا في تقرير تلفزيوني قال: "أريد أن أتعلم العبرية حتى أتمكن من قراءة المنتجات الإسرائيلية التي تباع في أسواقنا وتاريخ صلاحياتها.. ربما أذهب في يوم من الأيام إلى إسرائيل وسأحتاج هذه اللغة للتواصل!".
ليس على قدر تحليل الطالب الصغير جاء هذا القول، فمثلا الدكتور أحمد النجار المسؤول في وزارة التربية في غزة يقول: "هناك حالة احتكاك دائم مع الاحتلال في المناطق الحدودية أو على الحواجز العسكرية كما يحتاج الناس إلى العلاج في المستشفيات الإسرائيلية، لذلك يجب أن نعرف لغتهم". كأنه لا يكفي أن التطبيع التجاري والاقتصادي مفروض على قطاع غزة بل سيتبعه تطبيع ثقافي طوعي يؤسس لعلاقات مع المحتل عبر استمرارية شراء منتجاته، والاستفادة من مستشفياته والتواصل مع مكونات مجتمعه أو حتى جنوده على حواجز الذل.
واليوم، في الوضع العربي المتردي وغياب إستراتيجية شاملة لمقاومة العدو وتحرير فلسطين، فإن أي تواصل مع مكونات مجتمع العدو وتعلّم لغته، تسهيلٌ طوعي لغزو مجتمعنا. ولا ننسى الاعتراض الكبير مثلا على استضافة شخصيات إسرائيلية تتحدث العربية على شاشاتنا، فهذا ليس تواصلا بين "شعبين" كما يجري في حال تعلّم لغة أجنبية.
أما بالنسبة إلى مبرر تعلّم اللغة العربية في مدارس وجامعات الكيان، فمن الأجدر متابعة حال العربية في المنهاج الصهيوني، وقراءة التقارير الصادرة عن الجمعية الثقافية العربية التي تعمل في الأراضي المحتلة عام 1948 واتهمت أجهزة الكيان بتشويه العربية وآدابها وصولا إلى صهينة المجتمع العربي.
لقد باشر الاحتلال في الثمانينيات إدخال تعلّم اللغة العبرية في مدارس الضفة الغربية وقطاع غزة، وكانت تشرف على تدريب معلمين فلسطينيين، بل تعطيهم حوافز من أجل تعليم وتعلّم العبرية، وكانت ترسلهم إلى معاهد متخصصة للغرض نفسه، أي إن الاحتلال يشجع أيضا على هذه الخطوة لشرعنة وجودها وتأسيس ذلك على أن تكون لغة عالمية في حين يجهلها معظم اليهود في العالم، وهي اللغة التي اخترعها الصهاينة لتكون إحدى مكونات الكيان المحتل وارتبط وجودها بوجوده!
نذكر قبل الختام أن هناك كلمات عبرية دخلت القاموس العربي مع "الاحتكاك الدائم"، واليوم نسمع الناس يتكلمون عن "المحسوم" في الضفة الغربية (الحاجز) إضافة إلى تعبيرات أخرى ككلمة (رمزون: الإشارة الضوئية في غزة).
إذا سرنا دون تخطيط وفهم واضح فإننا قد نشهد قريبا جيلا من فلسطينيي غزة يتكلمون العبرية بطلاقة ويدخلون كلمات منها إلى حديثهم مع أصدقائهم ومعارفهم؟.
كتب أحد المعلقين على تقرير البي.بي.سي. الانكليزية حول الموضوع "أن اللغة سلاح". فماذا عن سلاح العربية التي لم يعد يستعملها الشباب إلا مطعمة بكلمات أجنبية، أو يكتبها بالأحرف الأجنبية؟ ماذا لو اعتبرنا أن اللغة العبرية هي سلاح الكيان المحتل ضد ثقافتنا ومقاومتنا وأننا قدمنا له هدية مجانية في هذا المجال، عندما قررت حكومة قطاع غزة تعميم تدريس لغة العدو في مدارسها؟

 

انشر عبر
المزيد