اوكرانيا وحسابات القوة والجغرافيا السياسية.. كتب: د. عبدالله الأشعل

10 آذار 2014 - 10:46 - الإثنين 10 آذار 2014, 10:46:09

الأزمة في اوكرانيا ترجع إلى أكثر من ربع قرن، وبالتحديد عندما تفكك الاتحاد السوفييتي واستقلت اوكرانيا ضمن الجمهوريات السوفييتية.
وقد ظن الغرب أن الاتحاد الروسي سوف تصيبه عدوى التفكك حتى لا تقوم لروسيا قائمة، لكن موسكو انشأت تجمعاً لهذه الجمهوريات في شكل اتحاد كونفيدرالي يضمن الحد الادنى من التعاون بين اعضاء الاتحاد السوفييتي السابق، فحلت المصلحة بين دول مستقلة محل الرباط الشيوعي بصوره المختلفة التي تصل بعض تجلياته إلى استخدام القوة عند اللزوم، وقد حدث ذلك في مرات كثيرة اشهرها عام 1956 في المجر و1968 في شيكوسلوفاكيا. والواضح أن موسكو حرصت على تماسك جمهورياتها السوفييتية خلال الحرب الباردة، كما حرصت على تماسك حلف وارسو في مواجهة الحلف الاطلسي. ولكن الغرب لم يكف عن محاولة اختراق الدولة والحلف إلى أن تمكن من تقويضهما.
كذلك لم يكف الغرب عن ابعاد الجمهوريات السابقة عن موسكو التي حرصت على مقاومة هذه المحاولات الغربية. ونذكر في هذا الصدد ما سمي بالثورات الملونة في عدد من هذه الجمهوريات ومنها اوكرانيا، ولذلك فإن الأزمة الحالية هي امتداد للأزمة المستمرة كما ذكرنا. وقد سبق لموسكو أن انهت التمرد في الشيشان الذي غذاه الغرب ودول اسلامية أخرى بالقوة رغم احتجاج الغرب وواشنطن وفرضت موسكو حكومة موالية لها في الشيشان لأن تمرد الشيشان كان مقدمة لانشاء حكومات دينية متطرفة في جوار موسكو المباشر لآسيا الوسطى. ومعلوم أن موسكو أدرجت جميع الجماعات الاسلامية التي ساندت الشيشان ومنها الاخوان المسلمون على قائمة الإرهاب منذ عام 1995.
الذي يحدث في اوكرانيا يمكن أن يتكرر في جمهوريات أخرى ولكن فهم هذا الموقف لا يتم إلا بالاشارة إلى أن الزعيم السوفييتي ستالين قد فرض سياسة لها طابع استراتيجي وهي نقل اعداد كبيرة من الروس إلى الجمهوريات السوفييتية وخصوصاً تلك التي تتركز فيها المصالح الروسية.
ولما ورثت روسيا الاتحاد السوفييتي ظل الروس مواطنين في الجمهوريات بعد أن انتهى الغطاء السوفييتي وحلت محله الرابطة الروسية. كذلك توزعت القوة النووية السوفييتية، وكان لاوكرانيا وكازاخستان نصيب منها، كما ظل اسطول روسيا في البحر الأسود في جزيرة القرم، وهي مكان له تاريخ طويل في الصراع بين روسيا والدول الأخرى. وقد حرصت روسيا على نسج علاقات متشعبة ومصالح متنوعه مع اوكرانيا، ولذلك انتهت الثورة البرتقالية فيها بعد فصول طويلة من فساد القيادات إلى انكشاف مناطق الصراع الحاد بين موسكو والغرب عندما تولت حكومة منتخبة موالية لموسكو زمام الحكم، فساند الغرب المعارضة كما ساعدها في بلاد أخرى على الثورة على الرئيس المنتخب ووصل نفوذ الغرب إلى الشرطة والجيش والقضاء والإعلام، ففر الرئيس في الاسبوع الثاني من شباط/فبراير 2014 ولم يجد البرلمان مفرا من عزله وتعيين رئيس وزراء مؤقت مما يعني في الحسابات الدولية أن الحرب قد نجح في الجولة الأولى ضد موسكو. ويبدو أن الغرب قرر أن ينتزع اوكرانيا من الفلك الروسي وضمها إلى الاتحاد الاوروبي، ولكن موسكو قررت احباط هذه الخطوة واثقة من اوراقها في اوكرانيا واهمها الجالية الروسية الكبيرة التي تشكل اغلبية ساحقة في برلمان القرم والاسطول الروسي القابع هناك والقوات الروسية البرية القريبة من المكان فأصبحت القرم رهينة في يد موسكو مقابل تسوية مع الغرب ولكن من الواضح ايضاً أن التسوية سوف تنال من النفوذ الروسي في مجمل اوكرانيا، ولن تصر روسيا على فصل القرم واعلانها جمهورية مستقلة كما فعلت في اوسيتيا في جورجيا منذ سنوات قليلة، الا إذا ادركت أن اوكرانيا قد ضاعت في هذه الصفقة. كذلك يمكن أن تمتد التسوية إلى المشهد السوري وغيره من مسارح الحرب الباردة الجديدة بين واشنطن وموسكو.
واللافت أن كلا من موسكو واشنطن يتمسك بأنه يحترم القانون الدولي، وأن كلا منهما يتهم الآخر بانتهاكه، وهذا مشهد بالغ الدلاله على التجاور والتداخل بين العلاقات الدولية والقانون الدولي.
والصراع بين موسكو والغرب تنظمه قواعد العلاقات الدولية التي يتفق عليها، أما القانون الدولي فله مبادئ ثابتة ولكن انزال هذه المبادئ على خط العلاقات الدولية يؤدي إلى تفسيرات متناقضة لنفس المبادئ.
والثابت أن موسكو لا يمكن أن تفرط في خروج اوكرانيا من دائرة النفوذ والمصالح، لصالح الغرب ولذلك تمسكت بشرعية الرئيس المنتخب وادانت تحريض الغرب للمتمردين على السلطة الشرعية. مقابل ذلك تتهم واشنطن موسكو بأن موسكو تتدخل في شؤون الشعب الاوكراني الذي ثار على الرئيس ومن حقه أن يقرر مصيره، والدولة في اوكرانيا في الحالتين بين الجانبين، وفي نفس الوقت فان حق تقرير المصير الذي تتحدث عنه واشنطن للشعب الاوكراني ضد الرئيس المنتخب لا تعترف به واشنطن عندما اعلن برلمان القرم أنه سيجري استفتاء حول تقرير مصير الاقليم بين البقاء أو الانفصال عن اوكرانيا. هذا الموقف في القرم يهدد السلامة الاقليمية لاوكرانيا ولكنه ينسجم من ناحية أخرى مع الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية عام 2010 في قضية الاعتراف بكوسوفو.
وهكذا نرى أن جميع السياسات في اطار الصراع الدولي يمكن تبريرها بمبادئ القانون الدولي التي لا خلاف عليها، خاصة وأن قضية كوسوفو أدخلت مفهوماً خطيراً في قراءة المحكمة الدولية للعلاقة بين حق تقرير المصير والسلامة الاقليمية للدولة، فجعلت حق الشعب يعلو على حق الدولة، وهي نتيجة على أية حال ساهم في ابرازها قضاة الغرب في المحكمة وخاصة القاضيين الأمريكي والبريطاني لأن واشنطن دفعت بشدة نحو استقلال كوسوفو الذي اعلن بالفعل عام 2010.


 

انشر عبر
المزيد