بعدما دخلت "بي بي سي" إلى اليرموك

04 آذار 2014 - 10:22 - الثلاثاء 04 آذار 2014, 10:22:45

صُدم العالم، قبل أيام عدة، بالصورة الفوتوغرافية التي وزعتها وكالة «الأونروا» عن عمليّات الإغاثة في مخيّم اليرموك. تظهر الصورة آلاف السكان المحتشدين وسط مشهد دمارٍ مخيف، للحصول على الطعام والإسعافات الأوليّة، عند نقطة التوزيع التابعة للأمم المتحدة. طوال الأشهر الماضية كان المخيّم أشبه بأرض محرّمة. صحيح أنّ النشرات الإخبارية لم تخلُ من اسمه، لكنّ الدخول إليه كان مستحيلاً بالنسبة لوسائل الإعلام. لذلك اكتفى معظمها ببثّ مشاهد قليلة «مسرّبة»، تنقل ملامح المأساة وتصوّر مَن ماتوا جوعاً، أو أوشكوا.
إلى جانب القنوات التلفزيونيّة، تهافت الناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي على نشر الصورة وتداولها، باعتبارها وثيقةً تقنع المشكِّكين، بأنّ أزمة الغذاء في المخيّم، لم تكن مجرّد مزايدات إعلاميّة. وصف بعضهم الصورة «بيوم القيامة أو الحشر»، ورأى فيها آخرون «طوفان للوجوه الجائعة». تتالت بعد ذلك التقارير الإخبارية التي توثِّق الدخول الأول للمواد الإغاثة، معتمدةً بشكل أساسي، على الصورة الفوتوغرافية ذاتها، مع استعادة للقطات أرشيفية قديمة. أبرز ما قدّم في هذا المجال، تقرير لفريق «بي بي سي»، وكان وحده مَن نجح في دخول المخيم، بصحبة هيئة الإغاثة، بعدما حاز تصريحات من الحكومة السوريّة.
أعدّت التقرير ليز دوسيه، كبيرة مراسلي الشؤون الدولية في «هيئة الإذاعة البريطانيّة» بعنوان «أزمة سوريا: فلسطينيو مخيم اليرموك يناشدون العالم مدّ يد المساعدة» (25/2). تتقدَّم الكاميرا ببطء في شارعٍ مهدّم، ويعلو صوت المراسلة: «قد يبدو هذا مشهد كارثةٍ طبيعية، إلا أن هذا الدمار من صنع يد الإنسان». تصوّر الكاميرا بعد ذلك الحشد المتموّج الصاخب الذي جمّدته اللقطة الفوتوغرافية. تلتقط العدسة تفاصيل الوجوه المتعبة وبكاء الأطفال. تقول دوسيه بأنَّ وجوه الناس هنا تحكي قصَّة اليرموك. تقترب الكاميرا لتصوّر فتاة بنظرات تائهة، ترتمي فوق خزّان مياه خلف المراسلة. يبدو أنّ الجوع والتعب وصلا بها إلى حدّ جعلها لا تقوى (أو ربما لا تكترث) على الابتعاد عن مرمى الكاميرا، وعن المراسلة الأجنبية التي تصيغ معاناتها بلغة منمّقة. ينقل التقرير نداءات الاستغاثة التي تطلقها نساء عديدات. تبكي إحداهنّ، «أنا متعبة، متعبة جداً»، كما لو أنَّها تختصر بعبارتها تلك كل الآلام.
يلتقي فريق «بي بي سي» بالمفوّض العام لوكالة «الأونروا» الذي زار المخيّم، ويقابل أباً استطاع التسلّل إلى داخل المخيّم كي ينقذ ابنته. ينتهي التقرير بكلمات الطفل كفاح الذي يتصنع الشجاعة ليعلن أنّ «كل شيء عادي وطبيعي في المخيم». يحاول الهرب من عيون المراسلة التي تحاول استنطاقه، قبل أن ينفجر دفعةً واحدة، ومن دون مقدمات، معترفاً ألا خبز في المخيّم.
يعيد هذا التقرير إلى الأذهان الملامح الأساسية لمدرسة «بي بي سي» في إعداد التقارير الإخبارية والأفلام الوثائقية، إذ أنّه يكتسي بطابع موضوعي، يركِّز على المعاناة الإنسانيّة، كمحور رئيسيّ، من دون شرح وجهات نظر أطراف الصراع. هكذا، يطغى على التقرير طغيان اللغة الوصفية التي ترسم بالكلمات ملامح المشهد، تزيد من تأثيرها اللكنة الكندية الخاصة بالمراسلة الشهيرة بصوتها وأسلوبها المميز في «قصّ الحكايات». تنجح، من دون مطوّلات ومن دون استعراض، في تصوير المخيم كسجنٍ يتوق سكانه للخروج منه، وتؤكد تحول الطعام إلى سلاحٍ لكسب الحرب بين أطراف الصراع.
يظهر النجاح الجزئي، إن جاز التعبير، لتقرير ليز دوسيه عن اليرموك، عند مقارنته بتقرير لقناة «الجزيرة» أعدَّه محمد صالح (27/2) واتسم بكيل الاتهامات السياسية، في محاولة لإفراغ خطوة إيصال المساعدات من مضمونها. وكذلك الأمر بالنسبة للإعلام الرسمي السوري، والذي أصرّ على تبرير حصار المخيّم بوصفه «وكراً للإرهابيين»، من دون أن يسأل من أين ظهر فجأة كل أولئك المدنيون الجائعون في الصورة.
بالرغم من الاختلافات النسبية بين تقريرٍ وآخر تبعاً لمهنية القناة ومقاصدها السياسية، تبقى السوداوية والنظرة المتشائمة السمة المشتركة بينها. لم تحاول القنوات وضع خبر «وصول المساعدات الأولى»، والترتيبات الأمنية الأخرى الخاصة بخروج المسلحين من المخيّم، في سياقٍ إيجابي، حتى وإن كانت مجرد خطوة صغيرة، وخجولة، في الطريق الصحيح. لم ترَ القنوات بارقة الأمل التي تلوح خلف الوجوه المتعبة الباكية، ولا ميّزت نظرة الصمود التي تلمع في العيون رغم الجوع، والأهم من ذلك كلّه أنها نسيت أن تحتفي بالحياة، أو ما بقي منها، رغم كلّ الموت الحائم بين الدمار.

المصدر: صحيفة السفير
 

انشر عبر
المزيد