ميزان القوى الصاروخية ـ النووية بين اميركا وروسيا

21 شباط 2014 - 01:28 - الجمعة 21 شباط 2014, 13:28:16

موسكو ـ يوري كوزنيتسوف
من الصعب الحديث عن نسبة القوى الصاروخية ـ النووية بين اميركا وروسيا، اولا بسبب نقص المعلومات الموثوقة، وثانيا، لان عملية ادخال الاسلحة الجديدة في هذا القطاع تستمر اكثر من عقدين ما يعرض نسبة الميزان للتغير النوعي لدى ادخال اي سلاح جديد في الخدمة الفعلية.
ولا يوجد معلومات عن الترسانة الروسية لسنة 2013. ولكن من المعلومات الرسمية المنشورة لسنة 2012 يستفاد ان روسيا كانت تمتلك 58 صاروخا باليستيا من طراز فويفودا R-36M2، وكل منها يحمل 10 رؤوس نووية ـ المجموع 580 رأسا نوويا.

أميركا وروسيا
والنوع الثاني 70 صاروخا من طراز "اور ـ 100"، يحمل كل منها 6 رؤوس نووية، المجموع 420 رأسا. وهو صاروخ ذو قواعد انطلاق تحتأرضية.

وتأتي بعدها الصواريخ من طراز "توبول" و"توبول ـ M"، وعددها 56 ذات رأس نووي واحد. وهي ذات قواعد ثابتة. يضاف اليها 18 وحدة متحركة من "توبول ـ M".
وفي سنة 2012 دخل في الخدمة الصاروخ المتحرك من طراز "يارس ـ RS-24" (15 وحدة ذات ثلاثة رؤوس نووية).
وفي سنة 2012 كان مجموع ما تملكه القوات الصاروخية الاستراتيجية الروسية 388 صاروخا حاملا بـ 1290 رأسا حربيا.

وفي قطاع الغواصات كان الوضع كما يلي:
ثلاث غواصات من طراز "كالمار" في كل منها 16 قاعدة اطلاق لصواريخ "سينيفا R-29"، مجموع ما تحمله 144 رأسا نوويا.
ثم البرنامج المسمى "دلفين 667" ومعه 4 غواصات تحمل كل منها 4 صواريخ، ومجموع ما تحمله 256 رأسا نوويا.
واخيرا الغواصات التابعة للبرنامج المسمى "بوراي 955"، وحتى الان دخلت في الخدمة بموجب هذا البرنامج الغواصات من طراز "يوري دولغوروكي"، يحمل كل منها 16 صاروخا، كل صاروخ يحمل 3 حتى 6 رؤوس نووية. المجموع هو 9 غواصات و400 رأس نووي.
اما في قطاع القاذفات الاستراتيجية، فتوجد 63 طائرة من طراز تو ـ 95 تنقل صواريخ مجنحة تحمل 844 رأسا نوويا، و 13 طائرة من طراز تو ـ 160 تحمل 156 رأسا نوويا.
المجموع العام هو 3500 رأس نووي.

ماذا سيتبقى حتى سنة 2020 ؟
ستزال من التسليح جميع الصواريخ من طراز فويفودا، ومن طراز اور ـ 100، ومن طراز "توبول"، ولكن ستبقى صواريخ "توبول ـ M".
وفي قطاع الغواصات ستسحب من الخدمة جميع الغواصات من طراز كالمار من انتاج سنة 1982. وستبقى الغواصات الجديدة من طراز بوراي بالاضافة الى غواصتين فقط من طراز دلفين تحمل 32 صاروخا بـ 120 رأسا نوويا.
وفي قطاع الطيران الحربي ستسحب من الخدمة بالتدريج القاذفات الاستراتيجية القديمة.
وبحسب اتفاقية "ستارت ـ 3" (الحد من الاسلحة الاستراتيجية الهجومية) التي وقعها الرئيسان باراك اوباما ودميتريي ميدفيدييف في نيسان 2010 في براغ، يسمح لروسيا ان تمتلك 1550 رأسا نوويا.
وهذا ما يتطلب من روسيا ان تعمل بسرعة لتجهيز 300 صاروخ حامل في مدة ثماني سنوات. وستكون هذه الصواريخ من طراز "يارس".
وبعد اخراج الصواريخ والرؤوس الحربية القديمة من الخدمة، سيبقى لدى روسيا اقل مما هو مرسوم في اتفاقية "ستارت ـ 3". ويأمل الاميركيون ان ينخفض عدد الرؤوس النووية لدى الروس الى 200 فقط. وفي هذه الحالة فإن انظمة الدرع الصاروخية الاميركية قادرة على اسقاط 80% من الصواريخ الروسية لدى انطلاقها، والبقية يمكن تدميرها في الفضاء الكوني او خلال طيرانها. ولن تصل الى اهدافها سوى 3 ـ 4 رؤوس نووية.
وبالاضافة الى ذلك هناك حالات جديدة، يريد اوباما بسببها ان تجري تخفيضات في القوات النووية لاميركا وروسيا.
فأولا ان السلاح الذي لا يطلق ليس من الضروري ان يوجد بكميات كبيرة. ومن وجهة النظر هذه فإن السلاح النووي، وخاصة الاستراتيجي، لا يعتبر سلاحا، بل وسيلة ردع. وامتلاكه من قبل روسيا يعني ردع اميركا. فاذا اختفى، فلا يعود هناك ردع لاميركا.
ثانيا، ان السلاح عالي الدقة دفع الى الخلف السلاح النووي. وهو له قوة تدميرية تعادل تقريبا السلاح النووي. والسلاح عالي الدقة لا يخضع الى اي اتفاق للحد من الاسلحة.
وثالثا ان طابع الحرب ذاته قد تغير. فبدون اي اسلحة نووية او اسلحة عالية الدقة، قام بضعة عشرات الالاف من عصابات "القاعدة"، المدربين من قبل السي آي ايه، بتدمير ليبيا وسوريا. وتعادل نسبة التدمير الذي حققوه ما يساوي التدمير الناتج عن قصف مكثف لمدة اسابيع كاملة. ولهذا بدأت اميركا تتخلى عن فكرة المشاركة مباشرة في الحرب الكبيرة الدائرة في الشرق الادنى. فمن الافضل ان يقوم الاخرون بذلك، وان يقضوا بعضهم على بعض.
ان ملامح التكتلات الاقليمية في الشرق الادنى لم تتوضح تماما بعد، ولكن يمكن ملاحظتها. واميركا تسعى لزعزعة الاستقرار في الاقليم عن طريق زرع الشقاق بين السنة والشيعة.
والسؤال هو لماذا تريد اميركا الحرب فوق هذا المستودع للنفط والغاز؟
ان التوسع الصيني العالمي في الاقاليم التي تمتلك الخامات هو واقع. والاميركيون لا يستطيعون ان يوقفوا هذا التوسع بالقوة. ولهذا فإن الحروب الاقليمية في الشرق الادنى تقدم فرصة للاميركيين لكبح التوسع الصيني نحو هذه المنطقة الغنية بالنفط والغاز. فالبحث عن الخامات هو نقطة ضعف للصين. ولهذا فإن الاميركيين "يصوبون" على هذه النقطة الضعف في الشرق الادنى.
وفي الوقت ذاته فإنهم يزيدون الضغط على العدو الثاني، وهو روسيا.
ان الوضع المثالي لواشنطن هو الحرب الاقليمية، حيث تقوم مختلف الاطراف المتصارعة والممولة بنقل اموالها الى اميركا، كما جرى في الحربين العالميتين الاولى والثانية. وحينذاك تستطيع اميركا ان تجد الطريقة لحرق ديونها، وتسديدها بالسلاح، والحصول على النفط والغاز، ومنعهما عن الصين.
وفي مثل هذه الحرب لا تحتاج الولايات المتحدة الى الاسلحة النووية. ولكنها تحتاج الى القضاء على الاسلحة النووية لروسيا، لكونها الخصم النووي الاساسي لاميركا.
وهناك اسباب اخرى تجعل احتمالات الهجوم الاستراتيجي النووي الاميركي تبدو كخدعة او وهم. وهو ما يدفع ادارة اوباما لاقتراح تخفيضات جديدة في الاسلحة النووية الاستراتيجية.
ويستند هذا الاقتراح الى تقرير استراتيجي شاركت في وضعه وزارة الخارجية، البنتاغون، مجلس الامن القومي، اللجنة الموحدة لرئاسات الاركان لمختلف قطاعات القوات المسلحة، اجهزة المخابرات والقيادة الاستراتيجية للولايات المتحدة الاميركية. وبموجب هذا التقرير، وبدءا من سنة 2000 تم تخفيض الترسانة النووية الاميركية تقريبا الى النصف. وفي لائحة الاهداف المحتملة للقوات الاستراتيجية النووية الاميركية تندرج مواقع في روسيا، الصين، كوريا الشمالية وايران. وحسب العقيدة العسكرية الاميركية التي كانت سائدة الى وقت قريب، فإن الهدف الرئيسي للضربة الهجومية الاولى هو القضاء على قيادة البلد المعادي والتسبب في تدمير لا يمكن تعويضه في قواته المسلحة. وحسب تقدير الخبراء ان اميركا يمكن ان تكون تخلت عن هذه الاستراتيجية، واعادت توجيه صواريخها نحو اهداف اقتصادية وعسكرية رئيسية.
وقبل عشر سنوات كانت الصواريخ الاميركية مصوبة نحو 660 صومعة صاروخية تحتأرضية في روسيا. الان مثل هذه الاهداف هي اقل من النصف. وفي وقت قريب ستنخفض اكثر.
ويعتبرون في واشنطن انه لتأمين الردع النووي يكفي وجود ترسانة من 1000 رأس حربي. ولكن اتفاقية "ستارت ـ 3" التي وقعت منذ وقت غير بعيد اعطت لروسيا واميركا الحق في امتلاك 1550 رأسا نوويا في حالة جهوزية لكل منهما.
ولكن الاتفاقية لا تحد من كمية الرؤوس القتالية ذات المدى المتوسط والقريب، ولا الرؤوس القتالية الموجودة في المستودعات. وحسب المعلومات الاخيرة، فإن القوات الاميركية تمتلك 2700 رأس من هذا النوع، وتمتلك روسيا 2680 رأسا.
ويعتبر البنتاغون ان هذه الكمية هي كبيرة جدا. وهناك فكرة لتخفيضها الى النصف، لتحقيق توفيرات اقتصادية كبيرة.
وهناك عامل آخر، وهو انه من غير المستبعد ان لا تعود اميركا تمتلك صواريخ باليستية وان لا تستطيع انتاج اخرى. اذ تبين ان صواريخ W-88 قد فشلت تماما، في حين انها كلفت الخزينة مبالغ هائلة. والان يجري استبدالها بصورايخ W-76 القديمة، التي انتهت مدة صلاحيتها منذ خمس سنوات. وهذا يعني ان روسيا يمكن ان تتمكن في وقت منظور من تحقيق التفوق في الاسلحة النووية الاستراتيجية، والاسلحة النووية التكتيكية، على السواء.
وتواصل اميركا توظيف مبالغ هائلة في برنامجها لتوجيه ضربة شاملة سريعة. ويتوقع هذا البرنامج توجيه ضربات محكمة بالسلاح النووي في اية نقطة في العالم في خلال ساعة واحدة. والاسلحة المخصصة لهذا البرنامج تنمو. وحسب التقديرات الروسية ففي حدود سنة 2015 ستمتلك اميركا ما بين 1500 و 1800 صاروخ مجنح، مموضعة في القوات البحرية والجوية، ومخصصة لتوجيه الضربة الاولى، وفي حدود سنة 2020 سيرتفع العدد الى 3000 وحدة.
وفي هذا الاطار تحاول اميركا ان تستفيد من برنامج الدرع الصاروخية لنشر الصواريخ الهجومية التكتيكية ذات المدى القريب والمتوسط (غير الممنوعة في اتفاقية "ستارت ـ 3" بحجة انها صواريخ دفاعية اعتراضية ضمن الدرع الصاروخية. وهذا ما يفسر السعي المحموم لاميركا للاقتراب من الحدود الروسية بواسطة ضم البلدان المجاورة لها الى حلف الناتو، وكذلك سعيها المحموم لنشر الدرع الصاروخية في جميع انحاء العالم، وخاصة في اوروبا الشرقية وتركيا واسرائيل وبلدان الخليج العربية الحليفة لاميركا، كجزء اساسي من التحضير للضربة الاولى النووية العالمية الشاملة. والهدف هو تدمير الميزان الاستراتيجي العالمي والاقليمي، وتخفيض امكانية البلدان الاخرى، ولا سيما روسيا، الى الحد الادنى، في القيام بضربات جوابية في الحالات الاستثنائية. وهذا يضع البلدان الاخرى امام الخيار: اما ان تحرم من امكانية القيام بهجوم نووي مضاد، ردا على الضربة الاولى، واما ان تبدأ هي اولا بالهجوم النووي، لتجنب تدميرها. وفي هذا الاتجاه بالتحديد تتبلور العقيدة القتالية لروسيا ـ فهي تتقبل القيام بضربة نووية استباقية، كما انها تعارض بشدة نشر الدرع الصاروخية الاميركية في اوروبا وفي جميع انحاء العالم، لكونها ليست سوى غطاء لبرنامج الضربة الاولى الاميركية.
ان عملية نزع التصنيع في اميركا، والتوجه نحو الاقتصاد المالي ـ الخدماتي، قد اوقع خللا كبيرا في السلسلة التكنولوجية لصناعة الاسلحة الاستراتيجية الصاروخية والنووية لاميركا. وهي تمتلك الحظ فقط عن طريق اللجوء الى الضربة النووية الاولى، بواسطة الصواريخ التكتيكية قريبة ومتوسطة المدى، تحت غطاء الدرع الصاروخية.
ولكن هذه الخدعة اصبحت مكشوفة تماما. وروسيا اعلنت بصراحة انها لن تكرر ابدا خطأ الحرب العالمية الثانية، وتنتظر هتلر كي يهاجمها اولا.

 

انشر عبر
المزيد