لحظة التفاوض الحاسمة مع إسرائيل والخيارات الصعبة

17 شباط 2014 - 01:14 - الإثنين 17 شباط 2014, 13:14:23

حلمي موسى
اليوم وأكثر من أي وقت آخر تبدو القضية الفلسطينية في مرحلة بالغة الحساسية. فمن ناحية توجد كل الأمة العربية في حالة انشغال داخلي عميق حيث الثورات والانقلابات والتقلبات والانقسامات والتطرف والحروب الأهلية والبحث عن السبيل. ومن ناحية أخرى هناك الإصرار الأميركي على استغلال الوضع القائم من أجل فرض حل لا ينسجم مع أبسط الحقوق الفلسطينية. وإلى جانب ذلك هناك الهبة التي تشهدها على وجه الخصوص دول الاتحاد الأوروبي بشكل المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية رفضا لغطرسة إسرائيل في سياستها الاستيطانية.
ومن المعطيات المتوفرة حتى الآن يتضح أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، في سعيه للتوصل إلى اتفاق إطار، يميل أكثر إلى إقناع الإسرائيليين بأنه يعمل لمصلحتهم وأنه يحاول جهد استطاعته تحقيق مطالبهم عبر المزيد من الضغط على الفلسطينيين. ورغم أن أميركا تملك، منفردة، أكثر أوراق الضغط على الدولة العبرية إلا انها تعمد للتلميح بين الفينة والأخرى بأنها تحول دون الآخرين وممارسة الضغط على إسرائيل. وغالبا ما حاولت الإدارات الأميركية المتعاقبة استغلال قوتها في المحافل الدولية لتشجيع إسرائيل على تقديم "تنازلات" للفلسطينيين لكن لا يعرف البتة أن أيا من هذه الإدارات مارست بشكل مباشر أوراق الضغط التي تملكها من أجل "إقناع" إسرائيل بتقديم هكذا تنازلات. ولهذا السبب تحدث كيري مؤخرا عن أن فشل المفاوضات يمكن أن يعرض إسرائيل لحملة مقاطعات دولية ليست هي بحاجة لها.
ولكن الضغوط التي تمارسها الإدارة الأميركية على السلطة الفلسطينية ورئيسها لم تكن في أي يوم غير مباشرة. يكفي أن نشير مثلا للدور الذي يلعبه الكونغرس في إطلاق التهديدات المباشرة للسلطة الفلسطينية في كل حين سواء من قطع المساعدات إلى فرض عقوبات. وطوال المفاوضات كانت هذه التهديدات والعقوبات سيفا مصلتا على رقاب المسؤولين في السلطة الفلسطينية الذين تتقلص قدرتهم على رفض التهديدات كلما بدا أن الظهير العربي والدولي الداعم غير موجود. ومن الجائز أنه في ظل الظروف العربية الراهنة تقلصت جدا مشاعر الركون إلى هذا الظهير. وبقيت هناك تلميحات إلى أن ما تبقى هو الآمال المعقودة على الدور الأوروبي. لكن كثيرين يحذرون من أن ذلك يمكن أن يكون وهما نظرا لمظاهر التبعية الأوروبية لأميركا في السياسة الدولية عموما وفي الشرق الأوسط عموما. وعدا ذلك فإن السلطة الفلسطينية لا ترى في الأفق قوى دولية يمكنها أن تشكل داعما جديا لها في المعركة السياسية القائمة حاليا.
وبديهي أن بين المفاوضين الفلسطينيين من يؤمنون أن بالوسع قلب الطاولة والإصرار على كلمة لا من خلال تحميل إسرائيل وأميركا والآخرين مسؤولية الوضع الذي سينشأ. لكن هناك من يعتبر مثل هذا التهديد نوعا من المقامرة التي وإن كانت تتضمن احتمال الربح تنطوي أيضا وربما بمعدلات أكبر على احتمالات الخسارة. وبديهي أن الحديث لا يدور عن برامج بعيدة المدى وإنما عن سياسات تعالج اللحظة. وقد سمع كثيرون عن الخطط التي يدرسها الإسرائيليون سواء للانسحاب من طرف واحد من المناطق المأهولة في الضفة وترك الفلسطينيين هناك بين سندان الأردن ومطرقة إسرائيل أو الإعلان عن ضم مناطق وفرض أمر واقع. وتدعي إسرائيل أنها لا تخشى خيار حل السلطة الفلسطينية وأنها جاهزة لمواجهة كل الخيارات. وبالمقابل فإن السلطة الفلسطينية، لاعتبارات كثيرة، لا تستطيع الادعاء أنها جاهزة لمواجهة كل الاحتمالات. فالوضع الفلسطيني الداخلي ليس في أفضل أحواله، وكما سلف فإن الوضع العربي عموما غير مطمئن حاليا.
وأمام هذا الواقع يصعب جدا الركون إلى أن خيار المؤسسات الدولية والتهديد بمقاطعة إسرائيل، على أهمية هذا الخيار، كفيل بإيجاد هذا الحل. فالسؤال الأهم هو مدى استعداد أميركا للذهاب مع الأوروبيين نحو الضغط على إسرائيل. ولا يقل أهمية عن ذلك السؤال أصلا عن الحدود التي يمكن لأوروبا أن تصل إليها في مقاطعتها لإسرائيل، وهل حقا يمكن أن تصل إلى ما وصلت إليه في مقاطعتها نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا؟
الواضح أن الإجابة عن هذه الأسئلة تقديرية وليس بالوسع تقديم ردود مضمونة. لكن مما لا ريب فيه أن جانبا لا يستهان به من الرد المحتمل يعتمد أساسا على صورة الفلسطيني لدى هذه القوى. فهل صورة الفلسطيني المنقسم على ذاته تشجع العالم على التعامل مع إسرائيل بالطريقة التي تعامل بها مع نظام التفرقة العنصرية؟ من المؤكد أن أي عاقل لا يمكنه أن يقول ان الانقسام الفلسطيني يشجع أحدا على يناضل بدلا منا من أجل حقوقنا. ومن المؤكد أكثر أن إسرائيل لا تأخذ الفلسطينيين أكثر بالحسبان عندما يكونن منقسمين. وبداهة أن الفلسطينيين أنفسهم لا يشعرون بقوة أكبر وهم منقسمون.
لذلك فإن النظرة لمعطيات الحل الذي تعرضه أميركا حاليا توحي بأن الوضع خطير سواء اتجهت الأمور نحو القبول بالحل الأميركي أو نحو رفضه. وفي هذا السياق لا يمكن فقط الاعتماد على واقع التطرف الإسرائيلي وأن حكومة نتنياهو هي من سيعرقل الحل ويمنع حدوثه وبالتالي تجنب الفلسطينيين خطر التعرض لعقوبات أميركية. الشيء المؤكد، كما سبق وحدث في كامب ديفيد، أن أميركا لا يمكنها أن تتهم إسرائيل وحدها حتى لو كانت متأكدة من أنها من أعاق الحل. أميركا عودتنا أن بوسعها اتهام الفلسطينيين ولو جزافا إذا كان في ذلك مصلحة لها خصوصا أنها تعتبر مصلحة إسرائيل جزء هاما من مصالحها في المنطقة.

المصدر: السفير
 

انشر عبر
المزيد