"دافوس" بين سياسة بيريز واقتصاد نتنياهو/ حلمي موسى

23 كانون الثاني 2014 - 09:24 - الخميس 23 كانون الثاني 2014, 09:24:39

شكل مؤتمر دافوس الاقتصادي على الدوام فرصة جيدة لإسرائيل ليس فقط لاستعراض قدراتها وإنما أيضاً لاثبات الفارق بينها وبين الدول العربية. وبرغم التغييرات الكبيرة في المنطقة والعالم، فإن إسرائيل تذهب إلى المؤتمر (المنتدى الاقتصادي العالمي) هذه المرة على أمل أن تفلح في تكريس الصورة السابقة وإثبات عدم جدوى الخوف من تهديدات المقاطعة. ولكن من الناحية الفعلية تذهب إسرائيل إلى دافوس برأسين متناقضين وبشكل واضح: رأس الرئيس شمعون بيريز، الذي يدعو إلى السلام ويتسلم جائزة وتقديرا، ورأس بنيامين نتنياهو الذي يريد دفن السياسة تحت أثقال الاقتصاد.
ومن الواضح أن بيريز يحاول تعزيز تناقضه مع نتنياهو عبر إشاراته المتنوعة إلى اختلافه معه. فهو يدعو منذ زمن إلى استغلال جهود وزير الخارجية الأميركية جون كيري والتوصل إلى اتفاق مع السلطة الفلسطينية. وطوال الوقت يصر على إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس شريكاً في هذه العملية. وأمس الأول شدد على وجوب إزاحة العراقيل التي تضعها إسرائيل أمام التسوية، وبينها الإصرار على اعتراف الفلسطينيين بـ"يهودية" الدولة الإسرائيلية. ويتوقع أن يحظى بيريز في مؤتمر دافوس باهتمام واسع من جانب المشاركين، ربما في نوع من التأنيب لنتنياهو وسياسته. ومن المقرر أن ينال بيريز، وهو من رجال دافوس الدائمين، جائزة "روح دافوس" من المؤتمر بوصفه أحد كبار السياسيين، ومن بين من راهنوا كثيراً على دور دافوس في تقدم العلاقات بين إسرائيل والدول العربية. وسيكون ذلك ذروة التقدير لإسرائيل في هذا المؤتمر.
وبيريز لن يكون الإسرائيلي الوحيد في هذه الجهة بل هناك أيضاً وزيرة العدل تسيبي ليفني التي ستحاول، عبثاً، التأكيد على سعي حكومتها للتوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. كذلك هناك وفد من مئة شخصية اقتصادية إسرائيلية وصل إلى دافوس بعدما طالب علنا نتنياهو بالسعي لإبرام اتفاق سلام حتى لا ينهار الاقتصاد الإسرائيلي.
وهذا ليس حال نتنياهو الذي يدخل دافوس للمرة الأولى كرئيس للحكومة الإسرائيلية منذ توليه الحكم العام 2009. وبديهي أن هذا أيضا ليس مكان وموقف بنيامين نتنياهو، الذي يؤمن أن الاقتصاد ليس بحاجة إلى سلام وأن الهدوء يمكن فرضه بالقوة وعبر سياسة ردعية لا تعرف الحدود. ويذهب نتنياهو إلى دافوس منادياً بالاقتصاد المعزول عن السياسة بوصفه بوابة صنع السلام عبر المصالح، بعيداً عن المبادئ والحقوق بل وحتى بعيداً عن الشرائع الدولية.
ولذلك، فإن نتنياهو وصل إلى دافوس طامحاً لتركيز الكلام في الاقتصاد، ومصراً على توسيع الاهتمام ليس بالفلسطينيين والعرب وإنما بـ"غوغل" و"ياهو" وكبرى شركات "الهايتيك" العالمية. وليس صدفة أن لقاءات نتنياهو المقررة مع سياسيين من أنحاء العالم حددت وفق مصالح اقتصادية. فهو سيلتقي مع رئيس الحكومة الأسترالية، والرئيس المكسيكي ووزير الخارجية الصيني.
والواقع أن العالم يريد من نتنياهو شيئاً وهو يريد شيئاً آخر. وبحسب بعض المعلقين الإسرائيليين فإنه حتى لن يتطرق في دافوس إلى جهود المقاطعة الاقتصادية والأكاديمية لإسرائيل "لأنه لا يريد أن يمنحها منبراً وأهمية". وهو يريد إظهار إسرائيل بوصفها النموذج الأنجح والاستثنائي في الاقتصاد الغربي جراء نجاحها في التغلب على آثار الأزمة الاقتصادية العالمية أكثر من سواها. ويريد تسويق إسرائيل في العالم على أنها "مستنبت" تطوير تكنولوجي تحت شعار "أمة الاختراع" (Innovation Nation –Israel). وفضلا عن ذلك يريد نتنياهو "الانفتاح على أسواق جديدة والعثور على شركاء جدد وهذا هو الهدف من سفري"، بحسب قوله. وما التركيز على اللقاءات مع كبريات شركات الهايتيك العالمية إلا من أجل تشجيعها على الاستثمار في إسرائيل "وهو أمر جيد لهم وبالتأكيد جيد لنا".
غير أن هدف نتنياهو صعب التحقيق كما يبدو لسببين: الأول يتعلق بفلسطين والثاني يتعلق بإيران. فمن المقرر أن يلتقي نتنياهو مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري للبحث في مساعي التسوية لحل المسألة الفلسطينية. ويأتي اللقاء على خلفية ما تبدّى من خلافات بين أميركا وإسرائيل في ظل تصريحات وزير الدفاع الإسرائيلي موشي يعلون ضد كيري وضد مساعي التسوية والخطة الأمنية الأميركية. وقد تجنب كيري الوصول إلى المنطقة بعد تصريحات يعلون مؤثراً الحصول على أجوبة إسرائيل على اقتراحاته في دافوس. وليس صدفة أن الرئيس الأميركي باراك أوباما استبق لقاء كيري بنتنياهو، وأعلن أن فرص تحقيق اتفاق هي أقل من 50 في المئة.
ومن شبه المؤكد أن نتنياهو لا يحمل في جعبته ردودا إيجابية على اقتراحات كيري بشأن التسوية، لا في مسألة الحدود ولا الأمن وبالتأكيد ليس في مسألة القدس الشرقية. وأكثر ما يمكنه تقديمه هو التسويف أو الردود العمومية، التي تحمل تساؤلات أكثر مما تحمل إجابات. فالمطلوب كسب الوقت لأن الهدف الموضوع هو تمديد المفاوضات وليس التوصل إلى حل. ومن الناحية الفعلية لن ينطوي لقاء كيري - نتنياهو على اختراق، وإذا لم تنشب أزمة فإن التسويف سيد الموقف.
ولكن الاتفاق الغربي - الإيراني بشأن المشروع النووي وبدء تطبيقه سيجعل الرئيس الإيراني حسن روحاني مركز الاهتمام في قمة دافوس. وبالتأكيد سيمثل روحاني إيران المتصالحة والمعتدلة في نظر الغرب الساعي للتوافق معها لاعتبارات تتعلق بمصالحه، وخلافا لما كانت ترغب وتريد إسرائيل. وبديهي أن روحاني وإن أفلح في توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية مع الشركات أو الدول فإنه يثبت لإسرائيل فشلها في فرض الحصار على بلاده. وربما أن هذا سيشعر إسرائيل بمصاعب مواجهة دعوات المقاطعة وتهديدات أوروبا بشأن اليوم التالي لانهيار المفاوضات مع الفلسطينيين.


المصدر: السفير

انشر عبر
المزيد