سجال في "إسرائيل" حول الرد: "الكاتيوشا" لتوريط "حزب الله"/ حلمي موسى

31 كانون الأول 2013 - 09:38 - الثلاثاء 31 كانون الأول 2013, 09:38:05

وجّه إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان نحو أهداف إسرائيلية، رغم أنها لم تُصِب، الأنظار من جديد إلى الاحتمالات الكامنة في هذه الجبهة وإمكانيات تسخينها، حتى من دون رغبة الجانبين. وانشغل العديد من المعلّقين والساسة في تناول الأمر من أبواب التحليل أو التحذير، خصوصا لأن الوضع العام في المنطقة بالغ الحساسية. ورغم الحذر الميداني الذي تجلى في رد الفعل العسكري الإسرائيلي، فإن عددا من قيادات إسرائيل السياسية، خصوصا رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، اندفعوا نحو تصعيد لفظي بتهديدات لم تترجم بفعل عسكري واسع.
ويمكن القول إن ردّ الفعل الإسرائيلي على إطلاق الصواريخ عبّر عن هوّة كبيرة تفصل بين موقفي كل من المستوى السياسي والعسكري. فقد شدّد الناطقون بلسان الجيش والأجهزة الأمنية الإسرائيلية على أن جماعات جهادية أو منظمات فلسطينية قد تكون تقف خلف إطلاق الصواريخ وليس "حزب الله". بل إن بعض المعلّقين، وأغلبهم يتلقون إجازات من الجيش، لم يستبعدوا أن يكون إطلاق الصواريخ ضمن فعل موجّه ضمنا ضد "حزب الله" وبقصد تسخين الجبهة.
وفي هذا السياق كتب المعلّق العسكري لصحيفة "هآرتس" عاموس هارئيل، أن مصادر أمنية إسرائيلية قدّرت بحذر ومن غير التزام أن المسؤول عن اطلاق القذائف كما يبدو فصيل سني ـ جهادي، أي واحدة من الفصائل المتطرفة المؤيدة للشبكة التي تسميها الاستخبارات "الجهاد العالمي" التي تنفق أكثر وقتها، إضافة لمعاداة اسرائيل، في النضال لاسقاط نظام الاسد في سوريا وفي معركة طويلة فيها العمليات المتبادلة القاتلة مع "حزب الله".
وكذا فعل المعلق العسكري في القناة الأولى وفي صحيفة "إسرائيل اليوم"، يوآف ليمور عندما أشار إلى أن الصواريخ التي أطلقت تشهد على واقع أمني جديد يتبلور على الحدود "ينطوي على عمليات ينفذها عدو غير معروف الهوية وغير مردوع، ومن هنا تكون قدرة اسرائيل على الرد محدودة ايضا". وأوضح أن الممثل الواضح لهذا الواقع هي منظمات الجهاد العالمي التي تعمل اليوم في سيناء وهضبة الجولان ولبنان. وبرنامج عملها الوحيد هو الفوضى وبمقادير كبيرة. فهي ترى أن كل الأهداف مشروعة وكل الوسائل الى احرازها مقدسة. إن بعضها في الحقيقة مخلص للعقيدة السلفية المتطرفة التي تؤمن بها القاعدة، لكن أكثرها من مرتزقة يبحثون عن حركة".
وأشار ليمور إلى أن هذه المنظمات تعادي أنظمة الحكم وتيارات أخرى في المنطقة العربية، لكن "من المؤكد أن إسرائيل هدف ثانوي في نظرها". وأضاف أن "قذائف الكاتيوشا التي أطلقت على كريات شمونة، كانت دون انذار سابق ودون معلومات استخبارية ودون علم من حزب الله أو باغماضه عينه، كانت مثالا على ذلك. وكانوا الى ما قبل سنة قد اعتادوا في اسرائيل القول إنه لا يمكن أن يحدث شيء في لبنان دون إرادة حزب الله أو يعلم به على الأقل، لكن الفترة الاخيرة تشهد على حدوث أمر في بلد الأرز ايضا: فالقتال في صور وصيدا وبيروت وطرابلس، والعمليات التفجيرية في الضاحية وبالقرب من السفارة الايرانية، واغتيال مسؤول المنظمة الكبير حسان اللقيس، تدل على أن مشاركة حزب الله العميقة في الحرب في سوريا تجبي منه ثمنا باهظا في الداخل ـ في لبنان".
وخلص إلى أنه "على هذه الخلفية يوجد خبراء يعتقدون أن قذائف الكاتيوشا التي أطلقت أمس، كانت ترمي الى احراج حزب الله مع اسرائيل، فلأن المنظمة غارقة كلها في سوريا وليست معنية بجبهة اخرى، كان قصد مطلقي القذائف إحداث تصعيد على الحدود يجرها الى ورطات غير مرغوب فيها".
وأثار رد الفعل العسكري الإسرائيلي سجالا بين مؤيدي ضبط النفس ومعارضيه. فالبعض مثل ياكير ألكريب في "يديعوت" لاحظ أن "ضبط النفس حاليا يعني البقاء مكتوف الأيدي أمام استفزازات متكررة من جانب منظمات الإرهاب على الحدودين الشمالية والجنوبية. ففي أيام يكشف فيه ويصور كل سنتمتر على الأرض بأقمار صناعية وطائرات من دون طيار مسلحة بأسلحة دقيقة، ليس مبالغا فيه توقع أن ترد إسرائيل وأن يكون ردها سريعا وفتاكا".
ولكن يجئال سارينا في "يديعوت" أيضا يرى أنه لا ضرورة للرد على صلية صواريخ سقطت بأغلبها في الأراضي اللبنانية. وناشد حكومته: "لا تدخلوا أرض الأرز والكرز، أرض الأوحال والدماء. لا تقصفوا لبنان. انتظروا أن يعالج اللبنانيون الأمر. فقد كنا هناك مرتين بأحجام كبيرة. قصفنا. خربنا. قتلنا وقتلنا. غرقنا في الأوحال ومرت سنوات مشبعة بدمنا ودمهم إلى أن نجونا. فليس أسهل من إرسال عدة طائرات لتمطر بالقذائف من لم يطلقوا النار علينا. لأن من أطلق الصواريخ، فرّ، واختفى عن أنظارنا. اضبطوا أنفسكم". وخلص سارينا: "لا تضربوا لبنان المصاب. من بين أربع صواريخ سقطت ثلاث منها في أرض لبنان، أي أن من أطلقها ليس خبيرا، أو أنه مجرد استفزاز".
ولكن من المؤكد أن الرأي الأخير ليس رأي نتنياهو الذي أعلن في مستهل جلسة الحكومة أن هناك عنوانين وراء اطلاق القذائف على الجليل وهما: حكومة لبنان المسؤولة عن كل اطلاق نار من داخل ارضها، ومنظمة حزب الله التي تنصب آلاف الصواريخ والقذائف الصاروخية في بيوت في جنوب الدولة بين سكان مدنيين. وأضاف نتنياهو: "إن حزب الله ينظم اطلاق النار على مدنيين (اسرائيليين) كما حاول أن يفعل اليوم، ويختبئ في الوقت نفسه وراء مواطنين لبنانيين، وبذلك ينفذ جريمة حرب مضاعفة تتم برعاية حكومة لبنان وجيشها". بل إن نتنياهو وسّّع دائرة الاتهام ليهاجم أيضا إيران بوصفها المسؤولة عن "حزب الله".
واعتبر عاموس هارئيل في "هآرتس" أن "هناك تفسيرين محتملين لتصريح نتنياهو ـ أولهما، وينبغي أن نأمل أن يكون هو الصحيح ـ أن نتنياهو عُرضت عليه معلومات استخبارية لم تطلع عليها وسائل الاعلام الى الآن. والثاني ـ أن العرب هم العرب في رأي رئيس الوزراء ولا يهم أن يكون من أطلقوا النار على اصبع الجليل شيعة من كارهي اسرائيل أو سنة يكرهون اسرائيل لكنهم يكرهون حزب الله الآن أكثر".
عموما وبعد أن يعدد هارئيل عمليات تقع في الضفة والقطاع وعلى حدود مصر وسوريا ولبنان يبين أن "اسرائيل في واقع الامر لا تفعل الكثير ايضا خشية الانجرار الى تصعيد طويل من غير هدف واضح. إن الوضع في غزة والضفة أسهل لأنه ما زالت تعمل هناك سلطات (حماس والسلطة الفلسطينية) يمكن أن يُطلب اليها قدر ما من المسؤولية وضبط الامور. وفي لبنان التي جربت في يوم الجمعة اغتيالا متعدد المصابين في بيروت وتخشى عودة الحرب الأهلية، تبدو التهديدات الاسرائيلية فارغة من المضمون تقريبا. تفاخر رئيس الوزراء بأن الجيش الاسرائيلي رد بقوة وبسرعة على اطلاق القذائف من لبنان".


المصدر: السفير

انشر عبر
المزيد