اتفاقية الإطار الأميركية بانتظار الرفض

30 كانون الأول 2013 - 11:36 - الإثنين 30 كانون الأول 2013, 11:36:16

يدور جدال صاخب في الحلبتين الإسرائيلية والفلسطينية حول «اتفاقية الإطار» التي يشاع أن وزير الخارجية الأميركية جون كيري سيعرضها على الجانبين رسميا بعد أن كان قد جس نبضهما حولها بشكل غير رسمي. ومن ردود الفعل الأولية لدى الجانبين حولها يظهر بوضوح أنها لا تمثل لدى أي منهما قاعدة يمكن الانطلاق منها لأنها تحوي ابتداءً مواقف تتناقض مع مواقف مبدئية لكل منهما.
فعلى الصعيد الفلسطيني، ووفق ما أشيع، تنطوي الاتفاقية على تغييب لكل منطلقات السياسة التفاوضية الفلسطينية. فاتفاقية الإطار تتحدث عن ترتيبات أمنية تستند إلى وجود إسرائيلي مباشر على طول نهر الأردن، كما أنها تغفل واقع تجريب الفلسطينيين لاتفاقيات الإطار التي تتحول عملياً إلى اتفاقات أمر واقع طويلة الأجل. وفضلا عن ذلك فإن اتفاقية الإطار الجديدة لا تتناول القضايا الجوهرية التي أعطت اتفاقية الإطار القديمة (اتفاقية أوسلو) قبل عشرين عاماً خمس سنوات لحلها. وبدلا من أن تعالج اتفاقية الإطار الأمر من جذوره وبناء على منطق رفض سياسة الأمر الواقع التي تنتهجها إسرائيل، تتجاوب الاتفاقية حتى مع السلوك الإسرائيلي الراهن الذي يربط حتى بين الإفراج عن المعتقلين وتوسيع البناء الاستيطاني في الأرض المحتلة. ولتجنب الصدام مع حكومة نتنياهو تخفي الاتفاقية تحت ستار كثيف من الغموض الموقف من القدس الشرقية وقضية اللاجئين.
أما على الصعيد الإسرائيلي، فإن غطرسة القوة لا تسمح كثيراً لحكومة نتنياهو بأن تتقبل صياغات عمومية بشأن القدس وحق العودة مثلما لا تتقبل أصلا فكرة الوجود المؤقت والمشروط للجيش الإسرائيلي على طول نهر الأردن. ومن الضجة الهائلة التي تدور في الكنيست، خصوصاً في أوساط اليمين، يتضح حتى مقدار الخوف من هذا الحل الأميركي الميال لمصلحة إسرائيل ومواقفها. وربما لهذا السبب تتسارع الخطى في الكنيست، حتى في أوساط الليكود، لتقييد هامش مناورة زعيم اليمين، بنيامين نتنياهو، عبر إقرار قوانين بينها فرض السيادة الإسرائيلية على غور الأردن. وقد رأينا كيف أن حكومة نتنياهو استعانت بأعضاء المعارضة لمنع سن قانون آخر يشترط بدء التفاوض على القدس بحصول الخطوة على تأييد 80 عضو كنيست.
وبديهي أن هناك في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني من يشعر أن الخطوة المطلوبة الآن هي دفع الطرف الآخر لرفض المقترح الأميركي بقصد تحميله المسؤولية وتجنب عواقب الرفض. ومعروف أن جهات أميركية وأوروبية هددت بفرض عقوبات إذا ما انهارت المفاوضات، موحية أن هذه العقوبات ستوجه غالبا نحو الجهة التي تتحمل مسؤولية هذا الانهيار. ولكن كثيرين يعتقدون أن التهديد موجه في جوهره للطرف الأضعف، وهو الطرف الفلسطيني، الذي عليه أن يتحمل أعباء إضافية عقابية. وربما لهذا السبب نشرت «معاريف» أن وزراء إسرائيليين، بينهم من يرفضون علناً الاقتراح الأميركي، يرون التريث لأن الفلسطينيين هم من سيرفضون الشرط الأساسي وهو الاعتراف بإسرائيل دولة يهودية والقبول بالوجود العسكري الإسرائيلي في غور الأردن.
ومن شبه المؤكد أن هناك أيضا في الطرف الفلسطيني من يدعون الرئيس محمود عباس للتأني وعدم إعلان الرفض أو تقديم رد بانتظار أن يأتي الرفض من إسرائيل. وينطلق هؤلاء أساسا من حقيقة أنهم كانوا يعلمون أن المفاوضات، منذ انطلاقتها، لن تقود إلى الحل النهائي وأنها ليست سوى جزء من لعبة إدارة الصراع وبقصد تحقيق نقاط في المعركة السياسية. وبديهي أن هؤلاء لا يرغبون الآن في الإعلان عن موقف يقود إلى تحميل الفلسطينيين مسؤولية الفشل.
وهكذا، ليس مستبعداً أن يكون توجه الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني إلى المماطلة وربما القبول بتمديد فترة التفاوض لمنع انهيار المفاوضات حتى في ظل القناعة بأنها غير مجدية. فما هو مطروح اليوم أكثر من أي وقت مضى هو مطلب إسرائيل بالاعتراف بها دولة يهودية ومطلب الفلسطينيين بالاعتراف بحدود 1967 مع تعديلات طفيفة حدوداً للدولة الفلسطينية. وبديهي، على الأقل مما هو قائم اليوم، يصعب جداً دفع الطرفين لقبول شرط الآخر. بل يمكن المجازفة بالقول إن الاعتراف الفلسطيني بإسرائيل كدولة يهودية لا يضمن قبول حكومة اليمين بالاعتراف بحدود 67 حدودا للدولة الفلسطينية والتخلي عن السيادة في القدس الشرقية.
وليس مستبعداً والحال هذه أن يتفكك أحد أهم مقومات المفاوضات الجارية وهو مبدأ السرية، مثلما ليس مستبعداً أن تحاول السلطة الفلسطينية التنصل من التزام عدم التوجه للمحافل الدولية وتبدأ بضع خطوات على هذا الصعيد مقابل استمرار التوسع الاستيطاني. وفي كل الأحوال من الجلي أن حكومة نتنياهو التي تنصلت من التزام بعدم الإعلان عن عطاءات استيطانية جديدة بالتزامن مع الإفراج عن الأسرى تفسح المجال للسلطة الفلسطينية للتنصل من التزامات مشابهة.
في كل حال ثمة حرب أعصاب سياسية تدور هذه الأيام أساسها عدم قناعة الحكومة الإسرائيلية، أو على الأقل القسم المتنفذ فيها، بالمفاوضات. هذا يتبين من مشاريع القوانين التي تبحث من ناحية ومن المواقف السياسية التي تعلن من ناحية أخرى. وليس صدفة أن وزير الدفاع، موشي يعلون، وهو الرجل القادر بحكم سيطرته على الجيش، أن يدفع الوضع نحو التهدئة أو التصعيد، وبالتالي نحو خلق ظروف أفضل أو أسوأ للمفاوضات، يعلنها جهاراً أنه ليس لإسرائيل شريك للسلام في الجانب الفلسطيني. فقد أبلغ ذلك رجال أعمال إسرائيليين مشاركين في مبادرة لتحقيق السلام بين شعبين وليس لجمهرة نشطاء حزبيين.

 

انشر عبر
المزيد