ضعضعة الائتلاف الإسرائيلي للتهرب من استحقاقات سياسية

23 كانون الأول 2013 - 10:48 - الإثنين 23 كانون الأول 2013, 10:48:18

يعتقد كثيرون في إسرائيل أن حكومة بنيامين نتنياهو باقية ومستقرة ليس بفضل حسن إدارتها ولا انسجام وتناغم أعضائها وإنما أساسا بسبب انعدام البديل. فأي نظرة إلى الواقع السياسي الإسرائيلي تظهر من دون لبس أو غموض أنه لا يبدو في الأفق أي منافس حقيقي لبنيامين نتنياهو لا في صفوف اليمين ولا في الوسط وبالتأكيد ليس في ضفوف اليسار. فحزب العمل ومن يقف على يساره يقتربون من حافة الهامشية في السياسة الإسرائيلية بحيث لا يمكن التعويل، على الأقل حاليا، على احتمال أن يظهر فيه من ينافس نتنياهو. ولذلك فإن المنافسة بين اسحق هرتسوغ وشيلي يحيموفيتش، وفوز الأول، لم يغيرا من هذا الواقع في شيء لا على صعيد الحزب ذاته ومكانته، ولا حتى على احتمال تشكيل تيار أوسع يمثل بديلا لحكم اليمين.
وبديهي أن اليسار لم يعد يشكل خطرا على الحكم اليميني في إسرائيل وهو ما تجلى أكثر من أي شيء في اعتماد الحكومة على أصوات الوسط واليسار في الكنيست وليس على أصوات أحزاب الائتلاف الأساسية (الليكود، إسرائيل بيتنا والبيت اليهودي) لمواجهة مشروع قانون اشتراط المفاوضات حول القدس بموافقة 80 عضو كنيست. وربما أن هذا يدفع البعض للاعتقاد أن الوسط واليسار يمكنهما أن يحققا إنجازا، إذا ائتلفا ضد اليمين. وهذا اعتقاد لا يستند إلى أساس لأن الوسط أقرب إلى اليمين في كل الأحوال إلا عندما يشط ويذهب إلى خانات التطرف القصوى. ولهذا السبب تشعر بعض الجهات الداخلية والخارجية الإسرائيلية بالخيبة من أداء الوسط على وجه الخصوص.
فحزب «هناك مستقبل» وخلال شهور قليلة أفلح في ارتكاب كل الأخطاء التي تنفر ناخبيه منه وعلى أوسع نطاق. واستطلاعات الرأي تظهر أن هذا الحزب الذي كان قوة صاعدة يأمل رئيسها، يائير لبيد في احتلال الحكم ورئاسة الحكومة في الانتخابات المقبلة، بات يهبط بسرعة قياسية. ومن الجائز أن قبول زعيمه بتولي وزارة المالية في هذه الظروف الصعبة عالميا ومحليا أسهمت في هذا التدهور. لكن المسألة بكل المعايير أكبر من ذلك وتتعلق بالنزوع الساحق في إسرائيل نحو اليمين مما يجعل أي موقف وسطي مقبول للحظة ولا يستطيع الصمود طويلا.
وهذا يقود جوهريا إلى الوضع القائم في الحلبة السياسية الإسرائيلية حيث الصراع في جوهره ليس على صورة إسرائيل وإنما على صورة اليمين. وهنا يدخل إطار الصورة بقوة الليكود، بوصفه زعيم اليمين وقوته الأساسية. والليكود يعاني من صراعات لا تعرف الحدود بين المتطرفين والأشد تطرفا. وتجلى الأمر مؤخرا بمحاولة أغلب قيادات الليكود تمرير قرار في مؤتمر الليكود بفض الشراكة مع «إسرائيل بيتنا» بزعامة أفيغدور ليبرمان وهي الشراكة التي بدأت في المعركة الانتخابية الأخيرة. وكان جليا أن القرار سيتخذ في المؤتمر بسبب وجود أغلبية ساحقة تؤيده. لكن القرار لم يتخذ لأن نتنياهو لجأ إلى خدعة قانونية لا تسمح للمؤتمر بإخضاع الأمر للتصويت هذه المرة.
وهكذا أفلح نتنياهو في تأجيل نشوب أزمة سياسية قوية بين الليكود وشريكه الائتلافي الأساسي، إسرائيل بيتنا. وبكلمات أخرى أفلح في تأكيد استقرار ائتلافه الحكومي، ولكن إلى حين وبثمن باهظ. إذ ان رفاق نتنياهو في الليكود لا يغفرون بسرعة. وكان ردهم الأولى مقاطعة خطابه في مؤتمر الليكود حيث ألقى كلمته، تقريبا أمام قاعة فارغة.
وبديهي أن مشكلته في اليمين ليست فقط داخل الليكود. بل هي أيضا مع إسرائيل بيتنا والبيت اليهودي ضمن الائتلاف الحكومي وخصوصا مع من لا يتفهمون محاولاته تمرير الوقت مع الأميركيين بشأن الاستيطان والتسوية مع السلطة الفلسطينية. كما أن مشكلته أكبر مع اليمين خارج الائتلاف وخصوصا مع الحريديم في يهدوت هتوراه وحركة شاس. ومعروف أن حكومة نتنياهو خلت تقريبا لأول مرة في عهد الحكومات اليمينية من حضور الحليف التقليدي لليمين القومي وهو الحريديم.
ويبذل الحريديم جهودا جبارة لإظهار عجز نتنياهو كلما أتيحت لهم الفرصة وبين ذلك إحراجه بشأن القدس التي كان هو على الدوام بين المطالبين بتحصينها دستوريا وقانونيا كعاصمة أبدية للشعب اليهودي. كما أن قوى يمينية بعضها ضمن الائتلاف وبعضها خارجه تحاول طوال الوقت تقييده في كل ما يتعلق بالاستيطان ودفعه للتصادم مع الولايات المتحدة والأسرة الدولية بهذا الشأن. وبديهي أن هذا يربك نتنياهو أكثر من أي شيء آخر خصوصا في ظل أوضاع دولية حساسة وجهد أميركي واضح لتمرير اتفاق إطار تظهر فيه ولو بشكل غامض ملامح تسوية تقوم على أساس تقاسم إقليمي وتقسيم للقدس.
ومثلما أشارت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة، هيلاري كلينتون بأن الموقف الإسرائيلي المتشدد ضد إيران يخدم الموقف التفاوضي الأميركي يمكن اعتبار أن التشدد اليميني يريح نتنياهو بعض الشيء. وليس مستبعدا أن ما يتبدى من معالم تفكك للائتلاف الحكومي ليست أمرا يرفضه نتنياهو في هذا الوقت بالذات وبشدة. فهذا التفكك قد يوفر الملاذ الذي يؤمن هرب نتنياهو من استحقاقات التسوية السياسية وهو الملاذ الذي يسمح لنتنياهو وإسرائيل ببضعة شهور راحة من الضغوط الأميركية والأوروبية إذا ما توفرت النية على فرض صيغة. وفي كل الأحوال يعلمون في إسرائيل أن البديل لنتنياهو الآن هو نتنياهو لاحقا وأن البديل لليمين هو اليمين.


 

انشر عبر
المزيد