خلف أهداب القبور!!! أطفال برج البراجنة يلعبون في حضرة الموت

12 حزيران 2012 - 09:59 - الثلاثاء 12 حزيران 2012, 09:59:46

في ذاك اليوم قررتُ أن ألج للمرة الأولى، عتبة إحدى المخيمات التي يقطنها اللآجئون الفلسطينيون في لبنان، فكانت الوجهة باتجاه مخيم برج البراجنة، الواقع في الضواحي الجنوبية بالقرب من مطار بيروت الدولي. وقد تأسس عام 1948 من أجل إيواء اللآجئين الذين فرّوا من الجليل شمال فلسطين. وكان هدفي اكتشاف عيّنة من نوع آخر، لمعاناة غريبة عجيبة، لم تطرح في الإعلام سابقاً.
خلعت عني” ثوب الترف”، أمرت دموعي أن لا تنهمر أمام قسوة المعاناة. ووعدت قلمي أن لا يرتجف البتة، كي ينقل بموضوعية مطلقة، ما سيصادفه من ذهول. أعددتُ نفسي معنوياً ووعدتها أن تتجرد من شعورها لساعات، ريثما أنهي تحقيقي، ذاك أن الضعف ليس من شيم الإعلامي الملتزم بالقضايا الإنسانية.
ثم عزمت على مجابهة عالم ليس كسائر العوالم! للكاميرا كادرات عديدة تلتقطها، لتعبّرعن فداحة مأساة جيل نضر، هرِم قبل أوانه. وللوجوه اليافعة التي صادفتها، طلاقة لسان رهيبة، تحكي أطروحات من المطالب التي اعتادت نسجها برصانة.
يبقى لي أن أصطدمَ وأُصدم بتلك المأساة التي شكّلت أمامي لوحة مسلسل درامي، أبطاله أصحاب أنامل، كان يفترض بها أن تكون ناعمة الملمس، نضرة الطلّة، نظيفة “الهندام”، حالمة بمستقبل يعدها بالأفضل.
ومن تلك الوجهة اليائسة المجبولة بحُفر البؤس وقطع الباطون المكتظّ الذي أكل الدهر عليه وشرب وشاب. ومن بين ممرات تلك الأزقّة المليئة بأهرام النفايات والمصمّمة على مقاس فرد واحد يستطيع اجتيازها والتي تكسوها تلال من أسلاك الكهرباء العتيقة المتداخلة مع شبكات المياه… عبرتُ وسط زحمة خانقة من القاطنين الذين أثارتهم الحشريّة، فباتوا ينظرون إليَّ وكأنني مخلوقة آتية من الفضاء، مثيرة للجدل والتعجّب.
حفّار قبور وحارس فسحة الترفيه!
دخلت صُلب الموضوع الذي رغبت في جعل نيرانه مستعرة منذ تلك اللحظة. ولما وصلت قرب مكان الحدث، طالعتني فسحة ترابية يحتضنها سياج من أشجار الزيتون، النخيل والحنبلاس. “شُيّدت” فوق تلك الفسحة، مئات اللوحات الرخامية البيضاء. للوهلة الأولى أحسست بالخشوع والراحة، تبعاً لسكون المكان وسط زحمة الضجيج. إستفدت من ذاك السكون، فأرحت ناظريّ من عجقة الاكتظاظ السكانيّ والعمرانيّ. مرّت لحظات عدّة وأنا أحاول استيعاب ما أشاهده!! صراخٌ وضجيجٌ وسط تلك السكينة!!! اقتربت تدريجياً ولم أصدّق ما شاهدته، فقرأت آية على لوحة من بين مئات اللوحات الرخامية، حفرت عليها هذه العبارة المقدسة: “الفاتحة باسم الله الرحمن الرحيم وبشّر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً. ضريح المرحوم —- توفي في العام 1996 مواليد العام 1961 من عرب الرمل”.
رحم الله جميع الأموات!! قادتني تلك السكينة وعجقة اللوحات الرخامية (الأضرحة) تدريجياً الى أصوات بدأت تتصاعد من الداخل. خشعتُ وسبحتُ الله مرعوبة نوعاً ما. ماذا يحدث في الداخل يا ترى؟! إقتربتُ برهبة قبل أن يردعني حفّار القبور! رجل خمسينيّ يدعى سليم الصفدي، يرتدي ثياب العمل ليل نهار، ينتظر هناك على المدخل، وفي الداخل يتجوّل ليحرس تلك الفسحة الشاسعة. بيده اليمنى “المُصفرّة”، يلتقط سيجارة وعلى جبينه رسم الزمن، خطوط خبرة عتيقة في إدارة القبور، تعود الى 25 سنة. تجاهلته ربما يغضّ الطرف عنّي. وإذ به يسألني أن أتراجع، شرحت له أنني أريد الدخول فهناك ما يُثير حشريتي الصحافية… وبعد أخذ وردّ معه، أذن لي. دخلت فرأيت مشهداً لم أكن أتوقعه البتة، أولاد يلعبون، يتسلّون، يضحكون، يصرخون ويتفاوضون على أصول اللعب والربح والخسارة … وكل ذلك، قرب أضرحة الموتى!!!! نعم إنه واقع يعيشه أطفال فلسطين الذين قد لا يكفيهم ما يعانونه من حرمان، حتى أتى بهم البؤس والمعاناة من مساحة عيشهم الضيقة، الى تلك البقعة الشاسعة قرب رائحة الموت. غرابة أثارت إنسانيتيّ، فدفعتني الى توجيه سيل من الأسئلة إلى ذاك العمّ، إلا أن صدمة من الغرابة، انهالت عليّ بجرعة أكبر حين أجابني، بأن ما أشاهده ليس سوى ” واقع طبيعي ومفيد، إذ يأتي الأولاد الى هنا فيتذكرون موتاهم ويلعبون وسط ممرّات القبور. وهذا أمر طبيعي، هم أطفال ولا يدركون ماذا يفعلون، سوى أنهم يتسلّون… لا أرى في ذلك أي خطأ، بل على العكس، انه أمر صحيّ وسليم. أين سيلعبون؟ أحياناً أقوم بطردهم خارجاً، إلا أنني سرعان ما أعدل عن قراري حين يتوسلون إليَّ صارخين، آملين بالبقاء. طبعاً هم لا يأتون بشكل يومي، فذلك ممنوع، إنما يأتون أسبوعياً يوم الخميس برفقة أمهاتهم، فيمضون فترة بعد الظهر هنا في الأرجاء،  إبتداء من الساعة الثانية وحتى السادسة مساء”.
لا شكَّ أن غرابتي هذه، استوحيت من نظرية تستند الى قياس واقعنا، نحن الذين اعتدنا رؤية الأطفال، يلعبون  في الحدائق العامة، في الملاعب الخاصة وفي مدن الملاهي، أي في أجواء مليئة بالترف. ولكن بأي ترف يحلم أطفال فلسطين! وكل من حولهم يعتبرون، أن مسألة اللعب بحدّ ذاتها، هي مسألة “ترف” ، فهم أحوج الى “ترف” من نوع آخر، “ترف” لعله يتمثّل، بتأمين أبسط الحاجيات الأساسية لحياتهم اليومية وضمانهم الصحي والسكن السليم والطعام والتعليم وغيرها الكثير…
أضرحة وورود، دحرجة كرة وضحكات أطفال…

عزمت على الغوص أكثر في واقع هذه المُصيبة المخفيّة، فتقدمت باتجاه الوسط حيث تنبعث رائحة الورود في الأجواء، وسط ذاك السكون الذي بات ممزوجاً بصراخ الأطفال وحركة النسوة، اللواتي يقمن بطقوسهن الأسبوعية  من تنظيف المكان وريّ الزهور، مصطحبين معهن أولادهن أو أقاربهن الى ذاك الموقع وكأن الجميع في نزهة الى ديزني لاند. وسرعان ما تنتهي طقوس الصلاة والتنظيف، حتى تتحول تلك المساحة الى منتزه للأولاد، لا بل الى ملعب وليس باليد حيلة!!
وافقت النسوة على التحدّث إلينا ولكن بعيداً عن عدسات الكاميرا.
اقتربت من السيدة سمر دبدوب التي اصطحبت معها إبنتيها، لأسألها وصديقاتها لماذا يأتين برفقة الأطفال الى هذا المكان. وهل مسموح أن يلعب الأولاد في مكان غير مخصّص للعب ولا يصلح لتنمية آفاقهم وإدراكهم الذهني أو حتى يتلاءم وحقهم بالإنسانية. أجابت بحسرة على البؤس الذي أدى الى ما أداه. ” لا يوجد مكاناً متسعاً بجانب البيوت. وهنا تحلو للأولاد رؤية الأشجار، فتتبدل الأجواء وتستريح الأنظار، ففي المخيم لا وجود للأشجار،  بل اكتظاظ وجيران يشتمون. أما إبنتي ياسمينا، فعلمتها أن تأتي لتقرأ الفاتحة عن روح عمّها وعمتها”.
كانت تنتظر الى جانبها الآنسة مها حسين التي اصطحبت معها أولاد أخيها، وأدلت برأيها حول الموضوع. ” نصطحبهم معنا بالدرجة الأولى كي يتذكروا أجدادهم فيتَّعظوا. ومهما عاش الإنسان، سيكون مكانه هنا، ليخلد في الجنّة. لا أؤيد أن يأتي الولد بمفرده الى هنا كي يلعب. الناس في المخيم يبحثون عن متنفس للراحة وهذا الضغط وضيق المكان، يدفع بالأهل وأولادهم للهرب الى هنا، ولو مرة في الأسبوع كي يتنفسوا الصعداء. لا شيء  يخيفهم هنا، ها هم ما شاء الله ، لا يخافون من شيء.  وبالتالي لا أعتقد أن ذلك سيؤثر عليهم نفسياً”.
أما أم عماد خربيطي فهي تصطحب أولادها للصلاة فقط وذكر الأحباء الذين رحلوا. وتقول :” لا بدّ لحارس القبر أن يردع الأولاد فيمنعهم من الدخول للعب هنا”.
روضتهم الغنّاء وسط حرمة الموت
تركت هؤلاء النسوة وتقدّمت أكثر نحو الداخل، وإذ بكرة ذات مربعات صفر وحمر تتدحرج باتجاهي، علت الأصوات المتنازعة عليها. صبية من أعمار مختلفة 5، 8  و 10 سنوات، يتقاذفون الكرة بحماسة شديدة وسط ممرّ ترابي داخل فسحة المدفن الذي يشكّل بمفهومهم “روضة غنّاء” وفسحة شاسعة، تاقت عيونهم الى رؤيتها. واشتاقت أجسادهم لتطلق العنان في أرجائها في كل الاتجاهات، فتسرح وتمرح دون عوائق اصطدام أو حتى دون شتائم أهل الحارة، تبعاً للضجيج وقلق الراحة الذي يصدرونه. بفعلتهم هذه، لا يدركون بالطبع رهبة المكان وحرمة الأموات، فتلك الدراية ليست لأمثالهم في مثل هذه الأعمار النديّة. هم لا زالوا براعم تنمو في ظل حرمان شاسع ومتنوع الاتجاهات والمحاور. إنهم بلا شك، لا يفرّقون ما بين الصواب والخطأ.
بأية حقوق سنطالب أو حتى نبدأ. وكل ما تكتنزه تلك البقعة ومحيطها، يكسوه الحرمان بكامل أطيافه. لن أدخل في بوتقة الحرمان المتشعب والتي تعب الجسم الإعلامي من الإضاءة عليها، وهي تتجلى على سبيل الذكر السريع في الضمان الصحي والاستشفاء والتعليم والاكتظاظ السكاني وسوء المساكن المتصدعة فوق رؤس قاطنيها،  وتردي البنى التحتية والفقر المتقع وسواها من المطالب الحقوقية المتعددة …
إنما اخترت لتحقيقي هذا، زاوية أكثر وجعاً وأشدّ إيلاماً من جميعها. مشهد لا يمكن وصفه أو حتى التعليق عليه!!
إسمعوا يا عالم أجمع، ان أطفال فلسطين المحتلّة واللآجئين على أرض المخيمات الفلسطينية في لبنان، يلعبون قرب أضرحة الأموات!! أسمعتم جيداً؟؟
وما مخيم برج البراجنة بصورته الشاملة من حيث جمعه لأطراف البؤس من النواحي كافة، سوى عيّنة تمثيلية وافية عن سائر المخيمات الأخرى في لبنان. مقبرة مخيم برج البراجنة قد سُيّجت مؤخراً، إلا أن سائر المُخيمات والتي يحوي بعضها مقابر عمومية، ليست مُسيّجة بمعظمها، وهنا حدّث ولا حرج عن مدى الأخطار المحدقة بالأطفال حين يرودونها، بغية إشباع حاجتهم الى اللعب.
قررتُ أن أجول بالذاكرة الدولية، فعدت الى بنود اتفاقية حقوق الطفل التي أقرّت عام  1989 وحققت القبول العالمي بالاعتراف بالحقوق الإنسانية للأطفال. ومن بين 54 مادة تحوي بمضمونها الكرامة الانسانية للطفل، فقد نصت المادة 31 من الاتفاقية، على حق الطفل “في الراحة ووقت الفراغ ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه…” وشجعت على: “توفير فرص ملائمة ومتساوية للنشاط الثقافي والفني والاستجمامي وأنشطة أوقات الفراغ”.
ومما تقدّم، لعل أبسط الحقوق المُكتسبة للطفل الذي عليه أن يسترسل الى مكنوناتها بسلام، هي اللعب في مكان سليم وآمن، في ظل أجواء تنميّ قدراته النفسية والعقلية وحتى الجسدية وتساهم في توسيع مخيلته وتجاربه. إلا أن هذه الحقوق البسيطة والتي يجب تأمينها، هي معدومة كليّاً من قاموس الحياة اليومية للطفل الفلسطيني اللاجىء في لبنان.

ألم يكفِ الطفل الفلسطيني بعد ما يعانيه من حرمان، حتى انه يحرم من أبسط الحقوق في المساحات الترفيهية الضرورية أو الحدائق والملاعب العامة، وكلها مساحات ضرورية لنموه وتوسيع آفاقه. هو يلعب في الأزقة الضيقة، حيث الضجيج المزعج، تعلو رأسه أسلاك الكهرباء المتداخلة مع أنابيب الصرف الصحي، ليلوذ كحلّ نهائي ونتيجة لضيق المساحة، الى حنايا القبور، فينتهك حرمة الأموات؟!! أمرٌ، لا يتقبله عقل عاقل على الاطلاق!!!
ألعابهم لا تُشبه ألعاب العصر بشيء!!!
هناك في مقبرة مخيم برج البراجنة، يجتمع الأطفال أسبوعياً، لا بل ينتظرون ذاك الإذن من حارس القبور، وكأنه حلم بالعبور الى متنفس آخر، الى حياة ملؤها اللهو. هناك وقرب راحة الموت، ينسجون أحلامهم النضرة بألعاب بدائية جداً، يبنون الأرجوحة، يلعبون بحفنات التراب، يلتقطون ما حوته تلك البقعة او محيط المخيم من أدوات لا تشبه ألعاب العصر بشيء. لا تشبه الباربي أو السبايدر مان أو البلاي ستايشن وغيرها … كل هذه الألعاب لم تصل بعد الى عالمهم هذا!! وكأنهم بذلك مخلوقات فضائية، لا تعيش سوى بالأحلام. وأي أحلام نضرة تنتظرهم!!! قد نجدهم يلعبون ببقايا أثاث عتيق، او بقطع حديد مُنسلخة من أجسام صلبة مرميّة، منسيّة في تلك الزوايا، أو يلهون ببقايا أشياء تحمل الأوساخ والجراثيم، أو حتى يبنون بيوتات وهميّة من “قش” أحلامهم النضرة يسكنون فيها بهدوء ولو حتى للحظات واعدة!
اقتربت أكثر من تلك البقعة الهادئة- الصاخبة، فأصبحت في قلب الحدث واذ بولد يدعى بلال شبيب  ابن 10 سنوات، يقترب باتجاهي ويصوّب نظره نحو آلة التسجيل التي أخرجتها من حقيبتي وفي فمه عجقة كلمات وعبارات، يريد تفريغها على شريط التسجيل. دعوته أن يبدأ بالكلام، فاستفاض: “اعتدت التوجه الى هنا حيث باحة القبور، للعب بالكرة مع أصدقائي، غالباً ما يطردنا حارس القبر، لكننا نجابهه بأنه ليس لدينا من مكان شاسع سوى هنا. يعود فيعدل عن قراره ولو لساعات… لا أعلم أين سألعب، منذ نصف ساعة، كنت ألعب في أحد الممرّات بالقرب من حارتي، لكن أحد الجيران الذين يقطنون هناك، زجرني وأصدقائي لكوننا نحدث صراخاً غير مقبول على الإطلاق، سيما وأن هناك سيدة تعاني من الأمراض في المكان عينه وهي بحاحة الى راحة وهدوء.”  وحول ما اذا كان يجد أن هذا الأمر طبيعي، ضحك قائلاً: ” اعتدت المجيء الى هنا ، فهنا المكان أوسع وأكبر، ولما لا” !! أعشق اللعب وأعشق  الزهور  والعصافير وأعشق الشمس وأحلم بطابة كبيرة، شكلها أفضل من تلك التي استعرتها من رفيقي اليوم…”

في المقابل، كان للطفلان يوسف صبيح ومحمد الزّحمد (9 سنوات) الذين أتيا الى المكان، رأياً مغايراً. هما لا يلعبان كغيرهم هنا، لأنهما يعتقدان أن الله سيحاسبهما، فهناك آيات مقدسة مكتوبة على الأضرحة وبالتالي لا يجوز أن يلعبا بجابنها. والى ذلك قالا:” مع  من سنلعب، هل نخرج الأموات، لنلعب معهم”!!
تجمهرت بقيّة الصبية من حولي وكل واحد منهم يريد أن يحتلّ موقعه الخطابيّ. وعدتهم بذلك وأعلنت لمن يريد الحديث معي، أن يتقدّم.
تقدّم محمد سعيد عكر 14 سنة  وهو يحمل بيده بكرة منسوجة من أسلاك نحاسية رفيعة جداً، كان قد سلخها بواسطة سكين من داخل شريط كهربائي عتيق، قرب حارته. سألته ماذا سيفعل بتلك البكرة، فأجابني:” سوف أبيعها للمحلّ المختصّ بشراء الحديد على مقربة من الحارة”. عكر، وما إن يعود من المدرسة يسارع الى إنهاء دروسه حتى يتفرغ لمزاولة عمله اليومي بعد الظهر، حيث يجلس في ممرّ حارته ويبدأ بقشر تلك الأسلاك. خلف تلك القصّة، غاية ترفيهية و”ترف” خاص يحلم به.”إن الأموال التي أجنيها من الأسلاك، أدخرها لأشتري بها حاجاتي فيما بعد. أريد أن أبتاع دراجة هوائية ألعب بها مع أشقائي. إن ذلك لأشبه بحلم ولكنني سأحققه قريباً إنشالله. وسوف آتي لألعب هنا قرب القبور، لأن الحارات لا تتسع لذلك، نظراً للزحمة. أما هنا فإلي جانب الممرّ، هناك فسحة ترابية واسعة جداً على الجهة اليمنى عند المدخل وهي ستسمح لي ولأترابي باللعب بحرية.”
ما صرّح به محمد عن حلمه بالدراجة، قد شكّل لي صدمة بالفعل، فصرت أسأل نفسي هل أصبحت الدرّاجة الهوائيّة بمثابة حلم لذاك الواقع المرير؟!! والأفظع من ذاك الحلم المتواضع، حلم آخر يتمثل بالبحث عن رقعة فسيحة مجاورة في تلك المساحة المُكتظة، للاستفادة منها واللعب في أرجائها، حتى ولو كانت بجانب أضرحة الموتى!!.
حلم بسيط بالنسبة لعالم الأطفال، لكنه شاهق بعظمته بالنسبة لمحمد، ومع ذلك فهو ليس سوى أمراً عادياً، أمام حلم آخر يُراود كل من، محمود زياد شناوي 8 سنوات وخالد وليد الشبطي 9 سنوات وأحمد حسن أبو عرب 10 سنوات، الذين باتوا على موعد أسبوعي للتسلية هنا في هذه الفسحة. إلا أن حلمهم أتى مختلفاً، فتعدّى الحلم برقعة للتسلية، ليصل الى حلم بالوفاء والاخلاص. كلّ من هؤلاء الأطفال يريد أن يقتني كلباً، إلا أن هذا الحلم المشترك حيّرني للغاية، لكن تعليلهم أتى شعاراً مشتركاً، فكان لسان حالهم جميعاً: ” نرغب بشراء كلب، لأنه مخلص أكثر من الانسان، مسلّي ويلعب معنا بالطابة، يرافقنا أينما نذهب وفي الظروف الحالكة، نراه أخلص المخلصين، لكونه يهبّ للدفاع عنا، بلا تفكير ونحن بحاجة ماسة لمثل هذا الصديق”.

وأمام عظمة تلك الأحلام التي رأيتها تتلألأ في عيون هؤلاء الأطفال، تركتهم ينعمون بلحظات فرح وتسلية ولو كانت في مكان لا يشبه أحلامهم النضرة بشيء، ولا يتلاءم بشكل من الأشكال وحقوق الأطفال في العالم أجمع. وأكثر من ذلك بكثير، فهذا المكان لا يشبه واقع حقوق الإنسان بشيء يذكر. تركتهم بهدوء وحسرة على واقعهم الذي لا يليق بأطفال أبرياء، علّهم يروون ظمأهم الى اللعب، بقطرات مُسكّنات لحظوية، ريثما يأتيهم الحلّ من أعالي السماوات. فما سترونه في الآتي، لا يبشر بحلول سريعة أو حتى ببشائر حلول في المستقبل القريب، لتلك الأزمة المأسوية. ودعتهم وفي قلبي صورتهم بقيت، وهم يسرحون ويمرحون قرب القبور، يكملون اللعب وفي قلبهم، غصة تلك الأحلام المتواضعة وهم أحوج الى تحقيقها، الآن قبل الغد.
الأونروا : التحدّيات كبيرة والتمويل يحتّم علينا البدء بأولويات
حوت قلبي غصة أخرى، أردت إيصالها الى المعنيين بتلك القضية. فتوجهت الى مكتب الأونروا- وكالة غوث وتشغيل اللآجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى التي تأسست في أعقاب النكبة الفلسطينية عام 1948، بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 302 في 8 كانون الأول عام 1949 . أنشأت الوكالة بهدف تقديم الإغاثة المباشرة وبرامج التشغيل للآجئين الفلسطينيين. وقد بدأت عملياتها الميدانية في الأول من أيار عام 1950. وهي تعمل حالياً على تحسين الظروف المعيشية وتحقيق التمتع بحقوق الإنسان. وذلك  على أساس كل مخيم على حدة من المخيمات الفلسطينية 12 المتواجدة على كامل الأراضي اللبنانية.
حملت ما شاهدته من إهمال وغفلة واضحة عن حق، يعني بالنسبة لحقوق الأطفال، أولوية أساسية. لا بل ويشكّلُ حاجة ماسة بالنسبة للطفل، يهمّه أن تتحق له، حتى قبل المأكل والمشرب. هذه الحقوق التي خبرتها على تلك الشاكلة، سترخي بظلالها السلبيّة، على مستقبل الطفل الفلسطيني الذهني والنفسي والتخيّلي والتواصلي، كما وعلى النواحي الإبداعية في تفكيره . حملت تلك المأساة في جعبتي الى الطابق السادس من مبنى الأونروا الرئيسي في بيروت، حيث مكتب مديرة قسم الإعلام في الأونروا، السيدة هدى السمرا.
الموضوع لم يشّكل لها صدمة أبداً، لكونه ليس حاجة أساسية بالنسبة للخدمات التي تقدمها الأونروا، بل أمراً ثانوياً، تسبقه أولويات أبرز بكثير. وبدأت بسرد الحقائق  عن عدد اللآجئين الفلسطينيين 280000 المقيمين فعلياً في لبنان، ثلثهم داخل المخيمات 12 المنتشرة على كامل الاراضي اللبنانية، ويعيش66,4% منهم دون خط الفقر، وفقاً لدراسة حديثة أصدرتها الأونروا بالتعاون مع الجامعة الاميركية في بيروت.

“أقيمت المخيمات منذ عام 48 على المساحة عينها والآن تضاعف عدد اللآجئين وبات الاكتظاظ أمراً واقعياً، حيث يقارب عدد اللآجئين في مخيم برج البراجنة حوالي 20000 . بالنسبة للأطفال يتم التعامل معهم على صعيد الجمعيات الأهلية المتعددة. صحيح أنهم يلعبون في بيئة غير سليمة قرب القبور او في الأزقة المكتظّة. وهذا واقع مرير في المخيمات عامة وتحديداً برج البراجنة. نعلم جيداً أنها عوامل غير سليمة لنمو الولد وآفاقه الذهنية. لكننا نولي أهمية للأمور الصحيّة والمعيشيّة كأولويّة. طبعاً هناك حلول بديلة، نسعى أن ندخلها ضمن برامجنا ومناهجنا، لكننا نصطدم بعدم وجود المساحة الكافية داخل المخيمات وهي مشكلة فعلية. نحن نعتبر أن كل الأطراف مسؤولة عن هذا الواقع، الأونروا كونها مسؤولة عن الإغاثة، الدولة اللبنانية كونها الدولة المضيفة والقادة الفلسطينيون  أيضاً. كل هذه الأطراف مجتمعة، يجب أن تتعاون لحلّ هذه المسألة. الأونروا وبالتنسيق مع المؤسسات الأهلية، تعمل على توفير الانشطة الترفيهية للأطفال ضمن إطار كل المخيمات. ومؤخراً أطلقت برامج لأنشطة ترفيهية أسبوعية داخل مدارسها على مدار السنة وذلك خارج ساعات التعليم. كما وتم استحداث برنامج لمخيم صيفي منذ 3 سنوات ، يتضمن كامل النشاطات الترفيهية والتثقيفية والتوعوية، تؤمن للأولاد اللعب والتعلم في الوقت عينه. وفي مخيم الضبيه والراشدية أنشأنا ملاعب لكون المساحة متوفرة وتسمح بذلك. وكذلك في عملية إعادة بناء مخيم نهر البارد، تم التنبه الى ضرورة إيجاد هيكلية معينة لأماكن ولو محدودة تشكّل مساحات للعب. ونعد عبر موقعكم الكريم، بأننا سوف نوسّع نشاطنا خارج مساحات المخيمات وسوف نقوم بالتنسيق مع البلديات المحيطة، على أمل إيجاد نشاطات مشتركة بين الأطفال الفلسطينيين والأطفال اللبنانيين في أماكن عامة او ملاعب تملكها البلديات. إشارة الى أنه ورغم تزايد الدعم من الجهات المانحة، لكن ذلك غير كافٍ،  قياساً على ازداد الحاجات.
ورغم اننا نعمل على تحسين الوضع بالقدرات المتاحة، نعلم جيداً أن ذلك لا ينفي وجود مساحات خضراء كحدائق عامة، او ملاعب آمنة للأولاد داخل المخيمات أو في محيطها. فالوضع سيء ويجب ان تكون لدى هؤلاء الأطفال مساحات كافية للعب، المشكلة لا يمكننا حلها بمفردنا، لأننا وبكل بساطة، لا يمكننا أن نخلق مساحات إضافية داخل المخيمات. التحديات التمويلية كبيرة، لكن التمويل يحتّم علينا البدء بأولويات. ليست هناك من حلول سريعة في القريب العاجل. الطريق طويل لخدمة كل اللآجئين وتحديداً الاطفال”.
مؤسسة شاهد الفلسطينية لحقوق الإنسان
وللوقوف على مزيد من الآراء الميدانية حول قضية الأطفال ودور المجتمع الأهلي. توجهت الى إحدى الجمعيات الأهلية، فالتقيت السيد محمود الحنفي مدير المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان- شاهد  التي تأسست في 10/12/ 1998 . من قبل أكادميين وناشطي حقوق الانسان وهي تعمل على حماية واحترام حقوق الإنسان الفلسطيني طبقاً للمعايير الدولية. وقد قامت المؤسسة بدراسات وإحصاءات عدّة وعاينت تجارب عديدة داخل المخيمات. وتتمثل أبرز مهامها بنشر ثقافة حقوق الإنسان. وقد اعتبر السيد الحنفي أن “الاونروا بالنسبة لنا هي الرئة والقلب النابض الذي يضخّ الحياة في عروقنا. مقاربتنا للمشكلة هي أن الاطفال لهم حقهم في اللعب، فالطفل الفلسطيني ينمو في مساحات محصورة، داخل الأزقة المعتمة حتى في وضح النهار، ما ينعكس سلباً على نفسيته وصحته وخطورة مصيره، أمر لا حول للطفل فيه ولا قوة، فأين المفرّ؟ لذا يلجأ الى اللعب تحت شرفات البيوت، ما يولّد مشاكل عائلية، وإما داخل المقابر، وهنا تنتهك حرمة الأموات”. وحول  إقامة النشاطات الترفيهية للأولاد، أردف الحنفي: ” من أصل 90 يوماً لعطلة الصيف، تقيم الأونروا مخيماً صيفياً مدته 20 يوماً فقط، مقسّمة على حلقتين، حلقة الصفوف الأولى وحلقة الصفوف الثانية وكل حلقة مدتها 10 أيام. أما عن فتح المدارس للأنشطة الترفهية، فهو يأتي وفقاً لمبدأ الأمر الواقع، ما يعني أن الأولاد إما يقفزون من خلف الأسوار وإما يتسلقون الجدران، ليصلوا الى ملاعب المدارس. إلى ذلك، فإن  ملاعب المدارس هي غير مجهزة للعب أصلاً، لكونها مصنوعة من الباطون، ما يفتقر الى عناصر الأمان وهي تالياً ضيقة. وقد طالبنا الأونروا بتوسيع مساحات المخيمات عبر شراء أراضٍ محيطة بالمخيم، وإيجاد أماكن أخرى كمساحات للعب أو حدائق عامة، خارج حرم المدارس التي نؤمن بانها للتعليم وللتعليم فقط. الاونروا منظمة وجدت لخدمتنا، وبالتالي فهي ملزمة بالاستماع الى ملاحظاتنا “.
إكتشفْ إنسانيتك
بلا شك، هو واقع لا يتقبله عقل عاقل على الإطلاق. وحقيقة يومية لا زالت تجتازها السنين دون أن تؤثر بها. فكيف تحرص الجهات المعنية على توفير قسم من الحقوق المعيشية لجيل، يكفيه ما يعانيه من حرمان وفقر متقع في مناحي الحياة كافة، ولا تؤمّن له تالياً، جزءاً يسيراً من “ترف” يعني له الكثير.
ومما تقدّم، ستبقى القبور الملاذ الدائم لأطفال فلسطين، يرودونها تبعاً لحرمانهم وبؤسهم، فيجدون فيها، فسحة خصبة لإشباع حاجتهم الى اللهو.
ولمن يريد اكتشاف إنسانيته مجدداً، أدعوه لأن يقوم بزيارة الى تلك المخيمات.
تحقيق : زلفا عسّاف
 

انشر عبر
المزيد