قراءات نقدية في المجتمع والدولة في "اسرائيل"

16 أيلول 2013 - 02:41 - الإثنين 16 أيلول 2013, 14:41:19

قراءة في كتاب : "النفي في كتابة إسرائيل" : ابحاث فلسطينية حول النظام والمجتمع والدولة في اسرائيل
إعداد وتحرير إسماعيل الناشف
مدار – رام الله – 2011
الكتاب هو "ثمرة ورشة عمل تدريبية تمت في مركز "مدار" بعنوان "قراءات نقدية في المجتمع والدولة في اسرائيل" بدأت في العام 2010. يضم الكتاب 6 دراسات تجمعهم هذه القراءة النقدية: الأولى تركز على نظرة احدى الروايات الصهيونية الى الانسان الفلسطيني (أمين دراوشة)، الثانية محاولة "فهم تشكل الايديولوجيا القومية في فلسطين في فترة مبكرة نسبيا من تاريخ النضال الفلسطيني ضد الصهيونية"، مع محمد عزة دروزة نموذجا (هاني عواد). الثالثة هي دراسة في الخطاب الثقافي الفلسطيني بعد أوسلو (آيات حمدان)، والرابعة تدرس "تأثير الصراع الديني العلماني في اسرائيل على التسوية السياسية" (محمود الفطافطة) والخامسة تأخذ من مفهوم الديمقراطية مدخلا لدراسة "وضع الأقلية العربية داخل النظام الاسرائيلي" (نظام السايس) والسادسة تبحث في "المرجعية الدينية والتاريخية والفكرية لجدار الفصل العنصري" (سعيد يقين).
يمكن اعتبار مقدمة الكتاب للباحث اسماعيل الناشف بمثابة الإطار النظري والتأسيسي لتلك الدراسات. في هذه المقدمة، يحاول الناشف وضع أسس "مشروع معرفي بديل تحرري من المشروع العلمي الحديث" اذ لا يمكن فصل العلم الحديث عن النظام الرأسمالي وممارساته الاستعمارية. ومن يعتقد أن "على المستعمَر أن يتقن الحداثة العلمية وأن يسخرها لمشروع تحرره أو انعتاقه من المستعمِر" كما تروج له اليوم النخب في مجتمعاتنا، يواجه إشكالية كبرى وهي تحويل محاولة انعتاق المستعمَر الى صورة للمستعمِر، ومن ثم تكريس التبعية له. يرى الباحث ان العلم الحديث يقوم بوظيفة اساسية وهي انتاج متخصصين يلبّون احتياجات السوق، والعلم في هذا السياق "لا يحرر الانسان من قيود الطبيعة والمجتمع، أنه يصنع قيودا من نوع جديد"، وتشكل المهنة والقانون أهم إفرازات سيطرة هذا النوع من العلم. فعلى المستوى الجماعي، "تم تحويل الخطاب الثوري الى خطاب قانوني" أما على مستوى الفرد، تم تحويل المناضل الى "مهني"، فهو الناشط في مؤسسات "المجتمع المدني" الذي تم تدريبه على مخاطبة "المجتمع الدولي" (العالم الرأسمالي الاستعماري) ليحل وسيطا وليس فاعلا في الصراع. أي ان حلول التناقضات في العالم أصبحت مقولَبة في سياق النظام الاستعماري، ولا تخرج عنه إلا بعملية انعتاق، تبدأ من تفكيك الخطاب السائد الذي كرّس المهنية "الثورية" واللغة القانونية، اذ يتم استخدام عادة القانون لترسيخ "علاقات القوى القائمة" و"عنصر أساسي من عملية الترسيخ هذه هي المعرفة القانونية من حيث إعادة موضعتها كأرضية مؤسساتية يقف عليها "المتنازعون"".
ثم يتناول الكاتب وضع المعرفة والبحث الفلسطيني مؤكدا في البداية أن "الباحث في النظام الاستعماري في فلسطين لا يستطيع إلا ان يتخذ واحدا من موقفين، منها النافي (للنظام الاستعماري) أو المكرِّس (له)" ويجزم ان الموقف النافي هو الناتج عن "قراءة دقيقة أكثر للبنية النظامية له" وليس المكرّس. ويضم في هذا النظام الاستعماري الحركة الصهيونية من ناحية والفكر الفلسطيني "الذي يحاصر الحدث الفلسطيني في مستوى رد فعل ناف ومباشر للصهيونية" من ناحية أخرى، في ظل غياب "العمق الصامت" وهو العمق العربي الاسلامي الانساني، كما يحدده الكاتب. ويبحث الكاتب عن "موقع الارتكاز المعرفي" خارج النظام الاستعماري في فلسطين، الذي يرى الصهيونية ليس كما تقدّم نفسها بل كما هي، أي امتداد للاستعمار الرأسمالي اذ يؤكد أن "النظام الاستعماري في فلسطين تحقق إمبريقيا في شكل الحركة الصهيونية، ولكن لا يمكن اختزال النظام بالحركة الصهيونية فهو أوسع وأعمق منها".
يعتبر اسماعيل الناشف ان الدراسات التي يقدم لها تأتي في مرحلة ثالثة من الأبحاث الفلسطينية النقدية، اذ كانت المرحلة الأولى تحاول احتواء النظام "عن طريق تحديد معالمه التاريخية الدينية والاسطورية، لتقول فيما أوسع وأشمل منه لتتجاوزه الى ما هو خارجه"، أما المرحلة الثانية كانت العودة الى الذات الفلسطينية وقد "غلب على هذه اللحظة قضية محاكاة المستعمِر والتماهي معه وتقليد مشروعه السياسي والمعرفي"، في حين تخرج المرحلة الثالثة المقترحة عن النظام الاستعماري وعن "النظامية الفلسطينية التابعة له". لا يلغي هذا الموقع المراحل السابقة، بل على الذات "الغوص في ذاتها العمودية وعدم الاتكاء على الآخر كمرجعية في التعريف". يعترف الكاتب في أول هامش للمقدمة ان بعض التيارات الاسلامية حاولت بناء "هذا النوع من الجسد المعرفي البديل" الذي يسعى الى تأسيسه، ولكنها فشلت حسب رأيه بسبب "التركة الوطنية التي لم يستطع التيار الاسلامي إلا أن يرثها بمستوى الثقافة السياسية على الأقل".
تمثل دراسة آيات حمدان عن الخطاب الثقافي الفلسطيني بعد اتفاقيات أوسلو إحدى تطبيقات هذا المشروع المعرفي "البديل". في المقدمة، تعتبر الباحثة أن "لحظة أوسلو شكلت تحولا في نظرة الفلسطيني الى نفسه، فأصبح أكثر انغماسا وقربا من الرواية الصهيونية والتأثر بها كرواية مفروضة يجب القبول بها". وبعد التأطير النظري للدراسة من خلال الاستعانة بالمفكر الايطالي غرامشي للتأكيد على أهمية الصراع الثقافي عندما يخفت صوت "البندقية" أو الصراع الطبقي، وبالمفكر الفرنسي ألتوسير للتأكيد على شمولية الايديولوجيا المسيطرة التي تشكل وعي والهوية الثقافية للجماعة، وعملية الاستلاب التي تتم بسبب استلاب ظروف الوجود ذاته، تؤكد الباحثة ان الاستلاب في الحالة الفلسطينية ناتج عن الاستعمار الصهيوني للمكان وسيطرة الرأسمالية المرتبطة مصلحيا بالمشروع الصهيوني.
فالايديولوجيا المسيطرة تعيد صياغة المفاهيم وفي الحالة الفلسطينية، تعيد صياغة "الثوابت الوطنية" كما تعيد انتاج "ذاكرة جمعية جديدة تستند الى معايير ونظرة الطبقة المهيمنة"، فهي تتدخّل في كل أشكال التعبير عن الهوية الفلسطينية، وتنتج مناهج تعليمية جديدة لصياغة وعي الفرد الفلسطيني الذي عليه ان يستوعب ويتقبّل هذه الهيمنة. الطبقة المهمينة هنا في الحالة الفلسطينية هي التي سيطرت على حركة التحرر والتي حولتها الى جهاز مرتبط بالهيمنة الرأسمالية والصهيونية، والتي لها مصالح واسعة لتلعب، كما يصف ذلك الكاتب الثوري فرانتز فانون، دور "الوسيط" بين الهيمنة الرأسمالية والشعب. لقد حوّلت عملية اوسلو المشروع الوطني الفلسطيني الى مشروع سلطة سياسية "عمل على محو الذاكرة الجمعية وإعادة صياغة وتشكيل فلسطين والمجتمع الفلسطيني وفقا لسياسته الخاصة" وأسّست لدور "المجتمع المدني كوسيط وناقل لمفاهيم العولمة".
تسلط الباحثة آيات حمدان الضوء على دور "المجتمع المدني" في صياغة المفاهيم الجديدة ما بعد أوسلو في الأراضي المحتلة عام 1948، بعد ان تخلت القيادة الفلسطينية عن هذ الجزء من الوطن وعن أهله. وتدرس المواثيق التي صدرت، منها "الدستور الديمقراطي" عن مركز عدالة و"وثيقة حيفا" عن "مجموعة من المثقفين والأكاديميين والناشطين الفلسطينيين برعاية مركز مدى الكرمل"، لترصد مدى سيطرة الخطاب الحقوقي الذي "أصبح رأسمالا رمزيا للعديد من المؤسسات الفلسطينية في الداخل المحتل"، على الخطاب الفلسطيني العام.
تعتبر الباحثة ان صياغة هذه المواثيق في الداخل المحتل تعبر عن اندراج الفلسطينيين في "الصيغ الاستعمارية التي فرضت عليهم، مما يضعف إمكانية توحيدهم ولو معنويا في مواجهة المشروع الاستعماري الصهيوني". في الوقت الذي مطلوب فيه الحفاظ على الهوية الوطنية وإعادة تشكيلها لتكون "أحد الركائز الضرورية لعملية التحرر" يتم الاستعانة بالمرجعيات والمعايير الغربية لتكريس الانقسام، اذ كيف يمكن ان يكون فلسطينيو الداخل امتدادا للامة العربية والاسلامية في الوقت الذي يطالبون فيه أن يكونوا "مواطني دولة إسرائيل"، "ذلك الكيان الاستعماري الغربي" ؟ في هذه المواثيق، يعتبر فلسطينيو 48 أنفسهم "أقلية" تطالب بحقوقها داخل دولة الكيان المحتل، اضافة الى الاعتراف بحق "الشعب اليهودي الاسرائيلي بتقرير مصيره" (وثيقة حيفا)، ما يعمّم ثقافة التشرذم الفلسطينية والهيمنة الاستعمارية، انطلاقا من الخطاب الحقوقي الذي يروّج له الغرب الاستعماري.
تأخذ الباحثة المنهاج التعليمي الذي وضعته سلطة أوسلو كنموذج لدراسة اعادة صياغة المفاهيم والذاكرة الجمعية الفلسطينية، كون المدرسة "الجهاز الايديولوجي الأول الذي يعمل على اعادة انتاج وسائل الانتاج" (ألتوسير). فلاحظت، عبر رصدها لكتب التاريخ، أن فلسطين شبه غائبة في حين تم التركيز على تاريخ الحضارات المختلفة، وثم تأتي "القضية الفلسطينية في إطار ما أسماه الكتاب "قضايا عربية معاصرة"، ولكن بشكل عابر ومقتضب". أما حول جغرافيا فلسطين، فلم يعد الساحل الفلسطيني إلا ساحل غزة، بعد تغييب عكا وحيفا ويافا. يركز المنهاج الفلسطيني الجديد على القيم الليبرالية مثل "التسامح، اللاعنف، الحريات الفردية، المساواة" ويشجع على دراسة المواد العلمية والتقنية، من أجل ربط الانسان الفلسطيني بالعولمة وعدم خلق "ثقافة معادية" للكيان الصهيوني، بل الحفاظ عليه من خلال قيم "التسامح" ومقولة "قبول الآخر".
خصصت آيات حمدان الجزء الثالث لدراسة الأدب الفلسطيني ما بعد أوسلو من خلال رواية ربعي المدهون "سيدة من تل ابيب" كمثال لل"رواية الجديدة" "التي تحاول صوغ ذاكرة جماعية جديدة". ففي هذه الرواية، لم يعد الفلسطيني ينتمي الى فلسطين الوطن، بل "الوطن هو حيث تتحقق إنسانية الفرد ويجد حريته وكرامته"، كما أشار الكاتب في مقابلة معه. ولكن تلاحظ الباحثة في المقابل ان "المتسعمِر الصهيوني يتمتع بحق الوجود على أرضه المزعومة". يحاول ربعي المدهون تغيير صورة العدو من خلال أنسنته ولا يطمح الى نهاية حالة الاستعمار بل "العيش المشترك" في أحضانه. وتخلص الباحثة الى القول أن "الرواية الفلسطينية (الجديدة) تعيد إنتاج الفلسطيني التابع المغترب عن هويته ووطنه، الذي يحوّل منفاه الى أوطان بديلة".
وفي الختام، تعتبر آيات حمدان ان الشعب الفلسطيني بحاجة الى التخلص من حالة التبعية من "خلال التأسيس على أرض جديدة تتم عليها مواجهة الخصم" حيث يتخذ الحراك الثقافي دورا مهما ليعيد "انتاج تاريخه الخاص وتشكيل مروياته التي تتناسب مع تاريخه وثقافته وطبيعة وعيه الجمعي الوطني، عبر فكفكة الاستعمار من خلال تفكيك المنظومة الثقافية التي عمل على نسجها عبر سنوات طويلة وهدم البنية الفكرية لمروياته الاستعمارية".
 

انشر عبر
المزيد