"لحلوح".. رصاصة الاحتلال الغادرة تغتال حلمه وتنهي آمال عائلته

10 أيلول 2013 - 01:04 - الثلاثاء 10 أيلول 2013, 01:04:11

"كان يخفي بين هدوئه وصبره وابتسامته العريضة التي لا تفارق محياه معاناة كبيرة حملها منذ صغره، وجعلته يتحمل مسؤولية أضعاف عمره بإعالته لأسرته وتوفير كافة احتياجاتها بعد مرض والدة حتى أتت رصاصة الغدر "الإسرائيلية" لتستقر في قلبه وقلوب كل من أحبه، لتنهي معها حياته، بهذه الكلمات بدأت والدة الشهيد "مجد لحلوح 21عاما " الحديث عن نجلها الذي استشهد في مخيم جنين خلال مواجهات اندلعت بين شبان المخيم وقوات الاحتلال قبل نحو أسبوعين.
والألم يعتصر قلبها، والدموع لم تجف بعد من عينيها، وبصوت متحشرج تكمل السيدة المكلومة "كان مجد همه الأول تلبية كافة حاجيات البيت وعدم تركنا نحتاج لأي شيء رغم عمره الذي لم يتجاوز الواحد والعشرون عاما، فهو بمثابة عمود البيت والعون الأساسي والمعيل الوحيد للأسرة المكونة من تسعة أفراد خصوصا بعد مرض والدة المزمن وتوقفه عن العمل منذ أربع سنوات ".


حلمه علاج والدة
صمتت الأم قليلا، لتعود الدموع تنهمر من عينيها لتتمالك نفسها من جديد وتضيف" تحمل مجد كثيرا في حياته وحرم نفسه من السعادة، وأن يعيش كغيرة من الشباب في عمره من أجل إسعاد عائلته، وإنقاذ حياه والدة، فكان دائما يقول "أشعر بالمرارة وأموت في كل لحظة ألف مرة عندما أرى والدي يتألم ويتعذب والمرض يفتك به، وأنا لا أستطيع أقدم له شيئا".
تابعت الأم الحزينة حديثها قائلة: "كان في نفس الوقت طالبا في جامعة القدس المفتوحة في جنين يدس إدارة الأعمال في السنة الثالثة وكله تصميم على إكمال دراسته الجامعية رغم كل الصعوبات المالية التي كانت تواجهه العائلة وظروف عمله الصعبة"، مبينةً أن خبر استشهاده حل عليها "كالفاجعة"وكذلك على الأسرة التي لم تستطع تصديقه واستيعابه إلى الآن ولا سيما أن إبنها لا ينتمي لأي فصيل سياسي.
ووصفت السيدة التي دخلت في نوبة بكاء، بعد أن استطاعت أن تجفف دموعها، نجلها بالولد البار المكافح صاحب الخلق العالي وحبه للناس وهدوئه وصمته، إضافة لتكريسه كل وقته لعائلته، وبالشخص الصبور على أشقائه لا يتواني عن الوقوف بجوارهم وخاصة شقيقاته البنات الخمس وتلبيه كافة طلباتهم، مبينه أن علاقته بوالديه كانت مميزة وهي علاقة أصدقاء".


وجع الفقدان
وبينت الأم أنها باتت تفتقده حين يدخل عليها قبل نومها ليعانقها ويقبل يديها ويصر في بعض الأوقات على إيقاظها حتى بعد نومها، كما تفتقد لابتسامته الدائمة التي زرعها في قلوب ووجدان كل من عرفه وعاشره، مشيرة إلى أنه لا شيء في هذه الدنيا يمكن أن يعوضها عن فقدان حنانه وعطفه وسعه قلبه التي لا توصف بكلمات.
في نهاية حديثها دعت والدة الشهيد أمهات الشهداء للصبر والاحتساب وأن يشكرن ويحمدن الله عز وجل بأن أبنائهن شهداء في سبيل الله، فهم في جنان عرضها السماوات و الأرض.
وحكمت رصاصات الاحتلال الغادرة على "مجد" بالرحيل وهو في ريعان شبابه قبل أن يكتمل حلمه وأمنياته في الحياة برعاية أسرته وينقذ حياه والدة الذي نال منه مرض "البلازما" تكسر صفائح الدم الذي دمر حياته وجعل حالته الصحية خطيرة ومعرضا للوفاة في أي لحظة، ليفتح جرحا غارا في حياة عائلته التي كانت تضع عليه أمالا كثيرة لمساعدتها في ظل ظروف الحياة الصعبة التي تحياها.
بدوره، يشير والد الشهيد أن نجله كان كل يوم بعد عودته من الجامعة الساعة الرابعة عصرا يذهب للعمل في إحدى مطاعم الوجبات السريعة حتى الساعة الثالثة فجرا من أجل توفير احتياجات الأسرة المالية بسبب مرضه وعجزه عن العمل.


مهام رب الأسرة
أوضح والد الشهيد بأن نجله كان يحلم إنهاء دراسته والسفر للعمل في الإمارات العربية المتحدة بجوار "أخواله" حتى يستطيع توفير مصاريف علاجي كوني أحتاج إلى 30 وحدة دم أسبوعيا، معتبرا نجله الذي يقوم منذ مرضه بمهام رب الأسرة بالشاب الفلسطيني الطموح الذي قست عليه ظروف الحياة وأرهقته همومها.
قال الوالد برابطة جأش:"يوم استشهاده عاد إلى المنزل الساعة الثالثة فجرا من العمل ونظر إليَ نظرات عميقة لم أفهما أو جد لها تفسير ثم خرج ليسلم على بعض أقاربه في الشارع، وبعد عشر دقائق سمعنا إطلاق نار أثناء محاولة الاحتلال اقتحام المخيم، ليأتي أحد الجيران ليخبر العائلة بأن مجد قد أصيب".
وأضاف بعد أن قاطعت كلماته تنهيده طويلة تختصر وجع المرض وألم الفراق " ذهبنا إلى المستشفي مسرعين وجدناه قد فارق الحياة بعد أن استقرت رصاصة متفجرة في قلبه لتقسم أربعة أقسام"، لافتاً إلى أن نبأ استشهاده كان صعبا عليه كونه الشقيق الأكبر لأخواته، لكن إيمانه الثابت بالله عز وجل جعله يحتسبه ويصبر على هذا المصاب، ويشكر الله عز وجل الذي شرفه وكرمه باستشهاده، وأن يسأل الله أن يكون مغفرة ورحمة لأسرته.


عشق الشهادة
وحول عشقه للشهادة ذكر أنه لم يبوح أمام الأسرة يوم من الأيام بأنه يتمني الشهادة، ولكن بعد استشهاده جاء أصدقائه وأخبروا بأن ليلة القدر كان يدعو في المسجد أن يرزقه الله الشهادة في سبيله، وكان يقول لأصدقائه بأن يقوموا بإلصاق صوره على كل الجدران بعد استشهاده، مشيراً إلى أنه علم بعد استشهاد نجله أنه كان يكتب على صفحته الشخصية على "الفيس بوك" بعض العبارات التي توضح مدى عشقه لنيل الشهادة.
يذكر أن الشهيد "مجد" قضى الثلاثاء (20-8 - 2013) برصاصة غادرة خلال مواجهات عنيفة شهدها مخيم جنين بين مئات الشبان وقوات الاحتلال، التي اقتحمت المخيم فجرا كما أصيب عدد آخر بجراح مختلفة, واعترف الاحتلال أن الهدف من عملية التوغل في المخيم كانت اعتقال القيادي البارز في حركة الجهاد الإسلامي الشيخ بسام السعدي، ولكن المحاولة باءت بالفشل.


المصدر: الاستقلال

انشر عبر
المزيد