القرصنة الإلكترونية .. بين الجريمة المنظمة والجهاد المشروع

25 آب 2013 - 11:03 - الأحد 25 آب 2013, 11:03:38

أ. وائل رمضان
كلنا يتذكر الهجوم الشهير الذي قامت به مجموعة من القراصنة العرب(الهاكرز)على المواقع الإلكترونية للكيان اليهودي؛ مما أسفر عن اختراق مواقع حساسة، منها على سبيل المثال:موقع الاستخبارات اليهودية، وموقع البورصة اليهودية، وكذلك سقوط عشرات الآلاف من حسابات الفيسبوك، ولا شك أن هذا الحدث فتح الباب لتساؤلات عدة عن هذه الحرب الجديدة، والتي خلفت وراءها خسائر ضخمة بلغت ملايين الدولارات، فضلاً عن تسريب بيانات ومعلومات مهمة وسرية، وانهيار وشلل كامل في بعض المواقع الحساسة.ومن هذه التساؤلات:هل تُعَدّ القرصنة الإلكترونية جريمة يعاقب عليها القانون؟ هل القرصنة بهذا الشكل جهاد مشروع، أم مخالفة شرعية تستحق العقاب؟ وللإجابة عن هذه التساؤلات كان التحقيق التالي:
القرصنة المفهوم والتاريخ
عندما يتبادر إلى أسْماعنا كلمةُ قرصنة، فإنَّنا نتخيَّل عصابات سرقة السُّفن البحريَّة والسَّطو عليها، ونَهْب ما فيها وأَسْر طاقمها، وهو ذاته ما يفعله قرصان الأنظمة الإلكترونيَّة بالضبط، لكن بوسائل حديثة، ودون أن يُعرِّض نفْسَه للخطر.
فالقرصنة الإلكترونية أو المعلوماتيَّة هي عمليَّة اختراق لأجهزة الحاسوب تتمُّ عبْر شبكة الإنترنت، ويقوم بِهذه العمليَّة شخصٌ أو عدَّة أشخاص متمكِّنين في برامج الحاسوب وطرائُقِ إدارتِها.
وقد بدأَتْ ظاهرة القرصنة والاختراق مع بداية ظهور الحاسبة الإلكترونِيَّة، وازدادت إزدياداً كبيراً مع استخدام تقنية الشَّبكات؛ حيث يشمل الاختراقُ الهجومَ على شبكات الحاسوب من قِبَل مُخترقي الأنظمة الإلكترونيَّة ومنتَهِكي القوانين، كما يبيِّن التطوُّرُ الحاصل في مَجال سرِّيَّة المعلومات التي تغطِّي الإنترنت بالإضافة إلى تقنيات أخرى كالاتِّصالات.
إحصائيات وأرقام
كشف متخصصون في مجال أمن النظم والبيانات وحمايتها أن خسائر منطقة الشرق الأوسط جرّاء عمليات الاختراق والقرصنة الإلكترونية بلغت نحو 400 مليون دولار حتى نهاية العام الماضي، لافتين إلى أن المنطقة سجلت معدلات أكبر من مثيلاتها العالمية في زيادة عمليات الهجمات الإلكترونية، إذ زادت بنحو أربعة أضعاف مقارنة بنحو الضعفين عالميًا.
وأوضحوا أن المنطقة تشهد ارتفاعًا ملحوظًا في معدلات الاختراقات والهجمات الإلكترونية، في ظل غياب قوانين فاعلة لملاحقة المتسببين في تلك الهجمات، مؤكدين أن دولاً في المنطقة مثل مصر والسعودية يتصدران قائمة ضمت دولاً عالمية حول الأكثر إصابة بفيروس(زيوس)الشهير.
مشيرين في الوقت نفسه أن:«حجم تقديرات الخسائر المالية على المستوى العالمي جرّاء الهجمات والقرصنة الإلكترونية، وفقاً لدراسات وتقارير مؤكدة، بلغت نحو 100مليار دولار حتى نهاية عام 2008».
مخـاطـر القرصنة على الاقتصاد العالمي
ونظرًا لما تمثله عمليات القرصنة من خطورة على الاقتصاد العالمي، أعلن وزير الخارجية الأميركي(جون كيري) الاتفاق رسميًا مع الصين على إنشاء مجموعة عمل مشتركة تسعى للحد من عمليات القرصنة الإلكترونية، موضحًا أن الهجمات الإلكترونية المتكررة من قراصنة الإنترنت والحاسب، أصبحت تهدد بقوة القطاع الاقتصادي بما فيه من مؤسسات حيوية في كلا البلدين، وأضاف كيري في تصريحات صحافية، أن تلك الهجمات أصبحت من تحديات العصر الحديث، ليس لبلاده أو للصين فقط، ولكن لأغلب الدول، حيث تأثرت دول كثيرة بهجمات قرصنة إلكترونية.
حُكْم القرصنة الإلكترونية
أثارت مسألة القرصنة الإلكترونية جدلاً بين الفقهاء، ولا سيما فيما يتعلق بقرصنة المواقع الإباحية والمواقع المعادية للإسلام؛ فبينما أيده بعضهم بوصفه أحد أنواع الجهاد ضد العدو، رأى آخرون أنه قد يعود بالسلب على المسلمين إذا استخدم في غير وقته.
وقد أصدر سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله آل الشيخ مفتي عام المملكة العربية السعودية ورئيس هيئة كبار العلماء، فتوى في حكم تعطيل المواقع التي تعادي الإسلام والأخلاق وتخريبها؛ حيث وجه إليه سؤال قال فيه السائل:
-إذا كانت هناك مواقع في الشبكة العنكبوتية(الإنترنت)تعادي الإسلام وتبث أشياء غير أخلاقية، فهل يحل لي إرسال فيروسات لتعطيل تلك المواقع وتخريبها؟
- الحمد لله:شبكة الإنترنت هذه من وسائل الاتصالات الحديثة والسريعة في إيصال المعلومات الواسعة من حيث الانتشار وسهولة الوصول إليها، وهي إن استغلت في الخير والدعوة إلى الله ونشر دين الله في أصقاع الأرض من قبل الأفراد والمؤسسات الإسلامية المختلفة، فلا شك أنها من الجهاد في سبيل الله بالبيان واللسان، ويجب على المسلمين استغلالها وتسخيرها لهذا الغرض السامي الخير.
أما المواقع الفاسدة المضلة والمضرة بعقائد المسلمين من خلال التلبيس والتشكيك، والمضرة بأخلاقهم كذلك من خلال ما يعرض فيها من الدعوة إلى الفساد وتيسير طرقه، وتعليم الناشئة لهذه الأمور وتربيتهم عليها من خلال ما يعرض فيها - فلا ريب أن هذا من أعظم المنكرات التي يجب التصدي لها وإنكارها وفق قواعد إنكار المنكر التي جاء بها النص من الكتاب والسنة، وبين فضلها علماء الأمة، والله تعالى يقول:{وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ}،(آل عمران:104)، ويقول -صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الذي رواه عنه أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-:«من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(صحيح مسلم الإيمان(49)، وسنن الترمذي الفتن(2172)، وسنن النسائي الإيمان وشرائعه(5009)، وسنن أبي داود الصلاة 1140).فمن اطلع على موقع من هذه المواقع فوجد فيها تلك المفاسد فليغيرها بحسب ما يقتضيه الحال؛ لأن هذا ضرر، والضرر إن كان يزول من غير ضرر وجب إزالته، وكذا إن زال بضرر أخف منه، أما إن لم يزل إلا بضرر أعلى وأكثر فلا يزال بل يحتمل أدنى الضررين لدفع أعلاهما. فإن كان محاربة مواقع الفساد بمثل هذه الفيروسات لا ينتج عنها ضرر أكبر من ضرر وجود تلك المواقع، فإن هذا من أعمال القربات ومن الجهاد في سبيل الله.وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
وذهب إلى ذلك أيضًا الشيخ الدكتور فهد بن سعد الجهني أستاذ الدارسات العليا الشرعية بالممكلة؛ حيث أوضح أن نصرة الدين لها مجال واسع وفسيح عن طريق المواقع الإلكترونية، وهو«الجهاد الإلكتروني»موضحًا أنه«لا مشاحة في الاصطلاح والعبرة بالمضمون ومدى موافقته للمنهج الشرعي».
وقال:«لذلك فإنني أرى أن أبناء المسلمين الذين يجتهدون في الإفادة من هذا الباب الواسع في محاربة الفكر المنحرف أو تدمير المواقع المفسدة، وكذلك مواقع المعتدين على أهل الإسلام الذين استولوا على مقدساتهم وانتهكوا أعراضهم كالصهاينة المعتدين، فإن محاربتهم بكل وسيلة مشروعة ومن كل وجهة هو من الجهاد»، مشترطاً «عدم تجاوز حدود الله في الخصومة».
أما الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن عبد الله السند أستاذ الفقه المشارك بالمعهد العالي للقضاء والخبير بمجمع الفقه الإسلامي الدولي فيرى أنه إذا كان تدمير الموقع المدمر يسبب ضررًا على الدين والأخلاق، فإن العلماء لا يرون الضمان على من أتلف ما يضر بالدين والأخلاق، مستشهدًا بقول ابن قيم الجوزية:«وكذلك لا ضمان في تحريق الكتب المضلة وإتلافها»..وتابع قائلاً:فعلى هذا لا ضمان في تدمير الضار من هذه المواقع ولكن، قد يقال:إن تدمير هذه المواقع قد يؤدي بأصحابها إلى تدمير مواقع أهل الإسلام والمواقع النافعة كمواقع الدعوة الإسلامية الصحيحة وغيرها، فنقول:إن الأمر يقدر بقدره، فإن من شروط إزالة المنكر ألا يترتب على إزالته منكر أكبر منه فلا يزال.
من هنا، فإن خلاصة الأمر أن القرصنة التي يقصد منها ما أشار إليه العلماء، فهي مباحة شرعًا على من يستطيع، أما إذا قصد منها الإضرار بالغير، وسرقة أو إتلاف ممتلكات الغير من مال أو فكر فهي لا شك محرمة شرعًا، وتعتبر جريمة «بكل معنى الكلمة» لأنها تغتصب حقوق الناس من خلال السطو والسرقة أو تدمير البيانات القيمة وتخريب الأنظمة الحاسوبية والشبكات.
كيف تَحمي نفسك من الهاكرز؟
يبدو أنه من المستحيل تجنب مثل هذه الجرائم في حياتنا المعاصرة، نظراً لقصور قدرات عقل الإنسان، وكذلك تعقيدات التكنولوجيا، ولا يوجد حتى الآن تشريع ناجح قادر على إنهاء الجريمة الإلكترونية، لذلك على الناس أن يفهموا حقوقهم وواجباتهم ويحاولوا وضع قوانين صارمة وتفعيلها لحماية أنفسهم من القرصنة الإلكترونية، ومن هذه الوسائل:
1-استخدِم أحدث برامج الحماية من الهاكرز والفيروسات، وقُم بعمَل مسْح دوريٍّ وشامل على جهازك في أوقاتٍ مُتقاربة، خصوصًا إذا كنت من رجال الأعمال، ومِمَّن يستخدمون الإنترنت يومياً.
2-لا تَدْخل إلى المواقع المشبوهة، مثل:المواقع التي تُعَلِّم التجسُّس، والمواقع التي تُحارب الحكومات، أو المواقع التي تحوي أفلامًا وصُوَرًا خليعة؛ لأنَّ الهاكرز يستخدمون أمثال هذه المواقع في إدخال ملفات التجسُّس إلى الضحايا؛ حيث يتمُّ تنصيب ملفِّ التجسس(الباتش)تلقائيًّا في الجهاز بِمُجرَّد دخول الشخص إلى الموقع.
3-عدم فتْح أيِّ رسالة إلكترونية من مصدر مجهول؛ لأنَّ الهاكرز يستخدمون رسائل البريد الإلكترونِيِّ لإرسال ملفات التجسُّس إلى الضحايا.
4-عدم استقبال أيَّة ملفات أثناء(الشات)من أشخاص غير موثوق بِهم، ولاسيما إذا كانت هذه الملفات تحمل امتداد(exe)مثل(love.exe)أو أن تكون ملفات مِن ذوات الامتدادين، مثل:(Ali.pif.jpg)، وتكون أمثال هذه الملفات عبارة عن برامج تَزْرع ملفات التجسُّس في جهازك، فيستطيع الهاكرز بواسطتها الدُّخول إلى جهازك، وإلحاق الأذى به.
5-عدم الاحتفاظ بأيَّة معلومات شخصية داخلَ جهازك، كالرسائل الخاصَّة، أو الصُّور الفوتوغرافيَّة، أو الملفَّات المهمَّة، وغيرها من معلوماتٍ بَنْكيَّة، مثل أرقام الحسابات، أو البطاقات الائتمانية.
6-قُم بوضع أرقام سرِّيَّة على ملفَّاتك المهمَّة؛ حيث لا يستطيع فتْحَها سوى مَن يعرف الرَّقم السريَّ فقط، وهو أنت.
7-حاول قدْرَ الإمكان أن يكون لك عددٌ معيَّن من الأصدقاء عبْر الإنترنت، وتوخَّ فيهم الصِّدق والأمانة والأخلاق.
8-حاول دائمًا تَغْيير كلمة السرِّ بصورة دوريَّة، فهي قابلة للاختراق.
9-تأكَّد من رفْع سلك التوصيل بالإنترنت بعد الانتهاء من استخدام الإنترنت.
10-لا تقم باستلام أيِّ ملف وتَحْميله على القرص الصلب في جهازك الشخصي إن لم تكن متأكِّدًا من مصدره.


المصدر- مجلة الفرقان

انشر عبر
المزيد