المحرران "مرداوي" و"البرغوثي" يتحدثان عن مغامرات "رمضان" داخل السجون

26 تموز 2013 - 01:52 - الجمعة 26 تموز 2013, 13:52:01

لشهر رمضان الكريم، صبغة خاصة بالأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، هو شهر الخير والكرم والراحة، والذكريات الجميلة أيضاً. فإلى جانب لوعة اشتياق الأسرى لأهاليهم على مائدة الطعام، تخرج إبداعاتهم في هذا الشهر في صناعة وجبات الإفطار والسحور الناتجة عن تجارب ومغامرات طويلة قادت إلى اتقان إعدادها.
وهذا الشهر أيضا الوحيد من بين شهور العام الذي يحاول السجانون الصهاينة قدر المستطاع خلاله تحقيق أكبر قدر ممكن من الهدوء والراحة للأسرى، ليس من قبيل منحهم الاستقرار أو العطف عليهم، بل لأجل المقايضة والمعاملة بالمثل، كيف ذلك؟! تعالوا نمضي معا في هذا التقرير الذي يسلط الضوء على حياة الأسرى داخل السجون في شهر رمضان.
الأسير المحرر المبعد إلى قطاع غزة، محمود مرداوي، بدأ بالحديث إلينا عن كيفية قضاء الأسرى أوقاتهم ونشاطاتهم بهذا الشهر، وطقوس الطعام داخل سجون الاحتلال.
يقول المحرر مرداوي: شهر رمضان يشكل مناسبة عظيمة بالنسبة للأسرى من خلالها يتقربون إلى الله كما الحال فى خارج السجون، ولكن الأسرى يتميزون عن باقى الفلسطينيين بأنهم يمتلكون الوقت والحوافز، كما أنهم الأحوج إلى الله لكي يثبتهم أمام عمليات قهر وإذلال السجان لهم".
وأوضح أنه في شهر رمضان، يتسابق الأسرى بقراءة القرآن وحفظ بعض أجزاءه، كما أنهم يشاركون بالصلاة الجماعية والزيارات بين الأقسام، وأضاف: داخل السجون لا يوجد في جعبة الأسرى حياة مادية أو مصالح، بل هناك وقت يجب أن يشغل بالطاعات والعبادات فليس هناك ما يقلقون بشأنه سوى أحوال عائلاتهم وأبنائهم بالخارج".
وعن الطعام المقدم للأسرى فى شهر رمضان، قال المحرر مرداوي: الطعام يأتي للأسرى من خلال المطبخ الذي يشرف عليه المعتقلون الجنائيون (الإسرائيليون)، ويأتي بشكل سيء ولا نطمئن له، ولكن فى داخل الغرف لدينا أدوات طبخ مختلفة من صنع الأسرى أنفسهم".
وأوضح أن الأسرى يحولون كل ما يشترونه من مقتنيات من الكانتينا، إلى أدوات طبخ للتغلب على قلة الأدوات، مشيراً إلى أن الأسرى قادرون على صناعة جميع أنواع الطعام من الألف حتى الياء، وهي تعد من إبداعاتهم بتحويل النقص في الطعام إلى شيء مقبول كماً وكيفاً.


مستلزمات الطعام
وعن توفر المستلزمات اللازمة لصناعة الطعام فى السجن، قال: "لا يوجد كل شيء، ولكن بالابتكار والتحويل يمكن الاستعاضة عن النواقص، مثلاً يوجد أرز بالكنتينا نشتريه ونقوم بإعداد المقلوبة أو الكبسة أو الأوزى، نخرج بهذه الطبخات فرحين ولكن لا يمكن أن تتشابه مع ما تصنعه أمهاتنا خارج السجن".
ولفت مرداوي النظر إلى أن جميع الأسرى يشاركون ويتنافسون على إعداد وتقديم الطعام، فلكل أسير مهمة يقوم بها، وأضاف مبتسماً: والأسرى عادة لا يمنحون فرصة لمشاركة المجازفين كونهم في شهر رمضان، وهناك تجارب بذلك، إلا أن الأسرى يمكن أن يمنحوا فرصة للذين لديهم ملكة الطبخ، فهم ناجحون بهذا المضمار ونثق بهم".
وكما يتشارك الجميع في إعداد وجبة الإفطار، كذلك يتشاركون في إعداد وجبة السحور، حيث يذكر مرداوي أحد المواقف الجميلة التي أعادته إلى ذكريات الزنازين، ويقول: لقد كنت أول من أضاف الليمون للبطاطا المقشرة المسلوقة، إلا أن الأسرى رفضوا الأمر بالبداية ولكنهم اضطروا للقبول بها لأنني المسئول عن السحور للأسرى".
ولكن هل تتوفر اللحوم الحمراء والبيضاء داخل السجون؟ وكيف تطهون طعامكم؟ يجيب مرداوي: هناك لحوم ودواجن وجبة واحدة فقط طوال الشهر تقدم لنا من إدارة السجون, ونستخدم القصدير للحفاظ على حرارة وسخونة الطعام وفي بعض الوجبات لا يتوفر لدينا معلبات بلاستيكية، ما يضطرنا لاستخدام القصدير ليأخذ شكل البلاستيك، ويتم تسخين الوجبات عن طريق البلاطة الكهربائية حيث يربطها الأسرى بقصدير ملفوف حولها بحبال، ويتم الطهي بسهولة".
وتابع: أحياناً أخرى لا نستطيع الحصول على اللحوم والدواجن، ونستعيض عنها بالتونة المعلبة، وهي تستخدم بشكل أوسع، حيث نقوم بغسلها ونجففها ونضعها مع الأرز في وجبة تسمى الصيادية أو مع المقلوبة, وأيضاً هناك معلبات المرتديلا حيث يستخدمها الأسرى في حال لم يتوفر لحوم أو تونة.

وللحلويات طعم آخر
أما عن شق إعداد الحلويات الرمضانية، يقول المحرر "مرداوى": نصنع الحلوى داخل السجن ومن أهمها (التفاحية)، حيث نقطع التفاح ونلفه بعجينة مصنوعة يدويا وتصبح حلوى شهية بعد خبزها".
أيضا هناك أنواع مختلفة من الهيطلية والمهلبية ومشتقاتها، حيث تصنع بشكل متقن, وهناك كذلك الكيكة التي تصنع بجميع أنواعها، حيث يشتري الأسرى أدواتها ومواد صنعها من الكانتينا ويكون منظرها رائعا"- يضيف الأسير المحرر.

وتابع: وأحياناً أخرى نصنع الحلوى من لا شيء، حيث نصنع حلويات من الخبز وتكون جداً شهية وكلها نتاج الخبرة والوقت, أيضا نصنع الهريسة والعوامة والقطايف".

ذكريات الأهل والأحباب
أما عميد الأسرى الفلسطينيين الأسير المحرر نائل البرغوثي، فتحدث عن الانتهاكات (الإسرائيلية) التي ترتكبها إدارة السجون ضد الأسرى خلال شهر رمضان المبارك، وقال: الانتهاك الأساسي الذي يستشعر به الأسير الصائم خلال شهر رمضان هو الحرمان من الجلوس مع الأهل والاجتماع معهم على مائدة واحدة فى هذا الشهر".
وأوضح أن الأسرى يستذكرون أهاليهم عند كل وجبة إفطار والذكريات الماضية التي كانت تجمعهم سوياً، مضيفاً: كانت وجبات الإفطار جلسة لذكريات الماضي، وتترك بداخلنا شجونا ومشاعر جياشة، وكل لقمة نتجرع معها ذكريات طعام الأم والزوجة ومداعبة الأبناء والشوق لهم, ويصاحب هذا الحزن تراجيديا مأساة كل وجبة طعام".
والطعام داخل الأسر خلال هذا الشهر الفضيل، ليس له طعم بسبب غياب الذهن إلى عالم الماضي، "فالمقلوبة لا تشبه مقلوبة الأم، والملوخية ليس لها علاقة بما تصنعه الزوجة، كل شيء يختلف تماماً عن الواقع"- يتابع البرغوثي.

المعاملة بالمثل
وعن غيرها من الانتهاكات التي تواجه الأسرى، أشار البرغوثي إلى أن إدارة السجون تعقد في أوقات معينة هدنة غير معلنة مع الأسرى، فتراهم يهدئون من وتيرة العنف ضدهم، وفجأة يقومون بعمل تفتيشات مفاجئة لغرف الأسرى للبحث على هواتف نقالة يتواصل بها الأسرى مع ذويهم لتبادل التهاني بقدوم هذا الشهر.
وأضاف: يبدأ التفتيش في أوقات الظهيرة ويستمر خمس أو ست ساعات متواصلة، ويكون الأسرى في هذا الوقت خارج الأقسام ما يعني أنهم لن يستطيعوا تحضير طعام الإفطار"، لافتاً إلى أنه في هذه الحالة يقوم أسرى من أقسام أخرى بتحضيره لهم لإفشال مخطط إدارة السجون.
وبيّن أن الاحتلال لا يوفر كل متطلبات الصائم وحاجياته، كما يسعى قدر الإمكان إلى إحداث الشغب في السجون من أجل قطع هدوء الأسرى في تعبداتهم وقراءتهم للقرآن وصيامهم.  
وأكمل البرغوثي: الأسرى يحاولون قدر الإمكان الابتعاد عن مصادر الاستفزاز وإثارة الشغب، ليحافظوا على الحد الأدنى من خصوصية الشهر الكريم، ولكن الاحتلال يتعمد إثارة العنف لكي يفسد علينا خلوتنا مع الله".
ولكن الأسرى يعرفون تماماً متي يردون الصاع صاعين لجنود الاحتلال وسجانيه، وفق البرغوثي، فمثلما هناك أوقات يحتاج إليها الأسير للهدوء للتعبد، هناك أيضاً أوقات أخرى يحتاج إليها السجان للهدوء لقضاء الأعياد اليهودية الخاصة بهم، وهنا تكمن المقايضة.
وقال في ذلك: ما تقدمه إدارة السجون لنا في مناسباتنا وأعيادنا، نقدمه لهم في مناسباتهم وأعيادهم، فالهدوء يقابله هدوء والشغب يقابله شغب أيضاً، ورغم ذلك إلا أنه لا بد من وجود منغصات (إسرائيلية) خلال شهرنا الكريم".

المصدر: الاستقلال
 

انشر عبر
المزيد