القبارصة الأتراك - رحلة البحث عن الهوية ..معاوية الياس ابراهيم

19 تموز 2013 - 11:31 - الجمعة 19 تموز 2013, 11:31:18

اصدر الاعلامي السوداني معاوية الياس ابراهيم كتابا جديدا بعنوان القبارصة الأتراك - رحلة البحث عن الهوية وأعد لهذا الكتاب خلال زهاء نصف عقد من الزمان،
وبما أن هذا الكتاب يبحث بشكل خاص في رحلة القبارصة الأتراك بحثاً عن هوية، سواءً أكانت رحلتهم هذه ستأخذهم إلى الغرب كمواطنين أوروبيين، أم سيبقون مع تركيا التي هي الأخرى تصارع من أجل أن تصبح أوروبية، فلا غرو أن يبحث الكاتب في علاقة قبرص بالإسلام والعرب، ثم يعرج بعد ذلك إلى تطورات الأحداث في العصر الحاضر.
تساءل كثيرون: "لماذا قبرص؟". يجيب معاويةالذي يعمل ويقيم في ابوظبي : أنني أتطرق لموضوع قلما كان مبحثاً لكتاب بأكمله. إنها قضيةُ شعبٍ مسلمٍ عاش عقوداً من المعاناة والعزلة والتجاهل. إنهم إخوتنا في الدين.. ولكن لم تتعد أُخُوتُنا لهم أُطُر المجاملات والمعرفة السطحية لهمومهم.
فربما لا يعرفُ الكثيرون أهمية قبرص للمسلمين.. وربما لم يسمع الكثيرون نبوة الرسول الكريم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ورؤياه التي رآها عن جزيرة قبرص وهو نائم في بيت إحدى الصحابيات الجليلات، حين رأى أن اناساً من أمته يغزون الجزيرة. وقد كان.. فصدقت رؤياه عليه الصلاة وأفضل التسليم،وغزاها جيشٌ كثيفٌ من المسلمين قاده معاوية بن أبي سفيان في سنة 28 هجرية. وسنأتي على ذكر هذه الغزوة بالتفصيل لاحقاً.
ولعل من أهم دوافعي لتأليف هذا الكتاب هي محاولة تذكير المسلمين بما قد نسوه، أو تناسوه، عبر القرون. وليست هذه محاولة محضة للإدعاء بأن قبرص ارضٌ للمسلمين!
فهُم، وكما تؤكد شواهد كثيرة، لهم الحق فيها.. فلطالما قطنوها وعمروها منذ أمد بعيد.
ومن المفارقات أن كثيراً من المسلمين اليوم لا يدرك أهمية قبرص التاريخية ولا الإستراتيجية. فهي اليوم بوابتهم إلى الغرب وبوابة الغرب اليهم.. وحري بهم أن يعيدوا النظر في أمرها.. أو على الأقل أن يعملوا بالسنة النبوية التي ان لم تحثهم صراحة بمجاهدة النفس والمال من أجلها، فقد أوحت اليهم بأن فيها خيراً عميماْ. ألم يحثنا ديننا الحنيف بأن نهاجر في أرض الله الواسعة؟!. وأي أرض؟؟ إنها بلاد مسلمة ما رأت عيناي أجمل منها قط. هذا ناهيك عن أنها بلاد للعلم والمعرفة.. ولا يضاهيها في ذلك إلا القليل من بين بلاد المسلمين.
وإن لم يكن طلب العلم دافعاً قوياً لنا كي نهاجر في أرض الله الواسعة، ففي ظني، وظن الكثيرين، أن أضعف الإيمان أن نمد يد العون لإخواننا القبارصة الأتراك. فهم في أشد الحاجة إلينا اليوم قبل الغد. على الأقل أن نعينهم، ما استطعنا، في "رحلتهم للبحث عن الهوية". وليس هذا بصعب المنال.
إن هذا الكتاب شاهد على عدة عصور حيث استغرق العمل فيه سنوات عدة، حتى يشمل كل ما ارتأيت أنه سيسهم في تقديم "القضية القبرصية"، بأسلوب مبسط وتسلسل تاريخي دقيق، وخاصة ما يتعلق منها بكفاح القبارصة الأتراك "ورحلة البحث عن الهوية" التي امتدت لعقود من الزمن دون أن يحرك العالم ساكناً.
يعرض الكتاب القضية القبرصية في قالب "السهل البسيط"، مع الكثير من المعلومات القيمة التي، بلا شك، ستفيد القارئ وتعينه على فهمها من خلال سردٍ مبسطٍ للأحداث مع الدقة في التفاصيل.
يعرض الفصل الأول تاريخ جزيرة قبرص الذي يعود إلى أكثر من 7000 سنة، كما يحتوي نبذة عن الجزيرة وواقعها اليوم.
الفصلان الثاني والثالث يحاولان الرد على السؤال الذي تصعب الإجابة عليه، ألا وهو: "قبرص: أهي تركية أم يونانية؟"، فيعرضان بعضاً من جوانب جذور القضية القبرصية، بدءاً بعلاقتها بالإسلام، ومروراً بالأحداث العارضة التي أججت الصراع بين شطري الجزيرة، ووصولاً إلى واقع الجزيرة اليوم.
الفصل الرابع يبحث في موضوع الإستقلال الذي تم التوصل إلى إتفاق بشأنه بين الطائفتين لمنح كل طائفة إستقلالها ولتقاسم السلطة والثروة وتقرير المصير بموجب دستور تم توقيعه وقتها. ولكن محاولات تقويض هذا الدستور أدت إلى أحداث عنف ومجازر إنتهت بتدخل تركيا لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وهذا ما تتناوله الثلاثة فصول التالية.
يناقش الفصل الثامن سياسة الإبادة العرقية التي انتهجها القبارصة اليونانيون ومحاولاتهم المستميتة لطمس الهوية الدينية للقبارصة الأتراك وإضفاء صبغة هلّينية "نسبةً إلى اليونان" على الجزيرة، مما أدى إلى فقدان الطائفة القبرصية التركية لوطنها وهويتها.
يوثق الفصل التاسع لما يشبه ما يسمى اليوم في أضابير السياسة بـ"حوار الطرشان" بين القبارصة اليونانيين والقبارصة الأتراك، وما شهدته من مد وجزر على مدى عقود خرج الطرفان منها في كل مرة بـ"خفي حنين".
أما الفصل العاشر فيتناول إستقلال الطائفة القبرصية التركية وإعلان دولتها المعزولة حتى اليوم. ويرصد الفصلان التاليان مجريات الأحداث في ما يتعلق بالمباحثات بين الحكومات السابقة والحالية في شطري الجزيرة إلى يومنا هذا، وما آلت اليه الأوضاع عبر السنين وخاصة المفاوضات المتعثرة بين الجانبين، والتي حالت دون التوصل إلى حل لهذه المسألة العالقة منذ حوالي أربعة قرون.
الفصل الثالث عشر، وهو بعنوان "مسلمون ولكن"، يسلط الضوء على علاقة القبارصة الأتراك كشعب مسلم بالعالم الإسلامي. وقد إخترت هذا العنوان الغامض لكشف حقيقة العلاقة الفاترة بين المسلمين في قبرص وبقية العالم الإسلامي، رغم ما شهدته من بوادر في السنوات الأخيرة، لا تعدو أن تكون روتينية. ويقودنا هذا الفصل إلى الجزء التالي الذي يبحث في بعض الحلول لمساعدة هذا الشعب للخروج من عزلته.
يحتوي الفصل الخامس عشر مقابلات صحفية أجريتها مع ثلاثة زعماء قبارصة أتراك – المؤسس والأب الروحي لهذه الدولة الفتية الزعيم الراحل رؤوف دنكتاش عليه رحمة الله، والرئيس السابق محمد علي طلعت، والرئيس الحالي درويش إروغلو. تدلل اللقاءات الثلاثة على بوادر "حسن النية" لدى الطرف القبرصي التركي لاقتسام الكعكة مع الآخر الذي يبدو متعنتاً رافضاً حتى "القاء التحية" عليه، ولو من باب المجاملة في كثير من الأحيان.
ويلخص الفصل السادس عشر القضية القبرصية في سطور، مما يميز هذا الكتاب ويجعله مرجعاً مفيداً للباحثين والمهتمين بالتاريخ.
الإعتراف الدولي
عملياً تتألف الجزيرة من دولتين مستقلتين هما دولة قبرص الجنوبية اليونانية المعترف بها دولياً تحت اسم جمهورية قبرص، وجمهورية قبرص الشمالية التركية التي لا تعترف بها دبلوماسياً سوى تركيا. وتكتفي بعض الدول العربية والإسلامية باستضافة مكاتب تمثيل لها وهي دولة الإمارات العربية المتحدة، قطر، البحرين، سلطنة عمان، الكويت، باكستان، أذربيجان، وقيرغيزستان، وبالطبع تركيا.
تتخذ كلا الدولتين من مدينة نيقوسيا (لفكوسيا باللغة اليونانية ولفكوشا باللغة التركية) عاصمة لها حيث تسيطر كل منهما على جزء من المدينة.
وبينما تأسست الجمهورية القبرصية المشتركة في عام 1960 على أسس دستورية تؤكد المشاركة بين الطائفتين، وهو ما لم يلتزم القبارصة اليونانيون به رغم توقيعهم عليه، أُعلنت جمهورية قبرص الشمالية التركية في العام 1983 إثر فشل المفاوضات بين الطائفين، حيث تطالب الطائفة القبرصية التركية بحقها في أن تعامل كشريك في دولة قبرصية تركية- يونانية، وليس مثل ما هو حاصل اليوم كأقلية مضطهدة مهضومة الحقوق في كنف دولة يونانية.
وتعيش جمهورية قبرص الشمالية التركية في عزلة شديدة طال أمدها. وتتعرض لحصارٍ قاسٍ في كافة المجالات، ولا سيما السياسية والاقتصادية والسياحية والثقافية وحتى الرياضية، باستثناء المساعدات التي تقدمها تركيا، وما تحظى به الجمهورية من اعتراف ضمني من منظمة التعاون الإسلامي التي منحتها صفة مراقب في المنظمة، وبادرت ببعض المشاريع الإستثمارية التي وإن كان سيرها بطيئا إلا أنها تعتبر خطوة جيدة في الإتجاه الصحيح.
بعد هذا التقديم الموجز لواقع جمهورية قبرص الشمالية التركية اليوم، لا بد لنا أن نعود قليلاً في رحلة عبر الزمن لنستكشف بعضاً من جوانب جذور القضية القبرصية، بدءاً بعلاقتها بالإسلام، ومروراً بالأحداث العارضة التي أججت الصراع بين شطري الجزيرة، ووصولاً إلى واقع الجزيرة اليوم.
لعل الرد على السؤال: هل "قبرص تركية أم يونانية؟" والذي جعلت منه عنواناً لهذا الفصل، يستحق كتاباً بأكمله ومبحثاً مستفيضاً، حيث تتعدد الحجج وتتضارب الروايات حول ماضي قبرص وإلى من تؤول ملكيتها، للقبارصة اليونانيين، أم القبارصة الأتراك!
إن الكثير من الشواهد تؤكد أن قبرص كانت منذ العصر الحجري مرتبطة من حيث الجنس والثقافة بالشرق ومن حيث اللغة بالأناضول. ورغم مجئ الفينيقيين من الشرق والإغريقيين من الغرب واستيطانهم في قبرص، إلا أن هؤلاء كانوا يشكلون أقلية في العصور القديمة. في حين أن الغالبية العظمى تتكون من القبارصة المحليين، أي الأناضوليين، وتؤيد ذلك اللغة المحلية التي كانت تسود طوال العهود القديمة.
وعندما وصل العثمانيون إلى الجزيرة لم يسعوا إلى إبادة السكان أو استعبادهم، ولكن حرصوا على العيش معهم جنباً إلى جنب. على عكس فرسان لوزنيان الفرنسيين (1192-1489) والبنادقة (1489-1571) الذين سبقوا العثمانيين إلى الجزيرة والذين انتهجوا سياسة القهر وعدم التسامح.
كلا الطرفين، التركي واليوناني، يطالبان بأحقيتهما في الجزيرة. القبارصة اليونانيون طالبوا مراراً وسعوا إلى اتحادها مع اليونان، بينما طالب القبارصة الأتراك بعودتها إلى الإمبراطورية العثمانية.
في آذار/مارس 1921 طالبت مذكرة رفعها كبير الأساقفة، رئيس المجلس الوطني، باتحاد الجزيرة مع اليونان.
وفي العشرين من أيار/مايو من نفس العام وافق المجلس على قرارات اضافية تتعلق بالاتحاد مع اليونان.
وما يدعـو للإستغراب أن هذه القـرارات أعربت عن عـدم الرضا إزاء ما وصفته بـ" رفض التطلعات القومية العادلة الداعية إلى الإتحاد مع اليونان".
وفي المقابل رفع المسلمون التماساً في 11 كانون الأول/ ديسمبر من نفس العام يطالبون بعودة الجزيرة إلى الإمبراطورية العثمانية.
وكان قد اجري استفتاء لضم الجزيرة إلى اليونان في 25 آذار/مارس 1921. وقد رفض ذلك الاستفتاء من قبل بريطانيا جملة وتفصيلا. وبعد عشر سنوات من هذا الاستفتاء أعلن أسقف كيتون في 21 من تشرين الأول/أكتوير 1931 انضمام قبرص الى اليونان، مفجراً أحداث شغب حرق على اثرها ديوان الحكومة. ودفع ذلك الإدارة البريطانية في الجزيرة الى اتخاذ إجراء فوري بترحيل الأسقف ومعه أسقف آخر وأثنان من قادة الحزب الشيوعي.
ولم تتوقف محاولات ضم قبرص الى اليونان. فبمبادرة من الكنيسة الارثوزكسية نظم في الفترة من 15 الى 20 كانون الأول/ديسمبر 1950 استفتاء آخر. لكن بريطانيا التي لم تكن تعترف بشرعية هذا الاستفتاء، اقترحت خلاف ذلك، مطالبة بمنح الجانبين القبرصي التركي والقبرصي اليوناني حقوقاً أكثر للحكم الذاتي. لكن لم ينفذ هذا الاقتراح. كما لم ينفذ اقتراح آخر منح قبرص دستوراً في العام 1954.
وقد أثارت الحرب العالمية الثانية المخاوف من أن يحاول الألمان السيطرة على قبرص وضمها الى اليونان. وقام مكتب تمثيل وزارة الخارجية البريطانية في قبرص بالترويج لفكرة أن يتم الإعلان عن استعداد بريطانيا لضم قبرص الى اليونان بعد توقف الاعتداءات، مقابل احتفاظ بريطانيا بقواعدها في الجزيرة. لكن مكتب الحاكم في قبرص رفض الفكرة.
كذلك كان يرى القبارصة الأتراك أن حقهم للحصول على الإستقلال، حالهم حال القبارصة اليونانيين، مبني بشكل أساسي على تاريخ الجزيرة والنسيج الطائفي والعرقي فيها. ويؤكد القبارصة اليونانيون أن بريطانيا التي كانت تحكم قبرص في العام 1956 قد وافقت على حق القبارصة الأتراك في الإستقلال، وتعهدت بأن القبارصة الأتراك لن يعاملوا على أنهم أقل من القبارصة اليونانيين، وأنهم يجب أن يمنحوا حرية أن يختاروا بأنفسهم مصيرهم ومستقبلهم، بحيث لا يقل ذلك عن حق القبارصة اليونانيين.
كما يقر القبارصة اليونانيون بأن بريطانيا تنازلت في العام 1960 عن السيادة على الجزيرة لكلا الشعبين.
لذا، فليس لأي من الطرفين الحق الحصري للإدعاء بالسيادة على كامل تراب الجزيرة. وهذا ما يجب التمعن فيه جيداً إذا ما أردنا إعمال المنطق وإحقاق الحق.
وقد وافق كل من اليونان وتركيا وكذلك المجتمع الدولي على هذا التنازل عن السيادة لكلا شعبي قبرص.
لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء
إذن ما من أحد يستطيع اليوم الإتيان بدلائل وبراهين على ملكية الجزيرة لهذا الطرف أو ذاك. كما أن هذا ليس هو جوهر القضية، فما انفكت الجزيرة تنتقل من يدٍ إلى يد، ومن قوة غازيةٍ إلى أخرى عبر العصور.
وما المانع في العيش والتعايش بين الطائفتين الموجودتين عليها الآن في سلمٍ وأمان، دون إدعاء لأي منهما بأحقيته التامة في السيادة عليها

انشر عبر
المزيد