قراءة في كتاب "الثورة المجهضة"..

15 تموز 2013 - 12:58 - الإثنين 15 تموز 2013, 12:58:34

[ الكتاب : الثورة المجهضة
[ الكاتب : ماجد كيالي
[ الناشر :المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 2013


على الرغم من مرور نحو خمسين عاًما على انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ، لم تتم عملية توصيف وتمحيص دقيقة ومتكاملة للتجربة السياسية والعسكرية والتنظيمية وملفاتها الساخنة والمتعرجة التي مرت بها في كل من الأردن ولبنان والأراضي المحتلة وصولاً إلى مرحلة التفاوض وقبلها تجربة الانتفاضتين الأولى والثانية.
يحاول الكاتب أن يعطي جرعة في التفكير النقدي بشأن التجربة الفلسطينية عبر طرح أسئلة متشعبة وبدائل ممكنة. بداية لم يخف الكاتب قدرة حركة التحرر الفلسطينية من استنهاض الفلسطينيين في البداية، وصوغ هويتهم كشعب وبعث كيانيتهم السياسية. في ما شكل رداً على محاولات التغييب والإلغاء التي تعرض لها الشعب الفلسطيني بعد اقتلاعه من أرضه في عام1948. وتمزيق وحدته المجتمعية بفعل المشروع الصهيوني. لكن بحكم تعقيدات الظروف الموضوعية لم تفلح الحركة الوطنية الفلسطينية في تحقيق مهماتها الوطنية، حيث تضاءلت كثيراً قدرتها على العمل في مجال الصراع ضد إسرائيل ومقاومة سياساتها العنصرية والعدوانية، لاسيما بعد ارتهانها لعملية التسويةالمجحفة، ولم يعد هناك مقاومة فعلية وحقيقية.
في الفصل الأول من الكتاب أشار الكاتب إلى أن الهوية الوطنية والكيانية السياسية عند الفلسطينيين برزت في ظروف صعبة وقسرية ومعقدة في إطار من القيودات والتشوهات في أواسط عقد الستينات من القرن المنصرم. واللافت أن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تنشأ نتيجة تطور اجتماعي وسياسي وثقافي في المجتمعات الفلسطينية المتشظية والتي تخضع لمحددات وقيودات ووصايات متباينة، وبالتالي فهي لم تنضج وسط ظروف ذاتية سليمة وإنما ولدت بفعل ولادة الحركات الوطنية السياسية ولاسيما منها حركة فتح التي يمكن اعتبارها حاملة لواء الوطنية والكيانية الفلسطينية. ويصل الكاتب إلى نتيجة مهمة مفادها "أن فتح بدت منذ انطلاقتها أكثر حركة تشبه شعبها بين الحركات القومية واليسارية والإسلامية الناشطة آنذاك، الأمر الذي جعل حركة فتح تستقطب الشرائح الواسعة من الشعب الفلسطيني في الداخل الفلسطيني والشتات، وقد ساعد الحركة في ذلك بأنها لم تطرح نفسها حزباً سياسيا. ويلفت الكاتب الانتباه إلى أن الكيانية الفلسطينية المعاصرة تأسست وتبلورت أصلا بين جموع اللاجئين الفلسطينيين في المخيمات، لأسباب عدة في المقدمة منها: عمليات الطرد وظهور حالة اللجوء الفلسطيني بعد إقامة إسرائيل على أكثر من سبعين في المئة من مساحة فلسطين التاريخية البالغة 27009 كيلومتر مربع، فضلا عن حالات الحرمان والبؤس التي لاحقت اللاجئين في منافيهم القسرية القريبة والبعيدة عن فلسطين. وفي هذا السياق يؤكد الكاتب بان أي وطنية أو هوية تفتقر إلى مجالها الاجتماعي والجغرافي وتخضع لسيادات مختلفة لا بد لها أن تواجه اهتزازات وتفككات، لاسيما إذا ارتهن وضعف حاملها السياسي. ولهذا كله لم يكن عامل الوقت لمصلحة الحركة الوطنية ومساراتها المتعرجة والحرجة في آن.
 في الفصل الثاني من الكتاب طرح الكاتب إشكالات المقاومة والعمل المسلح الذي كان يستهدف إبراز البعد الوطني الفلسطيني واستعادة قضية فلسطين من وصاية الأنظمة العربية السائدة التي همّشت وقيدت حركة الشعب الفلسطيني وقواه الحية. كما توخت الحركة الوطنية الفلسطينية من العمل المقاوم المسلح ضد إسرائيل تحريك الجبهات العربية والتوريط الواعي للجيوش العربية للرد على الهمجية والتوسع الإسرائيلي. ويصل الكاتب إلى نتيجة تتلخص" بان العديد من المؤرخين اعتبروا الكفاح المسلح هو المولد للهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة وان الكيان السياسي للشعب الفلسطيني قام من حول هذا الكفاح مثال يزيد صايغ في كتابه الكفاح المسلح والبحث عن دولة، الصادر عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية 2002 - ".
ويرى الكاتب إلى أن النظرة إلى الكفاح المسلح مرت بمسار متعرج. في البداية تم اعتباره وسيلة أساسية للتحرير. عاد الجدل بشأن مراجعة مكانة الكفاح المسلح في مطلع الثمانينات من القرن المنصرم وذلك بعد الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان بعد عام1982، وتكرر الجدل إبان الانتفاضة الأولى التي امتدت بين عامي 1987 و1993، حيث تمّ الانتقال بشكل رئيس إلى نمط المقاومة الشعبية وقد تعزز هذا الاتجاه بعد اتفاقات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية في ربيع عام 1994. بيد أن فكرة انتهاج الكفاح المسلح عادت للانتعاش باندلاع الانتفاضة الثانية في نهاية أيلول من عام 2000 والتي غلب عليها طابع المواجهات المسلحة والتنافس على العمليات الاستشهادية ، لا سيما بين حركتي فتح وحماس. إلا أن هذه الفكرة انكفأت مع رحيل الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في خريف عام2004. الملاحظ ان فكرة فتح حول التوريط الواعي للجيوش العربية بدخول حرب كلاسيكية مع الجيش الإسرائيلي قد باءت بالفشل لأسباب متشعبة ذاتية وموضوعية في آن. المعنى الحقيقي يتلخص بان الدول العربية على المستوى الرسمي كانت في واد وقيادة حركة فتح كانت في واد.
بالنسبة لعملية التسوية يفرد الكاتب الفصل الثالث من الكتاب لطرح إشكاليات التسوية والمفاوضات بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، ويرى ان تجربة العقدين المنصرمين من المفاوضات قد أثبتت بأنها مغامرة ومخاطرة سياسية، وعلى الرغم من إنشاء سلطة فلسطينية، بيد أنها كبحت جماح الفلسطينيين، وذلك لأسباب عدة حيث بات عدد كبير من قوة العمل الفلسطينية يعمل بأجهزة السلطة الخدمية بعيداً عن الإنتاج الحقيقي بالمعنى الاقتصادي للكلمة، وفي الوقت نفسه باتت السلطة الفلسطينية مرتهنة للخارج بفعل ارتباطها بالمساعدات الدولية منذ نشأتها في ربيع عام1994. الأمر الذي يعزز قدرة المانحين لابتزاز الفلسطينيين سياسياً وبالتالي إخضاعهم للشروط والمطالب الإسرائيلية المختلفة. ويرى الكاتب بان تجربة أوسلو والمفاوضات التي أوصلت إليها الاتفاقات افتقدت أصلا إلى مقدمات وظروف مواتية وبالتالي كانت النتائج غير متوازنة ولمصلحة المفاوض الإسرائيلي. لقد غابت المرجعيات الدولية والإقليمية أيضا. وبذلك لم تكن عملية المفاوضات في الأساس سوى استمرار لأمر واقع بطرقة أخرى.
في الفصل الرابع من الكتاب حاول الكاتب طرح إشكاليات النظام السياسي الفلسطيني وتطوره منذ نشأة منظمة التحرير الفلسطينية مروراً بإنشاء السلطة الفلسطينية في ربيع عام1994 وما بعده. وحمل الكاتب ضعف الأداء السياسي للفصائل المشكلة وللعوامل الخارجية الضاغطة.


مراجعة: نبيل السهلي
المصدر: المستقبل

 

انشر عبر
المزيد