أساطير الصهيونية / بشار بكور

11 تموز 2013 - 11:02 - الخميس 11 تموز 2013, 23:02:14

... لطالما سعتْ دولةُ "إسرائيل" عن طريق الدعاية والإعلامِ وسائر الوسائلِ المتاحة لديها، إلى أنْ تُقنِعَ العالم من حولها بأنَّها دولةٌ بريئة عفيفة، تقيةٌ نقية، حالها كحالِ الطفل بين وحوشٍ وذئاب، لا يأْلون الجهدَ في اقتناص الفرصة المواتية لافتراسه، وقدْ استطاعت إلى حدٍّ كبير أن تحقِّقَ ما سعتْ إليه دهرًا طويلاً.
عددٌ كبير من المؤلِّفين تحدَّثوا بين إيجازٍ وإسهاب عمَّا تدَّعيه الصِّهيونية من حقوقٍ تاريخية وجغرافية في "فلسطين" وغيرِ "فلسطين"، منهم المفكِّر الفرنسي "روجيه جارودي" في كتابه "الأساطير المؤسِّسة للسياسة الإسرائيلية"[1]، و"بول فندلي" في كتابه "الخداع"[2

وكان ممن ضَرَبَ بسهم وافر في هذا المجال، وقام بتفكيك الرِّواياتِ والدعائمِ الصِّهيونية "جون روز" John Rose في كتابه: "أساطير الصِّهيونية" The Myths of Zionism.؛ (نشر بلوتو برس: لندن 2004م، 232 صحيفة).
"جون روز" كاتبٌ يهودي بريطاني، من نقَّاد الصِّهيونية البارزين، يدرِّس علمَ الاجتماع في "ساوث وورك كوليج"، وجامعة "لندن ميتروبوليتن"، من كتبه "إسرائيل: الدولة الخاطفة: المراقب الأمريكي في الشرق الأوسط"
ينقض المؤلفُ في كتابِه "أساطير الصِّهيونية" الدعاماتِ والأُسسَ التاريخية والسياسية التي بَنَى عليها المشروعُ الصِّهيوني أساطيرَه وخرافاتِه.
فهو يقدِّم للقارئ نقدًا تحليليًّا لجذور الصِّهيونية، ويكشِف عوارَها وكذبَها وتحريفَها، وتشويهها للحقائق والأساطير التي تناولها "جون روز" بالنقد والتحليل قسمان: أساطيرُ قديمة تتعلَّقُ باليهودِ فيما خلا من الزَّمان، وأساطير جديدة تتعلَّق بيهود العالم المعاصِر.
بدأتْ فكرةُ الكتاب في صيف 2002 بعد أن أطلقَ "إيهود باراك" عدةَ تصريحاتٍ عنصرية، منها أنَّ الكذب صفةٌ جوهرية في ثقافةِ العرب؛ مع أنَّ باراك نفسه ممن يتقنون فنَّ الكذب والتضليل!
يتحدث المؤلف في الفصل الأول (التوراة هي عهْدنُا) عن أسطورةٍ في غاية الخطورة والتأثير، روَّج لها "ديفيد بن غوريون"، صانعُ الأساطير، وهي أنَّ التوراة أعطته وغيرَه عهدًا، بموجبه يحقُّ لإسرائيل أنْ تقيمَ دولةً في "فلسطين"، وقد خصَّصَ المؤلفُ عدَّة صفحاتٍ للحديث عن تخرُّصات "بن غوريون" واستخدامه النصوصَ التوراتية لدعم المشروعِ الصِّهيوني، وينقل استشهاداتٍ مهمة تبرهنُ على أنَّ الآثار الإسرائيلية ليس فيها ما يدْعَمُ الدَّعاوى الصِّهيونية حول "إسرائيل" القديمة Ancient Israel، أو ما يُسمَّى أحيانًا الملَكيَّة المتحدة لداود وسليمان The United Monarchy of David and Solomon التي يُزعَمُ بأنَّها وُجِدتْ من 1000 إلى 922 قبل الميلاد، يقول المؤلِّفُ "جون روز": "إنَّ العهدَ القديم مليءٌ بالكلمات المقدسة التي تمدُّ بالهدايةِ الروحية للشعب اليهودي بوصفِه شعبًا متدينًا، بالطبع هذه الكلمات هي مكتوبةٌ مع معانٍ معقدة إلى حدٍّ كبير، وتزود بنظامٍ عميق من اللاهوت والأخلاق، ما يزال يُلْهِمُ الملايين من النَّاس في العالَم المعاصر، لكنَّه ما يزال يجب علينا أنْ نكشفَ عن أي أثرٍ لكلمات مكتوبة في فترة الملكيَّة المتحدة لداود وسليمان "إسرائيل" القديمة، تمامًا تحت ثلاثةِ آلاف عام مضتْ وتلك هي المشكلةُ، تشيرُ الكلمةُ المكتوبة إلى تقدُّم مجتمعٍ ما من ناحيةِ حضارته، و"إسرائيل" القديمةُ موصوفة بأنها نوعٌ متقدِّم من الحضارة، لكن أين كلماتُها؟ وَفْقًًا لـ "فنكلستين"Finkelstein و"سلبيرمن" Silberman مؤلِّفَي الكتاب الرَّائد "الكتاب المقدَّس المكتشَف: رؤيةُ علمِ الآثارِ الجديدةِ لإسرائيل القديمة، وأصل نصوصها المقدَّسة" The Bible Unearthed: Archaeology’s New Vision of Ancient Israel and the Origin of its Sacred Texts، إنَّه ما من أثرٍ واحد لنشاطٍ أدبي إسرائيليٍّ في القرن العاشر قبلَ الميلاد قد اكتُشِف على الإطلاق"[3].
ويتحدث الفصل الثاني عن (أسطورة النُّزوح)، بوصفِها الصفة المميِّزة لليهود، ويبيِّن كيف أنَّه حتَّى سقوط الهيكل في القدس منذُ ألفَيْ عام، كان جلُّ اليهودِ يعيشون خارج "فلسطين"، متفرِّقين في أنحاء الإمبراطورية الرومانية وما وراءَها، خصوصًا "بابل".
أمَّا الفصل الثالث فيناقش أسطورةَ الآلام والمآسي والاضطهادات المريرة التي تعرَّض لها اليهودُ لفترةٍ دامت ثمانية عشر قرنًا! ويوازنُ هذه الصورة الواسعة الانتشار بنشوء التَّاجر اليهودي في أوروبا الوسيطة، ويشير المؤلفُ إلى أنَّ الدور الاقتصادي لليهود في أوروبا يمكنُ أنْ يزيدَ سوءَ قضيةِ العداء المسيحي للسَّامية، كما أنَّه ينشطها، غير أنَّ الصهيوينة لا تتحدثُ إلا عن جانبٍ واحد من القصَّة، كان الحكَّام المسيحيون في الغالب مستعدين لحمايةِ رعاياهم اليهودِ النشيطين اقتصاديًّا، فاليهودُ كانوا وسطاءَ تجاريين بين مصادرِ الإنتاجِ في الأراضي النَّائية وبين الملوك والنُّبلاء، وباحتكارِهم للتجارة وبوجهٍ خاص البضائع الثمينة، أصبح اليهودُ عاملاً لا غنيةَ عنه للطبقات المسيحية، ومنحتهم هذه الخاصِّيةُ الكثيرَ من المزايا، وقدرًا كبيرًا من الاستقلالية، لكنْ شهد القرنانِ الرابع عشر والخامس عشر منافسةً تجارية، تقودها طبقاتٌ مسيحية في إسبانيا وفرنسا وإنكلترا، عملتْ على نزعِ هذه الخاصيةِ من اليهود، بل على أكثر من ذلك، وهو طردُهم من البلاد، كما حصل في إسبانيا عام 1492م.
وفي الفصلين الرَّابع والعاشر يلقي المؤلفُ الضوءَ على (العلاقاتِ العربية - اليهودية)؛ ففي الرَّابع يتحدَّثُ عن هذه (العلاقاتِ في ظلِّ الدولة الإسلامية بين القرن العاشر والثالث عشر الميلاديين)، وفي الفصل العاشر يصِفُ (العلاقةَ المعاصِرَة بين العرب واليهود)، يريدُ المؤلِّف من خلال هذين الفصلين أنْ يفنِّدَ دعوى الصِّهيونية؛ وهي أنَّه من غيرِ الممكن للعربِ واليهود - بحجَّة الاختلافِ والبون الشاسع بينهم - أن يعيشوا معًا في وئامٍ وسلام، ويدعم المؤلفُ اعتقادَه بإمكانيةِ العيش المشترك بين اليهودِ والعربِ بنقلٍ موسَّع ومهم عن إحدى الدراسات للبروفسور "جويتين" Goitein، فقد اكتُشِفتْ في نهاية القرن التاسع عشر غرفةٌ في معبدٍ في القاهرة، يعود إلى القرن الحادي عشر، هذه الغرفةُ مليئةٌ بالوثائق والكتاباتِ لتجَّار وعلماء وحرفيين يهود، تحتوي الوثائقُ على معلوماتٍ تاريخية مهمةٍ جدًّا، تبرزُ بوضوحٍ أنَّ اليهودَ في تلك الفترة كانوا جزءًا أساسيًّا من النَّسيجِ والثقافة الإسلاميين[4].
أمَّا الفصلان الخامس (أرض بلا شعب)، والسادس (لشعب بلا أرض) فيهدفانِ إلى تفكيك العنوانين اللَّذَيْن يحملانهما، يتحدَّثُ المؤلف بالتفصيل عن الزِّراعة المزدهرة التي قام بها العربُ في الأراضي الفلسطينية قبل أن تغتصبَها يدُ الصِّهيونية في القرن التاسع عشر.
ويخصص المؤلِّفُ في الفصلين السابع والتاسع الحديثَ عن أسطورةِ أنَّ الدعاوى الصِّهيونية من أجل التحرير والاستقلال الوطني لليهود يمكِنُ موازنتُها بنضالِ الشُّعوب المقهورة في أجزاء أخرى من العالمِ في القرن العشرين، لكن الصِّهيونية في حقيقةِ الأمر إنْ هي إلا حركةٌ تسير في الاتجاهِ المعاكِسِ، فبعد الحربِ العالميةِ الأولى ساعدتِ الصِّهيونية في تَوْطيدِ دعائمِ حكمِ بريطانيا الاستعماري على العالمِ العربي، وبعد الحربِ العالمية الثانية غدتِ الدولة اليهودية حليفًا استراتيجيًّا لا غنًى عنه للولايات المتَّحدة، ذاتِ المصالح والرؤى الاستعماريةِ في المنطقة، وفي كلتا الحالتين يقول المؤلف: كانت الصِّهيونية تعتمد اعتمادًا كليًّا على القوى الاستعمارية الغربية، ويجدُ القارئ في الفصل السابع حديثًا مهمًّا حَوْل ادِّعاءٍ فحواه: أنَّ الدافعَ الأساسيَّ وراء وعد "بلفور" كان اعتقادُ مجلسِ وزراء الحرب البريطاني أنَّ النفوذ اليهودي في بريطانيا وروسيا يمكن أنْ يساعدَ في تعزيز موقفِ الحلفاء في الحرب مع ألمانيا.
ويتحدَّى الفصل الثامن أسطورةَ أنَّ المحرقة النازية التي صلي بها اليهودُ تتيحُ حالةً لا نقاش فيها، من حيث الدفاع عن الصِّهيونية، نعم "الهولوكست" واحدةٌ من الجرائم التاريخية البشعة؛ لكنها لا تسوِّغ بحالٍ إيجادَ دولةٍ يهودية مبنيةٍ على الإقصاء العنيف لشعبٍ آخرَ من وطنه، وهذا ما حصل تمامًا عام 1948م.

إنَّ العمى أو التعامي عن محاولةِ فَهْم الحقائقِ السياسية للشَّعب الفلسطيني، هو بحدِّ ذاتِه أمرٌ كافٍ لرؤية الصِّهيونية حركةً متطرِّفة، تستخدم جميعَ وسائل العنف ضدَّ الشعب الفلسطيني، مما لم يَعُد يخفى على ذي إنصافٍ وبصيرة أيًّا كانت نحلتُه أو ملَّتُه.
في الختامِ يقولُ المؤلِّف: "الصِّهيونية هي المشكلةُ، وإزالتها شرطٌ سابق للسَّلام في الشرق الأوسط، إنه شرط سابق من أجل المصالحة بين العرب واليهود في "فلسطين"، تلك هي الخاتمةُ الوحيدة الممْكِنة لهذا الكتابِ، أنا لستُ بحاجةٍ إلى أنْ أُقنعَ القرَّاءَ العرب بهذا؛ لأنَّ الغالبيةَ العظمى من العرب تؤمنُ بهذا الحقِّ البدهي، جلُّ النَّاس في أوروبا وأمريكا الشمالية ليسوا مقتنعين بهذا الأمر، ومع أنَّ الدعوى من أجلِ العدالة للفلسطينيين مسموعةٌ بصورةٍ عالية أكثرَ من ذي قبل، إلا أنَّه ما يزالُ هناك اعتقادٌ متلكِّئ بأنَّ دولةً يهودية في "فلسطين" مسوغةٌ أيضًا، وأنه يمكن بطريقةٍ ما للطرفين أنْ يكون بينهما تصالحٌ"[5].
أعتقد أنَّ "جون روز" في كتابه "أساطير الصِّهيونية" استطاع بخبرتِه الأكاديمية ومعرفتِه الدقيقة، واستشهاداتِه المهمة أنْ يعرِّي الصِّهيونيةَ من الحقوقِ التاريخية والسياسية والجغرافية التي زعمتْها لنفسِها، وأنْ يخلعَ عنها حجابَ الفضيلة والحق والصدق، وغيرها من الخصال التي طالما قاتلَ لأجلِها وروَّج لها دعاةُ الصِّهيونية ومؤسسوها، وعلى رأسهم "ثيودور هرتزل" و"ديفيد بن غوريون"، إنه بحقٍّ كتابٌ نفيس، وجديرٌ به أن يُترجَمَ للقارئ العربي إنْ لم يكن ترجم من قبل.

--------------------------------------------------------------------------------
[1] نشر دار الشروق: القاهرة، ط 1، 1998م.
[2] شركة المطبوعات للتوزيع والنشر: بيروت 1993م.
[3] Rose, John. The Myths of Zionism. (London: Pluto Press, 2004) p. 20.
[4] المرجع السابق، ص 65 وما بعد.
[5] المرجع السابق، ص 201.

انشر عبر
المزيد