نفحاتٌ تناصية في سباعية السرغيني / عـادل بـوحـوت

10 تموز 2013 - 11:40 - الأربعاء 10 تموز 2013, 23:40:16

قراءة في قصيدة "فواكه فاس السبع" للشاعر المغربي محمد السرغيني

تطل علينا "فواكه فاس السبع" من شرفة الحداثة الشعرية العربية المعاصرة، لتعلن عن تمرُّدها في وجه المتعارف عليه، شعريا و ثقافيا .
شعريا: لاندراجها ضمن خانة منجز شعري عربي، رفع شعار التحرر من قيود العروض الخليلي، وهو تحرر محكوم بقيود نظَّر لها الرعيل الأول لما سمي بمدرسة الشعر الحرّ، وفي مقدمته نازك الملائكة. إلا أن تحولات جذرية مست المشهد الشعري العربي، في العقود الأخيرة من ق 20، غيرت الكثير من ملامحه، وترتب عنها بروز ثلة من الشعراء، وجدت في التفعيلة نفسها قيدا ينبغي تكسيره والانعتاق من ربقته، سعيا إلى صناعة شعرية تتخذ من نفسها نموذجها، في نفي شبه تام لما يمكن عده نموذجا سابقا يتم النسج على منواله.
وهو الجيل الذي وسم بمصطلح أثار من الجدل الشيء الكثير، هو مصطلح قصيدة النثر. ولا شك أن الشاعر المغربي محمد السرغيني طبع قصيدة النثر هذه بطابع خاص، يبيح لنا في غير ما تردد وضعه في قائمة رعاة هذا المولود الجديد.
وثقافيا: لتحول القصيدة بين يدي الشاعر من فعل كتابة إلى فعل انكتاب، من خلال الفيض الروحي، والوجداني، والثقافي، الذي تعلن عنه مقاطعها. فيض يميط اللثام عن الأشياء، وهي تضطلع بفعل كتابة الشعر، وكتابة نفسها، من خلال رؤيا الشاعر، التي تدمج الماضي في الحاضر، فلا تغدو للحاضر أية إمكانية للحضور، إلا من خلال الماضي البعيد، الذي تحكي سمفونيته فواكه/أزقة المدينة العتيقة، وهي تدخل مع الشاعر في حوارية يمتزج فيها الغزل والرثاء والحكي، ويتناغم فيها التاريخ والخيال والأسطورة.
هكذا تغدو الكتابة في هذا المستوى صرخة مدوية - بصيغة المتعدّد- تعلن عن انفلات خيط الانتظام، الذي عودتنا عليه أنماط القول، التي كان من الممكن اعتبارها ثقافية.
إن التمرد على الثقافي هنا، ليس إلا ثورة على نظام الأقانيم، الذي لطالما عمل - في نظر الشاعر المعاصر- على تقييد فعل الإبداع، وخنق صوت الحرية، الذي ما فتئ يمثل جوهر الشعر، وحبره الذي يكتب به، في وجدان الإنسانية وضميرها .
وقصيدة فواكه فاس السبع، بهذه المعاني، منجز شعري يتأبى عن التحديد، أو قُل: يتمنع عن التنعم بفيء اسم من الأسماء يظلله، ويحجبُ عنه أشعة اللاتحديد الحارقة. منجز شعري يسمعك، من تآلف مكوناته، ترنيمة حزينة، تحكي ملابسات إحدى رحلات الشاعر في غياهب الزمان والمكان، مزودا بذاكرة تعمل على التلاعب بأدق التفاصيل، سعيا إلى تحقيق فعل إعادة البعث. إعادة بعث الأشياء لا كما كانت، ولكن كما كان ينبغي لها أن تكون، وكما يراد لها أن تصير. ولا يفلح الشاعر هنا في إخفاء عشقه الدفين لأزقة فاس، التي يبدو أنها تجاوزت هي الأخرى ضيقها المشاع - في شبه تواطؤ تفاعلي- لتقاسم الشاعر، برحابة صدر، فيضا وجدانيا متضاربا على خليج الماضي، ضاق به صدره وعجز عن احتوائه في حضورها المتناقض، وتقدم نفسها- بعد أن اتخذت أسماء في عالم الفاكهة- موصوفة بعدد أسطوري، ما انفك يلقي بروحانيته وسحره على رؤية الإنسان للعالم وللوجود من حوله.
تبدو فاس، في المشهد الشعري الذي يتصدره العنوان، شجرة أسطورية ضمت في أحضانها/أغصانها الضاربة في جذور الزمان والمكان، سبعة من ألذ صنوف الفاكهة، لتحيل إلى علاقة الاشتهاء/الحب، التي تحكم علاقة الشاعر بالشجرة/المدينة، وهي علاقة يمكن قراءتها -إذا ما جردنا العنصر الأول من العنوان من صيغة الجمع- باعتبارها منطوية على الرغبة في القطف وارتكاب الخطيئة، ترسيخا للانتماء وتمجيدا لفعل الهبوط والنزول إلى أزقة فاس، التي تمكث بانحناءتها الأزلية في سفحها القديم.
وفي هذه المقاطع(الأزقة) السبعة، التي يصر الشاعر نفسه على وسمها بالمرثيات، تنبعث من رمادها- على مرأى من القارئ الملح - مثل طائر الفينيق، تلك الأصنام التي أعلن الشاعر المعاصر عن أفولها، بل وتخرج إلى الضوء، لتعلن عن عودة مقنعة للموروث الشعري المتمثل أساسا في الوقوف على الطلل، فالشاعر يرثي واقفا أزقة- أجسادا، لم يتبق لها إلا أن تتخلى عن ذرعها الأول (زقاق، درب، باب)، وتستجدي في المقابل بذرعها الثاني (الرمان، مشماشة، الخوخة...) الذي أبقى على جماله وسحره بقاء الفاكهة- التي جعلت عنوانا له - رمزا من رموز الخصب والاشتهاء والتلذذ... من هنا يبدو الوقوف على الطلل- حسبما علمنا النموذج الأصلي للشاعر باصطلاح جابر عصفور- طقسا من طقوس الإكبار للمكان من جهة، في مقابل الحسرة على عوادي الزمان من جهة ثانية. فحب المكان راسخ، لارتباطه بالمنبت الأول، والنشأة، والذكرى الجميلة، والسخط على الزمان ثابت، لاتصاله بعنصر التبدل إلى ما هو أسوأ.
إنّ التناص، باعتباره شكلا من أشكال تعددية الأصوات داخل النص الواحد، يحضر بقوة في معظم مقاطع القصيدة؛ وهو حضور من شأنه أن يسبغ على النص – أيّ نص - سحرا لا يكاد يقاوم، خصوصا إذا ما وضعنا في الاعتبار تنوع مشارب هذه الأصوات، بين القرآن، والأسطورة، والتاريخ، والفلسفة، والشعر، والمثل... ينضاف إلى هذا الحضور المتميز للإشارات التناصية، قدرة فائقة على الجمع بين المتباعدات، في سياق تجربة تخييلية لا تكتفي بعملية الجمع، بل تتعداها إلى إلباس العناصر – بعض امتصاصها – لباسا حربائيا، يتلون بلون التجربة القرائية، التي تعلن هي الأخرى عن نفسها، باعتبارها نصا/صوتا آخر يحضر ليغيب، ويغيب ليقدم نفسه طرفا زئبقيا، في عملية التحاور والتفاعل مع النصوص/الأصوات المنبعثة من المقروء.
تبدو المقابلة بين: فوقية الموقع، الذي اختارت رمانة فاس نشر عروشها فوقه (وهو السور)، وبين نكران الذات الذي تعلن عنه، في ردها التحية - والتحية هنا رشق بالحجارة- بأحسن منها (وهو تناص اقتباسي )، أقرب إلى المقابلة - التي سبق إليها الشاعر القديم - بين: ترفع النخيل (ودعوة الإنسان إلى اعتناقه تشبها)، وبين إكرامه لصاحب التحية (الراشق بالحجر)، في قوله:
كُن كالنَّخيل عن الأحقاد مُرتَفِعًا تُرمى بالحجر فتَرمي بأطيب الثمر
ويتصل فعل الرمي بالحجارة هنا، اتصالا وثيقا بنتيجته، وهي السقوط على الأرض، إذ إن هذه الثمرة/المدينة المحببة إلى النفس سقطت، غير أن السقوط أبقى على اللب سليما، بعدما شوه القشر. غير أن ما يهم الشاعر هو عناصر اللب، التي بقيت في تلاحمها، وكثرة عددها شاهدة على تعدد أسامي من وقعوا في هوى هذه المدينة.
يحضر النخيل في المقطع الثاني تصريحا، ليغيب عن الأنظار، بعد صدور الأمر بالاجتثاث، وهو الأمر الصادر عن هيأة اتخذت صفات فاكهة الزبيب، الذي يتصدر المجالس بمذاقه الحلو، وانكماشته المغرية، وهو لم يبلغ بعد سن الرشد... وهنا يظهر في الخلفية المثل العربي: "تزبب قبل أن يتحصرم"؛ محملا بمختلف الدلالات التي تحيل في النهاية إلى السرعة في اتخاذ القرار، وإلى الفجاجة، وإلى كل ما من شأنه أن يكون سببا في إثارة الفتنة، وهي فتنة اختار لها الشاعر مكانا تاريخيا، هو مدينة أفسوس .
وبصيغة المفرد هذه المرة، يوقظ الشاعر واحدة من بنات المشمش من سباتها العميق، بعد أن نضجت واستوت على سوقها، لتدرك – وهي على مشارف النهايات - أن الاكتمال مرادف للفناء، وأن النهاية ليست سوى عود على بدء...وبهذه المعاني، التي لا تكاد تخلو من عمق فلسفي في رؤية الوجود وتمثله، تتكشف أمامنا الخلفية الفلسفية والفكرية التي ينطلق منها الشاعر، في مناولته للفعل الإبداعي. وهو يعود ليؤكد مرة أخرى أن الذي يعنيه هو اللب، والجوهر، وكل ما هو ثابت وراسخ وعريق ... أما القشر، والنواة، ومخلفات الريق... فلا حاجة له بها، لأنه لا يكترث لما يمكن أن يغير وجه هذه المدينة، مادام الجوهر ثابتا لا تنال منه تقلبات الدهر.
ويبحث الشاعر في المقطع الرابع – وفي زحمة من الحصار المضروب عليه من قبل توتة ضاق بها الدرب، وأخذت ترشقه (الشاعر) بحصى الترمس - عن إمكانية لإثبات الوجود، من خلال تسويغ الملكية، موظفا لهذا الغرض أسلوب النداء الموجه – على غير العادة - إلى لام الملكية، معززة بياء النسبة:(يا لي !)، وتاركا المجال واسعا لافتراض هذا المنادى، الذي تربطه به علاقة تملك وحيازة. وهنا يمكن أن تطفو على السطح " فـاس" باعتبارها تيمة بؤرية، تتعدد تمظهراتها في مختلف أركان النص وزواياه، طولا وعرضا.
يواصل الشاعر في باقي مقاطع القصيدة خوض مغامراته اللغوية والتخييلية، التي لا تنفك تتخذ من إحدى فواكه فاس المتبقية عنصر إثارة، واستفزاز، واستحضار لشعوب غيبها التاريخ (الهكسوس )، وتاريخ تلاعبت باتساقه تناقضات الحاضر... ويستفحل أمر الغور، بعد أن استفحل أمر السطح، لكون الدود الذي في الدود عضويا، ولتحول الزيتونة (رمز السلام المعهود) إلى ضحية من ضحايا حرب ضروس أعلنها - بفأسه غير الموهوب - حطاب مجهول الاسم...
هكذا يعلن الشاعر – وقد اختار الخروج متسللا من أزقة فاس ودروبها وأبوابها ممتطيا ظهر أفعى...!!- عن نهاية رحلته المكوكية، التي قادته إلى الكشف عن أسرار التكون، وتفاصيل ما قبل البداية، وطقوس النشأة والتحول والفناء في سجل هذه المدينة، التي أبت إلا أن تتلبس بالرمز، إخفاء لسرها وسحرها، الذي اختزنته فاكهتها بين القشر واللب، وأخذت تمرر تعاليمها – عبر جذور البرقوق هذه المرة – إلى الماء والطين، معلنة عن حلول صيفها، مهدى إلى الجرادة بعدما نفخت فيه عشتار من روحها...

انشر عبر
المزيد