الفن الفلسطيني: من 1850 إلى حاضرنا

27 أيار 2013 - 03:30 - الإثنين 27 أيار 2013, 03:30:25

لم يحظَ الفن المرئي في الشرق الأوسط بعد بالتقدير الذي يستحقه. حتى اليوم، إن سألت أي مار في شوارع القاهرة، أو بيروت، أو رام الله عن الفنون التي تشملها الفنون الجميلة، فقد يذكر لك الشعر أو الموسيقى بدلاً من الرسم أو التصوير. ومع أنه يحتفى بالتجهيزات والتسجيلات الفيديوية في مساحات فنية سرية، إلا أنها لم تتسلل بعد إلى المخيّلة الشعبية. ومنذ بضعة أعوام، كتبت عديلة العيدي هنية، الناقدة وكاتبة المقالات المتخصصة بالتاريخ المعاصر للثقافة العربية ومديرة مركز خليل سكاكيني الثقافي في رام الله لنحو عشرة أعوام، بحثاً مميّزاً للمؤسسة الأوروبية الثقافية قيّمت فيه مواضع نجاح وفشل المبادرات الفنية المعاصرة في المنطقة. وقد لاحظت أنه يجدر بذل كم هائل من الجهود لزيادة الاطلاع على "الفنون المرئية التي لا تتمتّع بالسطوة التي يحتفظ الأدب بها في الثقافة العربية الراقية أو المساحة التي تحتلها الموسيقى في الثقافة العربية الشعبية".
وإذا كان الفن المرئي متورّطاً في معركة صاعدة، فإن تاريخه يواجه قمماً أكثر شموخاً. وقد شهدت الأعوام العشرة الماضية تغييرات هائلة طرأت على المشاهد الثقافية في عدة مدن عربية. فإذا بهيكليات مستقلة لإنتاج الأعمال الجديدة وعرضها تظهر في القاهرة، والاكسندرية، وبيروت، وعمان، ورام الله. وافتتحت أو من المرتقب أن تفتتح مساحات للفن التجريبي في الجزائر، والرباط، وطنجة، ودمشق، والقدس، والمنامة. وأصبحت الأحداث المنظّمة مثل معرض الصور الفوتوغرافية في القاهرة، ومنتدى الأشغال الداخلية في بيروت، وبينالي الشارقة، منصات مهمة لتطوير ممارسات الفن المعاصر بنظرة نقدية. وفي الوقت نفسه، ازداد الاهتمام الغربي بفن الشرق الأوسط إلى حد بعيد ومن المتوقّع أن يتم إطلاق عدة مؤسسات ثقافية بارزة في دبي، وأبو ظبي، والدوحة.
في خضم كل هذه التغييرات، لا غرابة في أن يتحوّل تاريخ الفن العربي المعاصر إلى مجال بحث طارئ. وتعدّ متابعة وليد رعد للمشروع المعروف بمجموعة أطلس استكشافاً لتاريخ الفن العربي العصري والمعاصر قائماً على عدة مراحل مكرّسة لمختلف المواقع والسياقات شأن بيروت وأبو ظبي. وتهتم غاليري مقام في بيروت التي افتتخت في بداية العام 2009 باستعراض تاريخ الفن اللبناني على مدى القرنين التاسع عشر والعشرين. وأكبّت ندى الشبوط، كاتبة الفن العربي المعاصر: تطور الفن العربي، مؤخراً على دراسة التراث المعاصر للعراق لإبطال الروايات (الخادعة والسطحية في معظم الأحيان) الصادرة عن المراسلين الأجانب الذين يؤكدون دور التجريد في الفن العراقي فيما يغطون الغزو الأمريكي للبلاد.
لكن رهانات التاريخ الفني لا تبلغ أي مستوى أعلى من مستوى تلك الملحوظة في مجال الفن الفلسطيني لأن تدوين أي تاريخ ارتباطاً بالنزاع الإسرائيلي – الفلسطيني يبقى محكوماً باتخاذ طابع سياسي غالباً ما تؤدي رواية أحد مؤرّخيه إلى محو رواية الآخر.
ولا بدّ لكل من يهتم بالفن المرئي في العالم العربي من قراءة كتاب كمال بلاطة المذهل الجديد الفن الفلسطيني: من 1850 إلى حاضرنا بما تختزنه صفحاته الثلاث مئة من أعمال فنية نادرة تمتد على فترة قرن ونصف. وينطوي هذا الكتاب على مجموعة من المقالات التي وضعها بلاطة على مدى الأعوام العشرين الماضية ونشرها في دوريات أكاديمية وكتيّبات معارض باللغات العربية، والإنكليزية، والفرنسية. وقد تم تحديث عدد كبير من النصوص ومراجعتها قبل تنظيمها في هذا الكتاب بطريقة تبرز بشكل جمالي ومؤلم في آن معاً تشتت مواد موضوعه.
الواقع أن الفنانين الفلسطينيين، أكانوا يعيشون في مدن عالمية أو مخيّمات للاجئين، في إسرائيل أو الأراضي المحتلة، في العالم العربي أو الغرب، مشتتون، يستحيل عليهم القيام بحركات فنية متناسقة. وأصغر هؤلاء الفنانين لا يملك سوى فرص يسيرة ليتعهّد بأعمال الذين سبقوه نظراً إلى إقفال، أو استملاك، أو نهب، أو تدمير، كم هائل من المتاحف، والمكتبات، والمراكز الثقافية، والمعارض. وبالتلاعب بالبعد والقرب، والتشديد على إمكانية قراءة الكتاب بشكل متتابع أو على مراحل، يلجأ بلاطة إلى بنية الكتاب بحد ذاتها ليدعم نظريته التي تستعرض تطور اللغة المرئية في التعبير الفني الفلسطيني على مدى الأعوام المئة والخمسين الماضية.
إن كتاب بلاطة المؤلّف من أربعة أقسام تلي مقدمة مؤثرة وضعها جون برجر يتوقف عند ثلاثة مفاصل رئيسة من تاريخ الفن الفلسطيني. يتمثل أولها وأكثرها أهمية بالانتقال من رسم الأيقونات إلى الرسم الدنيوي الذي استحوذ على الجزء الأول من الفن الفلسطيني. ومع وصول الرسّامين، بمساندهم ومعدّاتهم الفنية العالية الجودة، والمصوّرين التوّاقين إلى التقاط صور للأرض المقدّسة على صفائح زجاجية وبيعها إلى السيّاح والمقيمين على حد سواء، أخذ فنانون مثل نقولا الصايغ، وخليل حلبي، ومبارك سعد، و داوود زلاطيمو، الذين تتلمذوا على رسّامي أيقونات أرثودوكس روس (في غضون ذلك، تلقى سعد تعاليمه في الكنيسة الكاثوليكية) يطرحون تجاربهم مع المناظر الطبيعية، ورسوم الطبيعة الصامتة، وصور الأشخاص، والرسوم الزيتية للروايات التاريخية التي تناقلتها الأجيال (ونمّقتها) عبر فن الرواية.
صادفت هذه المرحلة مع سقوط الامبراطورية العثمانية ونهضة الانتداب البريطاني في فلسطين، وبلغت أوجها في العام 1933 مع معرض من تنظيم زلفى السعدي التي اختيرت لتمثل فلسطين في المعرض العربي القومي الأول في القدس حيث عرضت سلسلة من المناظر الطبيعية، ولوحات لأشخاص وطبيعة جامدة اعتمدت في معظمها على صور كانت مشهورة في ذلك الوقت. فحقق هذا المعرض نجاحاً باهراً وسجّل وفقاً لبلاطة "موافقة غير مسبوقة على شكل من أشكال الفن لم يكن معروفاً كوسيلة للتعبير آنذاك... وكان مسموحاً به من دون أن يحظى بالتقدير الكافي ليمثّل الثقافة الوطنية".
أما المفصل الثاني في كتاب بلاطة فيكمن في الانفصال بين الرسم الرمزي والرسم التجريدي في الفن الفلسطيني. وقد جرى هذا الانفصال في بيروت في حقبة تتراوح بين العام 1952 عندما أطاحت الثورة في مصر بعرش القاهرة الثقافي والعام 1982 عندما وضع الاجتياح الاسرائيلي حداً للتبادل الحر للأفكار الذي حوّل العاصمة اللبنانية وفقاً لبلاطة إلى "مدينة العصرية العربية" لثلاثة عقود متتالية. وبعد انهيار الحكومات البرلمانية في مصر وسوريا والعراق وبدء حرب 1967، توجّه حشد آخر من اللاجئين الفلسطينيين شمالاً. واستضافت الدولة اللبنانية المعارضين والمثقفين والمجددين كافة: "على مدى ثلاثة عقود حافلة بالأحداث تغلي المنطقة فيها بالاضطرابات الاجتماعية والسياسية، أدت بيروت دور مانعة الصواعق لكل الحركات السياسية المندلعة في العالم العربي منذ سقوط فلسطين".
وفي تلك الحقبة، ظهر تياران مستقلان من الفن الفلسطيني. يضم التيار الأول الرسامين الذين نشأوا في المخيّمات وتبنّوا نمط الرسم الرمزي بما يعكسه من أبرز لحظات النضال القومي الفلسطيني ويجسّده من انتصار ومأساة في آن معاً. ويشمل التيار الثاني الرسامين الذين عاشوا وعملوا في دوائر المدينة الكبرى واعتمدوا نمط الرسم التجريدي بما يكتنزه من تجارب وأفكار باطنية وشخصية.
ويتمثل المفصل الثالث بالتحوّل من الإعلام التقليدي إلى الإعلام الجديد ضمن مجموعة من المعارض نظّمت في رام الله في العامين 2001 و2002. وقد ضم المعرض "مائة شهيد – مائة حياة" من تنظيم مركز سكاكيني بإدارة عديلة العيدي هنية مائة غرض – قطعة غير منتهية من التطريز، وسلسلة مفتاح، وحاملة شمع – تعود إلى مائة ضحية مدنية للغزو الإسرائيلي. وشمل معرض "شاهد عيان" الذي أقيم في الطابق السفلي من مبنى بلدية رام الله أغراضاً من منازل ومكاتب ومستشفيات تعرضت للتدمير من جراء العمليات العسكرية. وكتب بلاطة في هذا الصدد: "كسراً للحصار وتمسّكاً بالحرية، اضطر الفنانون الفلسطينيون لإطلاق العنان لمخيّلتهم والعمل يداً بيد ليقتحموا واقعاً أخذ ينكشف أمام أعينهم. وبين ليلة وضحاها، كان الفنانون المرئيون مستعدين للتخلي عن أدوات التعبير الاعتيادية ليجدوا أي وسائل متوفرة ليؤكدوا تضامنهم مع شعبهم الذي يعاني الموت واليأس... وحاجتهم إلى ما قد يعدّ فناً تجسّد تعبيراً عن البقاء على قيد الحياة".
إن كتاب بلاطة بالغ الأهمية واستثنائي في نواحٍ عدة. فالكاتب رسام معتبر عاش وأدى دوراً بارزاً في عدة مراحل تاريخية يصفها (كان الرسام الوحيد من جيله الذي تتلمذ على خليل حلبي، أحد رسامي الأيقونات الدينية الذين انتقلوا إلى الرسم الدنيوي، وكان من بين الرسامين الأربعة المنتمين إلى مجلس تحرير مجلة الموقف التي ساهمت في بلورة مدرسة الرسم التجريدي المتفرعة عن مدرسة بيروت للرسم الرمزي). وكما أشارت عديلة العيدي هنية إليه: "في السياق الفلسطيني... يكون الفلسطيني الذي شهد على هذه المراحل التاريخية المهمة وشارك فيها أو بحث بدقة عن ماضيه قادراً فقط على توثيق هذا التاريخ وتحليله".
والجدير بالذكر أن بعض المفاهيم التي بني كتاب بلاطة عليها – أولوية الهوية الوطنية، واعتبار التعبير الفني ثقافة وطنية وسلطة التاريخ المدوّن سجلاً زمنياً خطياً – هي تلك التي يطالب عدد كبير من الفنانين المعاصرين في فلسطين بها ويفصّلونها في أعمالهم. ومن المثير للاهتمام أن نطّلع على آرائهم فيها. وإذا ما نجح كتاب بلاطة في دفع فنانين آخرين وباحثين وجامعيين إلى كتابة تاريخهم البديل، يكون الفن الفلسطيني قد أسداهم جميعاً خدمة كبيرة.

 

انشر عبر
المزيد