مخيم الشاطئ .. بلا شاطئ / ولاء بارود

04 أيار 2013 - 02:27 - السبت 04 أيار 2013, 14:27:09

مع اقتراب موسم الصيف والإجازة السنوية لطلاب المدارس والجامعات، يتوافد المواطنون الغزيون على البحر بأعداد كبيرة خلال الصيف باحثين عن مكان ٍيجمعهم مع أبنائهم للترفيه والترويح عن أنفسهم، في الوقت الذي لم يعد فيه أمامهم سوى البحر متنفساً وحيداً لهم، جراء الحصار الإسرائيلي الخانق.
ويشكو الأهالي من تلوث شاطئهم الذي تغمره مياه الصرف الصحي وأكوام من الركام والمخلفات التي غطت رمال الشاطئ الذهبية، وباتت تقف حائلاً بينهم وبين الاستمتاع بأوقاتهم دون خوفٍ أو حذر.
مخيم الشاطئ الذي لا يبعد سوي خطواتٍ عن شاطئ البحر، يعاني ساكنوه من قلة وجود أماكن للاستجمام والجلوس على رماله الصفراء ليشعروا بالراحة والمرح رغم كثرة الآلام، هذا المخيم الذي كان يحمل سكانه كثيراً من الهموم ثم يلقونها على شاطئهم الذي لم يعد شاطئاً وإنما أصبح مكباً للنفايات الصلبة.

معاناة لم تنته
محمود مصطفي مراد ابن العشرينيات من سكان المخيم والمصاب بفشل كلوي، يتحدث عن معاناته بالقول" منذ كنت طفلاً في العاشرة عملت مع والدي في مهنة الصيد، وجزء مهم من حياتي قضيته في البحر، حتى إن الأصحاب والجيران عندما يفتقدونني كانوا ينتظرونني على الشاطئ، مضيفاً أنه في أحد الأيام قبل 3 أعوام شعر بصداع شديد مما اضطره للخروج بسرعة من البحر والتوجه إلى مستشفى الشفاء، هناك يُكمل محمود حديثه كانت "الصدمة" حيث أخبره الأطباء بعد ظهور نتائج التحاليل الطبية بأنه أصيب بفشل كلوي، ورغم أن الأطباء لم يؤكدوا له أو ينفوا علاقة البحر بسبب مرضه، إلا أن محمد وأسرته والجيران الذين التفوا من حوله متيقنين أن التلوث الموجود في البحر هو من يقف وراء إصابته بهذا المرض الخطير، ”محمود يضطر الآن للذهاب للمستشفى ثلاث مرات في الأسبوع ليقوم بعملية ”غسل الكلى” و كله أمل في أن يمُّن الله عليه وأن ييسر له من أهل الخير من يساعده على إجراء عملية زرع "كلية" لكي ينجو من خطر يحدق به ويتهدد أسرته المكونة من زوجته وطفلين.
وليس بعيداً عن محمود فقد أكمل الحديث معنا ابن عمه, أكرم مراد (32 عاماً) الذي كان يعشق السباحة في البحر، إلى أن تعرض لانتشار الحبوب في أجزاء من جسمه، وهو ما جعله يستمر في تناول الأدوية لمدة ثلاثة أعوام حتى تماثل للشفاء، موضحاً أن الطبيب المعالج أكد له أن إصابته كانت بسبب سباحته في منطقة ملوثة.
من جهته، أوضح أيمن منير (19عاماً) والذي يعمل منذ خمسة أعوام في مهنة الصيد، أنه تعرض أكثر من مرة للإصابة بحكة وظهور حبوب في جسده، مشيراً إلى أنه كان يجد داخل البحر بقايا من مخلفات المستشفيات والمطاعم وقطع من الزجاج وحجارة البناء.

حياة لا تطاق
محمد الأشقر والذي يطل باب بيته على الشاطئ تحدث لمراسل "سراج للإعلام" عن المعاناة التي يعيشها في فصل الصيف قائلاً " البحر يتغّير لونه في بعض المناطق من الزرقة إلى السواد، وأصبح مكاناً لا يليق بسكان الشاطئ، مشيراً إلى أن التلوث الذي أصاب الشاطئ قد تنعكس مخاطره علينا بحكم قرب منزلنا من البحر خصوصاً خلال فترة الصيف حيث تؤدي شدة الحر وانحباس الهواء إلى انبعاث روائح كريهة لا نطيق تحملها، إضافة إلى انتشار البعوض والذباب، وهو ما قد يؤدي إلى إصابة البعض بالأمراض، داعياً للعمل على إيجاد بدائل أخرى لمعالجة مياه الصرف الصحي بدلاً من تصريفها البحر.
بينما أخذ الحاج سليمان ابن الستينيات يرفع نبرة صوته عالياً عند رده على سؤال حول كيفية تأثير المياه العادمة على حياة أسرته داخل منزلهم المجاور للبحر، بالقول: "أي حياة هذه التي نعيشها؟, البحر تغمره مياه المجاري ولا يستطيع أطفالي السباحة أو اللعب على شاطئه، ومحطة معالجة مياه الصرف الصحي أمام منزلي تنبعث منها الروائح الكريهة, والمسكن الذي يؤوينا يهاجمنا فيه البعوض بشكل كبير خلال الصيف، متسائلاً عن فائدة تصريف مياه الصرف الصحي إلى البحر بالقرب من منطقة مكتظة بالسكان كمعسكر الشاطئ الذي يزيد عدد ساكنيه عن الثمانين ألفاً، في الوقت الذي يفترض فيه تصريف هذه المياه إلى مناطق بعيدة عن السكان والمصطافين".

شاطئ ملوث
وحول هذه القضية المثيرة لاهتمام المواطنين كان لنا وقفة مع مدير الصرف الصحي في بلدية غزة د. عبد المنعم حميد الذي قال: إن التلوث الذي انتشر حديثاً هو أن شاطئ البحر والرمال الملاصقة له والرمال البعيدة عنه جميعها ملوثة بالديدان مما يسبب بعض الأمراض لدى الأطفال مستنداً إلى دراسات أجريت حديثاً على مياه البحر.
وأضاف أنه يوجد لديهم في بلدية غزة ثلاث محطات معالجة على شاطئ البحر، ولظروف معينة أحياناً تتوقف هذه المحطات عن العمل وخاصةً في فصل الشتاء حيث تقوم هذه المحطات بضخ مياه الصرف الصحي إلي مياه البحر، ويوجد محطات في أماكن أخرى، مشيراً إلى أنه لم يتم تطوير نظام هذه المحطات وذلك بسبب تكلفتها المادية المرتفعة، موضحاً أن محطة المعالجة حالياً صُممت لتصريف كميات محددة تصلها من مياه الصرف الصحي، ولكن أصبح يصل إلى تلك المحطة أضعاف ما يفترض أن يصلها، وكان من المفترض أن يتم تطويرها ولكن لم يتم ذلك إلي الآن.

محطات المعالجة والحصار
ونوه حميد إلى الأسباب التي أعاقت عمل المحطات والدور المنوط بها وأهمها الحصار المفروض على غزة وإغلاق المعابر وصعوبة إدخال المواد اللازمة لعمل محطات الصرف الصحي، والمواد الخاصة بمحطات المعالجة وزيادة أعداد السكان وأزمات الوقود وانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة، مؤكداً أن مواضيع الصرف الصحي تحتاج إلى إمكانيات كبيرة ومكلفة وتحتاج أيضاً إلى وقت كبير قد يستغرق سنوات.

التلوث بالنفايات الصلبة
من ناحية أخرى صرح مدير عام التوعية في سلطة جودة البيئة م. زكي زعرب أن مشكلة تلوث شاطئ البحر بالنفايات الصلبة قد خفت تقريباً مقارنةً بالمشكلة الأكبر ألا وهي مشكلة مياه الصرف الصحي، التي ما زالت تفتقد للحلول الجذرية بسبب الحصار الجاثم على قطاع غزة.
واستند زعرب خلال حديثه إلى الوضع السياسي المحيط كمنع العمل في مثل هذه المشاريع، مشاريع إنشاء محطات معالجة المياه العادمة، مؤكداً أن سلطة جودة البيئة تعمل على اتخاذ جميع الإجراءات للحد من تلوث الشاطئ على الرغم من المعيقات التي تحد من أدائها كما هو مطلوب في ظل عدم وجود عدد كافٍ من الكوادر لمراقبة مصادر تلوث الشاطئ.
وناشد باقي الوزارات والإدارات ذات العلاقة للتعاون المشترك والعمل علي تحسين الوضع البيئي للشاطئ، حيث أنه هو منطقة الاصطياف الوحيدة للمواطنين من سكان المخيم.

إشكاليات أخرى
هذه ليست كل إشكاليات شاطئ المخيم فمشكلة الكثافة العمرانية من جهة والمد البحري من جهة أخرى أدتا إلى تآكل شاطئ البحر والمسافة التي تفصل منازل المواطنين عن مياه البحر قد لا تتجاوز في بعض الأماكن العشرين متراً بالإضافة إلى مشروع تدعيم شارع البحر بالأقفاص الممتلئة بالصخور والذي تم قبل بضعة سنوات ويمتد من شمال المخيم إلى جنوبه والذي ضاعف من المشكلة وفرض على قاطني المخيم ترك شاطئهم والتوجه للاصطياف في أماكن بعيدةً عن سكناهم كمنطقة السودانية شمال مدينة غزة أو الشيخ عجلين جنوب المدينة لتنطبق على أرض الواقع مقولة "مخيم الشاطئ بلا شاطئ" بعدما كان قبل عقدين من الزمان من أجمل شواطئ قطاع غزة.

انشر عبر
المزيد