درويش.. رصاصة "إسرائيلية" أفقدتها الإبصار و"الأونروا" ضيعت حقوقها

13 نيسان 2013 - 05:54 - السبت 13 نيسان 2013, 05:54:50

"الدنيا ظلام ظلام أضيئوا لي الغرفة, ماما أين أنتي؟!" أنا هنا يا هدى، الدنيا نهار والغرفة مضيئة حبيبتي!!! بدأ الجميع يتوتر وكلٌ يحاول أن يعرف ماذا يجري؟ حتى بدأت "هدى" بالصراخ قائلةً "لا أرى يا ماما شيئاً أنا خائفة"، وكانت الصدمة أن هدى وكل من يحيط بها باتوا يدركون أنها لم تعد قادرة على الإبصار.
حدث هذا المشهد مع الفتاة "هدى نعيم درويش" عندما كانت في الحادية عشرة من عمرها، حين استفاقت من غيبوبتها التي استمرت خمسة عشر يوماً، بعد إصابتها بعيار ناري "إسرائيلي" في رأسها وهي تجلس على مقعد الدراسة.
لم تدرِ "هدى" أن الحادثة التي تعرضت لها كانت آخر موقف ترى فيه النور، وكأن عينيها البنيتين الواسعتين تودعان الدنيا على أمل أن يعود لها مرة أخرى!.


بداية الحكاية


بداية القصة كانت في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، عندما كانت هدى، متوجهةً مثل كل صباح إلى مدرستها المجاورة لمستوطنة "نفيه ديكاليم" "الإسرائيلية"، وما إن دق جرس المدرسة معلناً بدء الطابور الصباحي حتى انتظم الجميع بالوقوف، ومن ثم الإنتظام داخل الصفوف في مدرسة سهام "ب" المشتركة للاجئين.
وقالت هدى: "بينما كنت جالسةً على مقعد الدراسة، أطلق جنود الاحتلال المتمركزون في المنطقة الحدودية عشرات الأعيرة النارية على المدرسة دون مقدمات، فبدأ الجميع بالصراخ وطلب منا المدرس أن نختبئ جميعاً تحت الطاولات، وفي تلك اللحظة اخترقت الأعيرة المجنونة الصف وأخذت بالإنحناء حتى اخترقت رصاصة رأسي وغبت عن الوعي".
بعد أن توقفت النيران، عادت الفتيات إلى مقاعدهن لاستكمال يومهن الدراسي، ولكنهن لم يجدوا هدى في مكانها، حيث كانت ملقاة أرضا على وجهها، واعتقدت الفتيات أنها أغمي عليها من الخوف، ولكن ما إن أزاحوا وجهها حتى وجدوه مضرجا بالدماء، فأصبن بالهلع وتم نقلها إلى مستشفى ناصر الحكومي ثم حوّلت بعد ذلك لمستشفى الشفاء نظراً لخطورة حالتها.
أخرج الأطباء الرصاصة من رأس هدى، وفي اليوم الثاني من الإصابة أبلغ الأطباء الأهل أنه حدث مع هدى، نزيف داخلي وتم فتح رأسها من الجهة اليسرى وبقيت 15 يوماً في غيبوبة تامة، وفي هذه المرحلة أعلن الأطباء نبأ استشهادها!!.
وتضيف الفتاة: "العناية الإلهية تدخلت في تلك اللحظة، حيث أفقت من الغيبوبة، ولكن بإعاقة وهي فقدان البصر، أتذكر أنه تم نقلي إلى مستشفى الوفاء لعمل العلاج الطبيعي، وبقيت هناك قرابة 37 يوماً حتى رفع الستار من على جفوني، فوجدت أن الدنيا مظلمة".
وتابعت حديثها: "بدأت أنادي على أمي وأصرخ عليهم أن يضيئوا الغرفة حتى جاءت أمي وفرحت لأنني أتحدث وأنادي عليها، ولكنها استغربت حديثي وأخبرتني أن الدنيا نهار، فكانت الصدمة أنني لا أبصر".


رحلة الضياع


وبدأت هدى، رحلتها مع الضياع والتيه، لا تدري أين تذهب أو كيف تمشي، كانت تتوقع في كل لحظة أن رصاصة "إسرائيلية" ستخترق جدار منزلها وتقتحم عليها غرفتها لتصيبها برأسها من جديد، وباتت في خوف شديد.
وأكملت: "منذ ذلك الوقت لم أعد راغبة في العودة إلى المدرسة وعشت حالة نفسية سيئة جدا وتركت الدراسة، ومن جديد عدت لها وأكملت الصف السابع والتاسع والآن أنا بالثانوية العامة". ورغم أن عمر هدى( 22 عاماً)، أي أكبر من جيل الثانوية العامة بـ 4 سنوات تقريباً، إلا أن طموحها بدأ يعود من جديد.
وعن رحلة العلاج الطويلة، ذهبت هدى للمستشفيات "الإسرائيلية"، إلا أن الاطباء هناك أخبروها أن المركز البصري مدمر والرصاصة أحدثت ضموراً كاملاً فيه، وأخبروها أن هناك أملا واحدا لعلاجها في ألمانيا، لكنه مكلف ماليا.
وتوجهت هدى، بعد ذلك إلى مصر فأخبرها الأطباء المصريون بذات النتيجة.
وقالت: "رفعنا قضية لدى المحاكم "الإسرائيلية"، ولكن خسرناها بسبب عدم حضور الشهود من المدرسة وهم أساتذتي الذين شهدوا الواقعة، لمنعهم من قبل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين أونروا، لذلك لم تتوفر لي فرصة للعلاج".
وأضافت: "سمعت الكثير يقولون إن علاجي متاح عن طريق عملية جراحية يتم فيها استئصال المركز البصري المدمر ووضع شريحة مغناطيسية بدلاً عنه ويرجع النور بإذن الله، ولكنها عملية مكلفة وتحتاج مليون دولار".
"ولكن كيف تعاملت الأونروا معك نظراً لأنك تعرضت للإصابة في إحدى مدارسها؟"، أجابت هدى: "الأونروا تكفلت بتعليمي بعد الإصابة، وأنا رفضت التعلم بسبب أنني كنت أمر بحالة نفسية سيئة ومن ثم أكملت تعليمي وعلى حسابي الخاص، ومنحونا شؤونا اجتماعية لأننا بحاجة إليها نظراً لأن والدي يعيل ثلاثة أسر ولا يقوى على ذلك".


العائلة والقانون


قامت العائلة في العام 2004 برفع قضية ضد الاحتلال لارتكابه هذه الجريمة، وعند النطق بالحكم طلب القاضي "الإسرائيلي" الشهود وهم المدرَس الذي كان يدرس هدى والآخر الذي نقلها عندما أصيبت.
الرجلان وافقا على الذهاب وتقديم شهادتيهما، ولكنهما احتاجا ورقة من الأونروا كي يخرجوا بها، ولكن ردت الوكالة عليهم أن الذي سيذهب إلى "إسرائيل" سيتم فصله لأنه سيخالف قانون الوكالة الذي لا يسمح بخروج موظفي الأونروا للجانب "الإسرائيلي" وتأجلت المحكمة ورفعت عائلة هدى دعوى أخرى وأيضا طلبوا شهوداً ولأنهم لم يحضروا تم إغلاق القضية والملف.
ولفتت درويش، النظر إلى أن مسؤولي الوكالة أخبروها أن الأونروا تمنحها المساعدة تعاطفاً معها وأنها ليس لها أي حق عندهم، وتابعت: "عندما أخبروني بذلك، قلت باكيةً لهم إنكم السبب بضياع حقوقي".
وأضافت: "حتى أن والدي طلب التقرير الخاص بحالتي من الأونروا، وأبلغونا أن التقرير غير موجود وأذكر أن إحدى الموظفات تدعى كاترينا، كانت متعاطفة مع حالتي وجاءت وصورت الرصاصة وأبلغتنا أن نرفع قضية ضد "الإسرائيليين" وتضامنت معنا، وعوقبت على ذلك بنقلها من قطاع غزة".
وتتمنى هدى أن يعود لها بصرها، وأن تقوم بإجراء عملية جراحية تجعلها قادرة على الإبصار من جديد، لتحقيق أحلامها التي تحطمت على صخرة القسوة والظلم.


رد الوكالة


"الاستقلال" تحدثت إلى المتحدث الرسمي بإسم الوكالة الدولية "الأونروا"، عدنان أبو حسنة، فقال: "الأونروا لم تمنح الفتاة أي تعويضات مالية لأن ذلك سيؤدي إلى مطالبة جميع من أصيب داخل مدارس الوكالة الدولية بالتعويضات"، مستشهداً بعدد الضحايا الذين أصيبوا واستشهدوا في مدرسة الفاخورة خلال الحرب "الإسرائيلية" على غزة أواخر عام 2008.
وأضاف:"نحن لا نقوى على تعويض كل من يصاب أو يستشهد داخل مراكز الأونروا، وبالنسبة لقضيتها فالأونروا لديها قانون لا يسمح بذهاب أي من موظفيها للشهادة بالمحاكم "الإسرائيلية" لأنه يخالف القانون"، بحسب أبو حسنة.


المصدر: الاستقلال

انشر عبر
المزيد