مخيمات لبنان تضيق بسكانها لكنها لا تقبر حلمهم بالعودة

04 كانون الأول 2012 - 09:40 - الثلاثاء 04 كانون الأول 2012, 09:40:20

تتشابك أسلاك الكهرباء وإمدادات المياه في شوارع مخيم برج البراجنة في ضاحية بيروت الجنوبية بشكل معقد يشبه إلى حد كبير الواقع المعقد لبلد طائفي، إلا أن ظروف اللاجئين الفلسطينيين القاطنين بالمخيمات المقامة هناك تزداد تعقيدًا وصعوبة يومًا بعد يوم.
وكما تضيق أزقة المخيم بساكنيه الذين يقدر عددهم وفق اللجان الشعبية والجمعيات الأهلية بأكثر من 19 ألف نسمة لا يبدو هناك بصيص أمل لمستقبل آمن وعيش كريم لهم إلا بالعودة إلى أراضيهم الرحبة وديارهم التي هجروا منها قسراً عام 1948.
ولا يختلف المشهد كثيرًا هنا شكلا عن المخيمات في قطاع غزة، فمداخل المخيم وحجم المباني المهترئة والمتلاصقة جدًا - غير صالحة للسكن- والرسومات والكتابات على الجدران هي نفسها، حتى ملامح الناس وطريقة تحركهم وتجمعهم متشابهة إلى حد بعيد.
وكباقي المخيمات، يعيش مخيم برج البراجنة هاجسًا صحيًا يوميًا، فالتحديات الصحية هائلة، والفرص المتاحة تتضاءل عامًا بعد عام، وأبرز المشاكل التي يعانيها سكان المخيم هي الكثافة السكانية على بقعة محدودة، وعدم قدرة الأونروا على تقديم الخدمات الصحية بما هو مطلوب.
ولعل ما زاد الأمر سوءاً القوانين اللبنانية التي تحد من قدرة الفلسطيني على العمل والتعلم والحياة الكريمة، مما جعل هذه الأسباب مجتمعة من المخيم بيئة خصبة للأمراض الجسدية والنفسية والاجتماعية.
ويشير الشاب ياسر مرة إلى أن الكهرباء تقطع في المخيم ست ساعات يوميًا، لتفاقم من معاناة الناس، وتزيد من عتمة الأفق المظلم لمستقبل الناس هنا.
شاتيلا تتطاول في البنيان
وفي مخيم شاتيلا الواقع شرقي المدينة الرياضية ببيروت، نلاحظ تتطاول الناس في البنيان بشكل عمودي، ليصل ارتفاع الكثير من المباني إلى ست طبقات، بسبب ضيق مساحات مساكنهم، إلا أن ذلك قد يهدد بسقوط مبانيهم بأية لحظة، لتجاوز أصحابها المعايير الهندسية وأعراف البناء التقليدية.
والمخيم مشهور بالمجزرة المروعة التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي وميليشيات لبنانية في أيلول عام 1982، والتي تعرف بمجزرة "صبرا وشاتيلا"، والتي ذهب ضحيتها نحو 3500 مدني، معظمهم من الفلسطينيين.
ويبين الباحث المقيم بالمخيم فهد حسين الذي رافقنا بالجولة أن عيادة المخيم التابعة للأونروا تفرغ طبيبًا واحدًا فقط لمعالجة نحو 200 مريض.
ويشير جلوس الشباب على مداخل مساكنهم بوضوح إلى تفشي البطالة وعدم توافر فرص العمل وتدني الأجور لمن يحالفه الحظ ويجد عملا، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى القيود المفروضة على اللاجئ الفلسطيني من قبل الدولة اللبنانية التي تمنعه من ممارسة أكثر من سبعين مهنة.
ويعتمد اللاجئ أبو محمد على دخل دكانه الصغير الذي يتوسط المخيم، مشيرًا إلى بعض المساعدات التي تقدمها الجمعيات الخيرية، إضافة إلى المساعدة الشهرية البسيطة التي تقدمها "أونروا"، لتبقيهم على قيد الحياة.
وفي أحد المفترقات الضيقة داخل المخيم، تلعب مجموعة من الصبية كرة القدم، فيشير حسين إليهم موضحًا " هذا هو الملعب الوحيد في المخيم!!".
تجمع غزة
ويتوسط مخيمي صبرا وشاتيلا هيكل مبنيين متهالكين ومهترئين، كانا في السابق عبارة عن مستشفيين أحدهما يسمى مستشفى غزة، والآخر مستشفى رام الله، إلا أن الفلسطينيين الذين لجأوا إليه هربا من المذابح حولوا المبنيين إلى مساكن تأويهم حتى اليوم.
ولك أن تتخيل كيف تحولت غرف المستشفى إلى شقق صغيرة تأوي 280 عائلة معظمهم من الفلسطينيين، المحرومين من خدمات "أونروا" أسوة بـ12تجمعًا للاجئين لا تعترف بهم الوكالة.
وعندما استقبلنا الفلسطيني جمال المصري بمسكنه الضيق، يصعب تخيل أن يعيش رجل وزوجته وأربعة أبناء ثلاثة بنات وشاب، بمساحة 50 مترًا تضم غرفتين صغيرتين وحمامًا ومطبخ، مع عدم وجود خدمة صرف صحي جيدة.
المصري الذي يقتات بأجرة بسيطة خلال عمله بمعمل حجارة، لم يجد جوابًا حين سألته لو فكرت بتزويج ابنك العشريني محمد أين سيسكن؟.
ولعل الواقع المعيشي والسكني المرير الذي يقاسيه هؤلاء دفع بعضهم للتفكير بالهجرة لبلدان أخرى جريًا وراء أمال بتحصيل حقوق بسيطة حرموا منها هنا، وهو الامر الذي يفكر فيه محمد بشكل جدي.
ورغم كل هذه الظروف تفخر طفلة المصري نورهان "8 سنوات" أنها من حيفا، وتحلم بالعودة إليها مع عائلتها، كباقي سكان التجمع.
أمل المقاومة
ومن عجائب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان أن ظروفهم المعيشية لم تشغلهم كثيرًا عن قضيتهم، ولا عن تضامنهم مع أهلهم في قطاع غزة، خلال العدوان المتكرر عليه.
وعلى جدران المخيمات تظهر ملصقات وبوسترات تمجد المقاومة في غزة وتدعو لنصرة أطفالها، بل إن أحد البوسترات يدعو لتوحد سكان المخيمات بمختلف أطيافهم الفصائلية من أجل غزة!.
وتنتشر صور القيادي في كتائب الشهيد عز الدين القسام الشهيد أحمد الجعبري بشكل لافت على جداران المساكن والمساجد.
وعلى حائط داخل سلم مبنى تجمع غزة، تفنن رسام بتخطيط كلمة "غزة"، لتأكيد المصير المشترك للفلسطينيين أينما تواجدوا وحلوا.
ويؤكد اللاجئ المصري أن انتصار المقاومة في غزة خلال حرب الثمانية أيام الأخيرة أعطى أملا للاجئي المخيمات بقرب النصر والتحرير والعودة.


المصدر: صفا

انشر عبر
المزيد