تحقيق: معاناة اللاجئين في مخيم البداوي

22 تشرين الثاني 2012 - 10:13 - الخميس 22 تشرين الثاني 2012, 10:13:06

ولكن بعيداً عن ذكريات الحرب الأليمة وقضايا السلاح، فإن هناك في المخيمات الفلسطينية العديد من الأشخاص الذين ولدوا وترعرعوا في كنف هذا البلد، وجلّ ما يريدونه أن يعيشوا حياة كريمة تؤمَّن فيها أبسط مقومات العيش ريثما يتحقق حلم العودة إلى فلسطين. ولكن على الرغم من أحقية هذا المطلب وبساطته، فإنه يبدو كالأمنيات الصعبة المنال في كنف دولة عاجزة عن تلبية أحلام أبنائها الأصليين. فكيف بضيوفها اللاجئين؟؟ ومن بين مخيمات اللاجئين الفلسطينيين يبدو البداوي كأنموذج صارخ للبؤس، والبيان قامت بجولة بين أروقته ودهاليزه لتقدير حجم معاناة أهله، والوقوف عند حاجاتهم ومطالبهم. يخيَّل للداخل إلى مخيم البداوي للوهلة الأولى وكأنه يتجول في شوارع منطقة باب التبانة، فالبؤس عينه تشهده على صفحات المباني المتآكلة والجدر المهلهلة، والشقاء عينه تلمحه في مُقَل البعض، على أن الفارق بين المنطقتين، يكمن بأنه عند دخولك المخيم قد تجد من يحمل غيتاره ويسير به عائداً من حصة لتعلّم الموسيقى، وآخر يحمل كرّاس كتبه عائداً من المدرسة أو الجامعة، فهذا الشعب لا يجد سوى العلم سلاحاً يتغلب به على ظلم القدر.
 حتى الرمق الأخير كل إنسان لديه كرامة يحلم بالعودة إلى فلسطين، وأنا سأبقى أتمنى ذلك حتى آخر يوم في حياتي: كلمات ردّدها الحاج محمود محمد عزام، أو أبو علي كما يناديه معارفه، فهذا الرجل الذي تجاوز العقد الثامن من عمره يدرك تماماً معنى أن يكون المرء لاجئاً، أما قصة مجئيه إلى لبنان فيرويها بتفاصليها الدقيقة، كما لو كانت تحصل للتو ويقول: أنا من بلدة تقع على الحدود اللبنانية تدعى الجشّ، وعندما بدأت إسرائيل بقصفنا أرسلوا إلينا جيش الإنقاذ لنقلنا إلى لبنان. في فلسطين كنت من العائلات المالكة لمساحات من الأراضي والبساتين وكنّا نزرعها بالفاكهة والخضر والقمح الشعير والتبغ.. وهذا كان رأسمالنا القوي. تابع: لدي أخ وخمس شقيقات، وكنتُ في الخامسة والعشرين عندما هجرنا إلى هنا، لكن ما لبثتْ والدتي أن عادت إلى فلسطين مع أخواتي عندما علمت أن والدها ما زال على قيد الحياة، وعندما استقرت تبعها والدي إلى هناك. زيارة العم أبو علي الأخيرة إلى فلسطين كانت في العام 1993، إذ كان يخاطر بحياته ويتسلل إلى الأراضي المحتلة لزيارة أهله، ويقول: فاجأنا العدو بطائرات تصيب الأهداف التي تحددها، وأنا طلبت من زوجتي الذهاب إلى البستان مع طفلي الرضيع ريثما أتبعهما بالمتاع، فتعرضا للقصف، فأستشهد طفلي وأصيبت زوجتي في ساقها، وهي مازلت على الرغم من مرور نحو 64 عاماً على الحادث تعاني من وجود شظايا في ساقها.
 حدث بلا حرج أما الأوضاع المعيشية في مخيم البداوي، فيشرحها مسؤول مؤسسة الشبيبة الفلسطينية خالد يماني، مسجِّلاً عتبه الواضح على الدولة اللبنانية التي تنأى بنفسها عن الشأن الفلسطيني، والـ(أونروا) المقصرة في عملها، وعلى مجمل الفصائل الفلسطينية المهملة للشأن الإجتماعي. وعن واقع المخيم يتحدث قائلاً: يعد مخيم البداوي منظماً نسبياً، حيث يوجد فيه بنى تحتية، وهو كان مؤهَّلاً لإستقبال الأشخاص الأوائل الذين أحضروا إليه في سنة 1954 و1958 وعدد السكان يومها بلغ نحو ألف لاجئ، أما اليوم فقد أصبح يحوي نحو 35 ألف نسمة، ولعل السبب وراء كثرة النزوح إليه من قبل المخيمات، هو الإستقرار النسبي الذي يشهده، رغم الحروب التي عصفت بلبنان. وبالنسبة للمشاكل الإجتماعية لدينا فحدث بلا حرج، وتطال مختلف النواحي الحياتية من فرص العمل إلى الكهرباء. فالشبكات العنكبوتية التي تجتاح الأزقة والشوارع واشتراك المولد وصل إلى 120 ألف ليرة، أما المياه فهي غير مؤمّنة لكافة أرجاء المخيم. وفي الشأن الصحي قال: أن هذا الموضوع في الأساس من مسؤولية الـ(أونروا)، التي ليس صحيحاً أنها تتكفل بعلاج المرضى كاملاً، بل أحياناً يكون القسم الأكبر من نفقة العلاج على حساب المريض، وخاصة في مسألة العمليات التي قد تحتاج إلى بلاكات حديد أو أسياخ، كما يوجد بعض الأدوية التي لا تتكفل بها وهي تعطي بدل منامة يومين في المشفى، أما الباقي فعلى نفقة المريض. ورداً على سؤال عن دور الدولة في هذا الشأن أجاب: الدولة اللبنانية تحيلنا إلى الـ(أونروا)، ولا تتكفل بشيء حتى أنه ممنوع علينا أن نمدّ هاتفاً أو انترنيت بواسطة الـDSL. كما يمنع على الفلسطيني الدخول في النقابات العمالية، ولا يحق للأطباء والمهندسين العمل خارج المخيم، مع أن الطبيب يخضع لإمتحان الكوليكيوم. وبالنسبة للمهندس المعماري فهو حتى ولو وضع تصميم البناء وأشرف عليه بالكامل، فلا يوقع على المشروع، بل يفعل ذلك مهندس لبناني، وهناك العديد من الفلسطينيين الذين لديهم فلوكا مرخّصة، ومع ذلك فإن السماح لهم بالصيد يتطلب تدخلاً دائماً من قبل نقيب الصيادين. حتى سيارة الأجرة فإن الفلسطيني يشتري النمرة الحمراء ويدفع للضمان، ولكنه لا يستفيد منه، وإنْ لم يدفع فلا يعطى رخصة القيادة. وفي موضوع التعليم، يرى يماني أن المناهج المعتمدة هي فوق من طاقة التلميذ، وأن الغاية من ذلك تقليص أعداد المتخرجين سنوياً لغياب فرص العمل لهم، ولا ينفي إرتباط الإهمال الذي يطال معيشة اللاجئين بقضية التوطين، وقال: نحن واللبنانيون متفقون على مبدأ حق العودة ورفض التوطين، فلمَ لا نتفق على حقوقنا الإجتماعية والأمنية؟. ورداً على سؤال عن غاية السلاح الفلسطيني الموجود في المخيمات أجاب: في الأساس السلاح موجود لمحاربة إسرائيل ولكنه أيضاً يهدف لحمايتنا من أي هجمات قد نتعرض لها. فهناك العديد من المجازر التي طالتنا في لبنان، ولم يكن العدو الإسرائيلي من تسبّب بها. نحن نقول إذا كانت الدولة اللبنانية تستطيع أن تؤمّن حمايتنا مع فتح الملفات السياسية والاجتماعية على حد سواء، فنحن مستعدون كفصائل فلسطينية للتحاور وربما نتوصل إلى تسليم سلاحنا، فهو غير مخصَّص للفتنة الداخلية. فنحن اليوم نطبق سياسة النأي بالنفس عن أي مشكلة تقع في لبنان. فمثلاً عندما تندلع الاشتباكات بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة، يذاع في المذياع أنه ممنوع على أحد مغادرة المخيم، وذلك لحمايتنا من الوقوع في المتاعب.
لن نرضخ تشعر فاطمة منصور 48 سنة بالحزن حين ترى مجموعات من شباب في عمر الورود لكنهم يتصرفون بإنعدام مسؤولية نتيجة الضغوطات المعيشية التي يعانون منها وهم مقيَّدون داخل المخيم. وقالت: تبوء محاولات تشجيعي لإبني في متابعة دراسته بالفشل. ففي كل مرة يقول لي: لماذا أتعلم أن كان المهندس لدينا يبيع الخضرة، والدكتور يعمل في الباطون؟! وعن دور المرأة الفلسطينية في المخيم تقول فاطمة: أن معظم السيدات لدينا يعملن في المجال التربوي والتثقيفي والعمل الوطني، لتبيان صورة حضارية عن الشعب الفلسطيني المناضل، فنحن طموحنا أن نعيش حياة كريمة، والواقع الذي نعيش فيه يجبرنا على البحث عن وسائل لتخفيف العبء عن الناس من خلال ندوات التوعية حول الواقع الإجتماعي وكيفية تجنيب أولادنا المآثر السلبية لهذا الواقع. وتجد منصور، أن مهمة زرع موضوع التعلق بحق العودة داخل أطفالها مسألة سهلة وتقول: أن الذاكرة الفلسطينية جزء من ثقافتنا ونحاول إبقاءها في عقول أطفالنا كي لا ننسى، والجيل الجديد متطرف بتمسكه بفلسطين، وهو يعيش من أجل القضية الفلسطينية، إذ لا يوجد شيء آخر يعيش من أجله. يرى الناشط الفلسطيني مراد عياش أنه من الخطأ ربط حقوق الفلسطينيين في لبنان بمواضيع غير حقوقية كقضية السلاح، وأن أزمة حقوق الفلسطيني ليست إلا سياسة للتضييق عليه حتى يرضخ ويقبل بمسألة التوطين وقال: إننا كشعب مؤمن بقضيتنا لن نقبل بالتوطين كخيار لنا، ولكن التضييق علينا سيؤدي إلى حلول كارثية سيكون لبنان المتضرر الأول منها. ختم: من مصلحة الدولة اللبنانية إعطاء الفلسطيني حقوقه الإجتماعية، فهو عندما يعمل ينفق أمواله في لبنان، حتى المهاجرون إلى بلاد الإغتراب يرسلون أموالهم لتصرف في هذا البلد، لكن اللبناني يتعاطى مع الفلسطيني على أساس أنه حالة أمنية وحسب، وهذا ما يفسر الإشكالات التي تحصل في المخيمات بين الحين والآخر. .


المصدر: البيان

 

انشر عبر
المزيد