في غزةَ .. عجوزٌ تحتضر

15 تشرين الثاني 2012 - 02:32 - الخميس 15 تشرين الثاني 2012, 14:32:50

تقاتلُ "البلدة القديمة" في مدينة غزة, من أجل الحفاظ على بقائها في وجه عواصف النسيان, وللأسف فإن خصومَها ليسوا من غير أبنائها الذين تربوا فيها ورتعوا في حاراتِها, وتفيئوا ظلالَ التاريخ بالقرب من مساجدها وكنائسها وبيوتها العتيقة.
لقد اندثرَ اسمُ "البلدة القديمة" يا سادة ويا سيدات, وغاب عن ذاكرة وألسنة الغزييّن, بل وعن حكايا الجدات للأحفاد في ليالي الشتاء, فانسلخ عن البلدة وصفُ القديمة, فما فَتِئ يذكرها الناسُ والسائقون الآن إلا باسم "البلد", وما للبلد من قيمة إلا بقديمها.
لو درت في شوارع "البلدة القديمة" شارعاً شارعاً, وزقاقاً زقاقاً, فلن تجد يافطةً بحجم كفةِ اليد تُعرّفك بأنك تسير في "البلدة القديمة" العريقة التي بثت الناسَ والحياةَ والحضارةَ في الأرض منذ 3000 سنة قبل الميلاد.
هناك في "البلدة القديمة" وأنت تسير في شارع "عمر المختار" شرقاً, يمكنك أن تنتمى إلى حي الزيتون اذا سرت على الرصيف الأيمن!, وستكون من أهالي حي الدرج إذا سرت على الرصيف الأيسر!, أما إن تقدمت نحو الطرف الشرقي للبلدة فأنت إذن في حي الشجاعية, هل تعلمون لماذا؟!
لأن بلدية غزة والتنظيمات الفلسطينية قاموا بدعوى الإدارة والتنظيم بتمزيق "البلدة القديمة" إلى ثلاث قطع جغرافية, واحدة قذفوها في وجه حي الزيتون وهو الشطر الجنوبي, والثانية في وجه حي الدرج وهو الشطر الشمالي, والثالثة في وجه حي الشجاعية وهو الشطر الشرقي, فأصبح سكان "البلدة القديمة" ينتمون إلى ثلاثة أحياء مختلفة, وفي ذلك تذويب للبلدة وطابعها, ودمج لسكانها في الأحياء المجاورة.
لم يراعِ أولوا الأمر الطابعَ الخاص الذي يميّز "البلدة القديمة" وسكانها والذي لا تراه في أي حي آخر, وليس أدلَّ على خصوصية الطابع الثقافي للبلدة القديمة بعد آثارها, من الود والقسط والجيرة والشراكة الجامعة بين المسلمين والمسيحيين هناك, والتي تتلخص في اللوحة الجميلة لمئذنة "كاتب ولاية" وأجراس كنيسة "الروم الارثوذكس" المتعانقتين, واختلاط رفات الأموات من الديانتين في مقبرة "القديس سيفرينيوس" ومقبرة المسلمين على حدود البلدة.
وهناك فقط يمكنك أن ترى حانات الذهب في سوق "القيسارية" المرتمية على عتبات المسجد "العمري الكبير" وقد تشارك فيها مسيحيون ومسلمون, بل ومن أمهات المسلمين والمسيحيين اللاتي أرضعن أولاد بعضهن, فأصبح الأبناء إخوة في الرضاعة.
اليوم اضطر كثيرٌ من الأبناء إلى اقتلاع بيوتهم القديمة التي ورثوها من أجدادهم وآبائهم من جذورها, وبنوا بدلاً منها بيوتاً رأسيةً تستطيع استيعاب الأجيال الجديدة وعائلاتهم الممتدة, وأمام هذا الهدم المجاني لم نجد من يتحرك بجدية لحماية الآثار وتعويض أهلها ومنعهم من هدمها بـأيديهم!
وفي "البلدة القديمة" يزحف التجارُ ويتمددون فيها بما ينذر بالطغيان الكامل للطابع التجاري عليها, وهو ما دفع الكثيرَ من سكان البلدة لهجرتها وبيع بيوتهم تحت إغراء سعر المتر, لا سيما سكانها من المسيحيين.
في "البلدة القديمة" يمكنك أن تشاهد أكوامَ القمامة على ناصيات الأزقة القديمة بما لا يليق بمهد الحضارة والحياة في مدينة هي رابع أقدم مدينة في العالم.
المطلوب ابتداءً من بلدية غزة والفصائل الفلسطينية لإنقاذ "البلدة القديمة", التعامل معها كقطعةٍ جغرافيةٍ بل أثريةٍ موحدة غير قابلة للتجزئة أو التقسيم, وتسمية الحي باسمه حي "البلدة القديمة" وفصله إدارياً وتنظيمياً عن محيطه.
والمطلوبُ الحفاظُ على آثار البلدة وترميمها من أجل الإبقاء على طابعها التاريخي القديم, وبذل المال والجهد لهذا الغرض, لأن في ذلك جزءًا لا يتجزأ من معركة الوجود والمصير مع الاحتلال الإسرائيلي.
شكرا لوزارة السياحة التي أصدرت مؤخرا دليلا سياحيا, ولكن هذا لا يكفي, فالمطلوب تصميم برامج توعوية لساكني "البلدة القديمة" وزائريها منح "البلدة القديمة" المكانة السياحية اللائقة, وتوجيه الأنظار المحلية والوافدة إليها, والعمل على تثقيف الجيل وخاصة طلبة المدارس منهم بمكنونات المنطقة, فكما أنهم يزورون في رحلاتهم المدرسية المتنزهات والملاهي, فعليهم أن يزوروا ماضيهم أيضاً.
 

انشر عبر
المزيد