من جورج جاكسون إلى سميح القاسم: «عدو الشمس» واحد!

25 تشرين الثاني 2021 - 10:14 - منذ 4 أيام

سميح القاسم
سميح القاسم

وكالة القدس للأنباء – متابعة

«يا عدوّ الشمس» عنوان قصيدة الشاعر الكبير سميح القاسم (1939 ـــ 2014)، كانت أيضاً عنوان مختارات من قصائد فلسطينية تولى ترجمتها إلى الانكليزية الأكاديميان ادموند غريب ونصير عاروري خلال حقبة السعبنيات. إلا أنّ الإصدار الذي تجاهلته الصحافة الأميركية على مدى عقود، ها هو اليوم يلقى إقبالاً غريباً في الولايات المتحدة، مع مشروع بإعادة إصدار نسخة جديدة منه. لكن كيف ارتبط الكتاب باسم الناشط والمناضل الأسود جورج جاكسون (1941 ـــ 1971) الذي قضى في سجون النظام في السبعينات؟

«حياة السّود مهمة، فلسطين حرة» تقرأ هذه الكلمات بخط عريض على يافطة كبيرة في وسط بالتيمور أكبر مدن ولاية ميريلاند في الولايات المتحدة الأميركية. ذكّرتني هذه اللافتة بقصة غير معروفة جمعت حينذاك قصيدة «يا عدو الشمس» للشاعر الفلسطيني الراحل سميح القاسم والناشط والكاتب الأميركي الأسود جورج جاكسون. قصة عادت إلى الضوء أخيراً في أميركا، مع «يا عدو الشمس ربما ترفع من حولي جداراً وجداراً وجدار ربما تصلب أيامي على رؤيا مذلة يا عدو الشمس لكن لن أساوم وإلى آخر نبض في عروقي سأقاوم» عن هذة القصة، يقول لنا البروفسور إدموند غريب عن مجموعة قصائد فلسطينية ترجمها مع الأكاديمي نصير عاروري في أواخر الستينات: «أهمية الكتاب تكمن في تجربة معينة يتشارك بها الفلسطينيّون والأميركيون السود، تبقى ماثلة أمامهم هي تجربة جنوب أفريقيا. بالنسبة إلى هذا الموضوع، في زمن الحقوق المدنية، كان هناك منظمة اسمها «لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفيّة» المختصرة بـ «سنيك». من بين قياديّيها رجل اسمه ستوكلي كارماكل.

بعد ذلك، غيّر اسمه واهتم بالعلاقة بين أفريقيا وأميركا. ذهب إلى أفريقيا وغيّر اسمه هناك من ستوكلي كارماكل إلى توري كومي. كان منظّماً بارزاً في حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والحركة الأفريقية العالمية. وُلد في ترينيداد، ونشأ في الولايات المتحدة منذ سن 11 وأصبح ناشطاً أثناء التحاقه بـ «مدرسة برونكس الثانوية للعلوم». كان قائداً رئيسياً في تطوير حركة Black Power، أولاً أثناء قيادته لـ «لجنة التنسيق الطلابية اللاعنفية» (SNCC)، ثم بصفته «رئيس الوزراء الفخري» لحزب الفهود السود (BPP)، وأخيراً كقائد لحزب «الحزب الثوري الشعبي لعموم أفريقيا».
التقى به غريب في العراق. بين 1967 و1968، أصدرت حركة توري بياناً تدعم فيه حقوق الشعب الفلسطيني. كان هناك تعاطف كبير بين الأميركيين من أصول أفريقية مع القضية الفلسطينية. حينها قامت القيامة عليهم وتوقفت المساعدات التي كانوا يحصلون عليها، لكنهم أكملوا ولم يغيّروا وفق غريب الذي يُضيف: «عندما كنت طالباً في الجامعة، أصدرتُ مجلة جامعية كنت رئيس تحريرها، ترجمت فيها بعض القصائد الفلسطينية، منها «يا عدو الشمس» لسميح القاسم. في الوقت نفسه كان نصير عاروري متخرجاً جديداً من الجامعة، ترجم قصائد فلسطينية أيضاً في مكان آخر، كنّا قد اكتشفنا الشعر الفلسطيني في ذلك الحين. أصبح عاروري في ما بعد ناشطاً وأستاذ العلوم السياسية في «جامعة ماساشوستس» ورئيس «جمعية الخريجين العرب الأميركيّين» قبل أن يرحل أخيراً تاركاً مجموعة من الكتب والمؤلفات.

سعر نسخة كتاب «يا عدوّ الشمس» يراوح اليوم من 300 إلى 1600 دولار


اقترح عاروري يومها على غريب العمل معاً، فقسّما الأشعار بعد اختيارها للانكباب على ترجمتها. يقول غريب هنا: «ترجمنا الكتاب واتصلنا بحوالى أكثر من 12 دار نشر لأكثر من سنة ونصف السنة تقريباً خلال السبعينات. وبعد هذه المحاولات، أبدت دار معروفة في بوسطن اسمها Beacon Press اهتمامها بنشر الكتاب، خصوصاً بعدما أُعجب رئيس التحرير بالقصائد، لكنه اعتذر لأنّ مجلس الإدارة لم يوافق على نشرها، بالطبع لأسباب سياسية. كان رئيس التحرير كارل سنت نفسه يعلّم في هارفرد، وأصله من جامايكا أجرى مقابلة مع غريب عن الأشعار الفلسطينية في برنامجه الإذاعي، ثم دلّه على دار نشر في واشنطن اسمها Drum and Spear press متخصّصة في إصدار كتب عن الأميركيين السود. وافقت هذه الدار على نشر الكتاب، وطبعت عشرة آلاف نسخة. بعد حوالى سنة، بيعت كل النسخ، لكن لم يُذكر الكتاب في أي صحيفة أميركية، ما عدا بعض المراجعات في المجلات الأكاديمية.

جاكسون و«عدو الشمس»
يُكمل غريب بأنّه قبل سنتين ونصف السنة تقريباً، اتصل أحدهم به من «جامعة تافس»، أخبره عن قصة مفادها أنّه وجد بين كُتب جورج جاكسون أحد القياديّين الأميركيّين في «بلاك بانتر» بعد مقتله في السجن، قصيدة مكتوبة بخط يده بعنوان «عدوّ الشمس». اعتقد أتباعه في «بلاك بانتر» أنّه هو الذي كتبها، فنشروها في إحدى الصحف التي تهتم بشؤون الأميركيّين السود. بعد فترة أرسلت إدارة السجن أغراضه إلى أمه، فوجدت الكتاب المترجم «عدو الشمس». أصلحت الأم المعلومات وقالت إنّ القصيدة ليست لابنها. اهتم غريغ توماس الأستاذ في تافس بالموضوع وكتب مقالة أكاديمية طويلة عن قصة الكتاب. بعد فترة وجيزة، اتصلتْ بغريب شاعرة وكاتبة وأكاديمية من «جامعة كاليفورنيا» تُدعى دافني ميوز أجرت مع غريب مقابلة تتمحور حول الروابط والتجربة المشتركة. أخبرت ميوز غريب بأن والدها كان باتلر في البيت الأبيض عرّفها على اللبنانية الأميركية هيلين توماس (أول امرأة عضوة ورئيسة لجمعية مراسلي البيت الأبيض». توماس أخبرت ميوز القصة فكتبت عنها. أسهمت ميوز مع نشطاء في إنشاء معرض عن العلاقة بين الفلسطينيّين والأميركيّين السود في بوسطن وكاليفورنيا ورام الله. كذلك عقدت ندوة عن هذه العلاقة في كاليفورنيا.



gf

تقارب ميوز العلاقة بين معاناة الفلسطينيّين والأميركيّين السود بالقول: «تاريخياً وحالياً، هناك موازاة واضحة بين الأميركيّين السّود والفلسطينيّين من التمييز العنصري واعتقال الشباب إلى الطرقات والأحياء والنقل والبيوت والمدارس المخصّصة للبيض فقط. إن استعلاء العنصر الأبيض في الولايات المتحدة يُشبه إلى حد كبير الاحتلال في فلسطين». يقول غريب إن سعر نسخة الكتاب اليوم في المزاد العلني تراوح من 300 إلى 1600 دولار. علماً أن سعر النسخة لدى إصدار الكتاب كان دولارين ونصف دولار. لذا، بعد مطالبات عديدة، بات يفكر حالياً في إعادة نشر الكتاب. فقد أخذ حق إعادة طبع الكتاب، بعدما وافقت أسرة عاروري ودار «درام إند سبيرز» (استمرت Drum & Spear في العمل حتى فرضت الديون إغلاقها في عام 1974). يقول شارلي كوب أحد مديري الدار: «لم ندرها جيداً كعمل تجاري، لقد كانت مكتبة حركة للنشطاء السود». ولكن كتاب «عدو الشمس» كان مختارات من الشعر الفلسطيني، وقصائد المقاومة الفلسطينية، التي تعتبر الآن عملاً كلاسيكياً يحظى بإعجاب واسع في المجتمع الفلسطيني ومجتمع الأميركيين السود».

من هو جورج جاكسون؟
قُتل جورج جاكسون (1941 ـ مواليد شيكاغو) على يد حراس السجن في 21 آب (أغسطس) 1971، بعد نصف قرن، تستحق قصته أن تُروى لجيل جديد من النشطاء. سجن جاكسون بعد إدانته بالسطو ظاهرياً لسرقته 70 دولاراً في سن 18 عاماً، وحُكم عليه بالسجن لمدة أقصاها مدى الحياة وأدناها سنة واحدة في حال قرّرت إدارة السجن ذلك. ظلّ جاكسون في السجن لسنواتٍ تحت أكثر الظروف إهانةً للإنسانيّة، فقط لأنه أيقنَ أنّ السواد لا ينبغي أن يكون شارة خنوعٍ، بل رايةً لنضالٍ ثوريٍّ لا هوادة فيه. وقد قُتل لأنّه جعل ذلك دفتراً مفتوحاً يضيف إليه رفاقه السجناء؛ إذ لفّقت له تهمة قتلٍ مزعومة لأحد حراس السجن، وتحمل هذه التهمة تلقائياً عقوبة الموت. عندما قُتل جاكسون، كان في التاسعة والعشرين من عمره، أمضى منها 11 عاماً خلف القبضان، قضى سبع سنواتٍ منها وحيداً في سجنٍ منفرد. ارتبط اسم جاكسون بثورة الشعب الفلسطيني ومعاناة أسراه في السجون الإسرائيلية بعدما وجدت في زنزانته أكثر من 99 كتاباً من بينها قصيدة «يا عدو الشمس» لسميح القاسم. كان جاكسون يعتبر أن منبع الظلم والقهر واحد. أحسّ أنّ لغةً واحدةً ينطق بها السود والأسرى الفلسطينيون، فما كانت تناضل من أجله المقاومة الفلسطينية، كان هو و«حزب الفهود السود» يناضلون من أجله أيضاً.


Capture

أصدر «حزب الفهود السود» خمسة بياناتٍ رسميةٍ حول فلسطين، كما أتاح مساحةً لأعضاء من منظمة التحرير الفلسطينية للكتابة في مجلة الفهود السود الإخباريّة.
رفع جاكسون شعار انعتاق الأقليّات والتحرّر الطبقي وإنهاء التمييز العنصري. كان ورفاقه في «حزب الفهود السود» يؤمنون بأنّ الانعتاق لن يكون متاحاً إلا إذا تمكّنت الأقليات العرقيّة من إدارة شؤونها بنفسها خارج سيطرة الدولة ومنظومة السلطة الهرميّة، بتأسيس شبكةٍ من التضامن والتكافل الاجتماعي، وبنيةٍ تحتيّةٍ متكاملةٍ للنضال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
كتب جاكسون لاحقاً في كتابه Soledad Brother إن «الأسر والسجن، هما أقرب ما يمكن أن يمر بهما المرء في هذه الحياة من الموت».
ألّف جاكسون كتابين وهو في السجن هما (1970) Soledad Brother، وكتاب Blood in my Eye. هذه القصة غير المعروفة جديرة بأن تُكتب وتُنشر، قصيدة تعبر القارات، كلماتها الممزوجة بالألم الفلسطيني تلج في عمق القهر الذي يعانيه الأميركيون السود، تثبت أن هناك ارتباطاً بنيوياً بين القضيتين، فالمعاناة الإنسانية لا تتجزأ.

المصدر: الأخبار اللبنانية - سعدى عبدالله

انشر عبر
المزيد