الداخل الفلسطيني المحتل عام 48..

ظاهرة منصور عباس إستمرار لعزمي بشارة وأيمن عودة

16 تشرين الثاني 2021 - 10:35 - الثلاثاء 16 تشرين الثاني 2021, 10:35:04

عباس وعودة من الاتفاق الى الافتراق
عباس وعودة من الاتفاق الى الافتراق

بقلم: راغدة عسيران

شكّلت مشاركة منصور عباس (القائمة العربية الموحّدة)  في الإئتلاف الحكومي الصهيوني صدمة للأحزاب السياسية الفلسطينية في الداخل الفلسطيني المحتل عام 1948، وخاصة لدى الأحزاب المشاركة في الكنيست الصهيوني (القائمة العربية المشتركة) حيث اعتبرت أنه تخطى الخطوط الحمر التي كانت قد حدّدتها القوى الوطنية الفلسطينية، باعتبار ان مشاركته في الائتلاف الحكومي الصهيوني بقيادة نفتالي بينيت يعدّ من أخطر التنازلات عن القضية الوطنية، إضافة الى التصريحات الاستفزازية التي أدلى بها مؤخرا إزاء الأسرى وقطاع غزة.

يعتبر منصور عباس من الجيل السياسي الجديد الذي صعد بعد اتفاقيات أوسلو، في حزب لم تكن مواقفه خالية من الشبهة في كثير من الأحيان، كمشاركته في انتخابات الكنيست، خلافا للشق الشمالي من الحركة الإسلامية الذي يتزعمه الشيخ رائد صلاح، ثم تأييده خطة شارون للانسحاب من قطاع غزة عام 2005، خلافا للأحزاب الفلسطينية الأخرى التي رأت في خطة "إعادة الانتشار" في تلك الفترة تمهيدا لتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والجليل والنقب وإحكام السيطرة على القطاع من خارجه، أي محاصرته. ثم، ورغم العمل من أجل حماية المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية كافة، الى جانب الشق الشمالي من الحركة الإسلامية، كان مشايخ الشق الجنوبي يلتقون ويرحّبون بالمشايخ المطبّعة القادمة من أوروبا، والمعروفة بتعاملها مع الحركة الصهيونية، أمثال الشيخ الشلغومي في فرنسا.

فمنصور عباس ينتمي الى حزب إسلامي لم يضع انتماءه الفلسطيني في المقدمة، بل اعتبر أنه يمكن المحافظة على الهوية الإسلامية ضمن كيان يهودي صهيوني، والتعايش، كأقلية إسلامية، مع الهويات الدينية الأخرى. فشارك في انتخابات الكنيست الصهيوني قبل الأخيرة ضمن قائمة ضمت الأحزاب العربية والحزب الشيوعي (القائمة المشتركة) قبل أن ينفصل عنها في الانتخابات الأخيرة ويخوض المعركة منفردا، ليحصل على 4 مقاعد مقابل 6 مقاعد للقائمة المشتركة.

كيف وصل الأمر الى أن يشارك منصور عباس، كممثل لحزب إسلامي، في الحكومة الى جانب الصهاينة الأكثر تطرفا في كيان العدو؟

يمكن النظر الى المسألة من الناحية التراكمية من جهة، خاصة بعد اتفاقيات أوسلو التي جزأت سياسيا القضية والأرض والشعب، ومن ناحية تردي أوضاع الفلسطينيين في الداخل، خاصة بعد موجة الجريمة المفتعلة من قبل المؤسسة الأمنية الصهيونية لإضعاف المجتمع، ومن ناحية الصراع الداخلي الصهيوني المتنامي حيث لم تعد هناك شخصيات قادرة على توحيد الغزاة حول برنامج صهيوني متماسك، ما مكّن الأحزاب الفلسطينية من لعب أدوار مفصلية في التركيبة السياسية "الإسرائيلية".

لم يكن منصور عباس الأول من بين النخبة الفلسطينية في الداخل المحتل الذي حاول اللعب على تناقضات الصهاينة للحصول على موقع سياسي داخل المؤسسة الاستيطانية. لقد سبقه الكثير من هذه النخبة، أي من الأحزاب المشاركة في الكنيست الصهيوني، بناءا على وهم، كما هو وهم "الدولة الفلسطينية المستقلة" في الضفة الغربية وقطاع غزة. فتوهّم بعض من هذه النخبة السياسية أنه، بانفصال فلسطينيي 48 سياسيا عن باقي الفلسطينيين، باستطاعتهم، بمساعدة المجتمع الدولي الليبرالي وأمواله، الانخراط كلاعبين سياسيين في كيان العدو والمطالبة بحصة في "الدولة"، لكي يصبح كيان الغزاة "دولة كل مواطنيها" وليس دولة اليهود فقط.

لقد انتجت اتفاقيات أوسلو المشؤومة وهم امكانية تغيير الكيان الصهيوني الاستيطاني الى كيان عادي يعيش فيه "المواطنون" مع حفظ الانتماء القومي "للأقلية العربية" والثقافي والديني، وتحسين الأوضاع المعيشية والكفّ عن مصادرة الأراضي والتضييق على حيّز الفلسطينيين وإزالة القوانين العنصرية إزاء الفلسطينيين في الكيان. فشاركت الأحزاب في تصوراتها المستقبلية داخل كيان العدو، في خضم انتفاضة الأقصى وصعود المقاومة، وتمكّنت من طرح عدد من القضايا المهمة للشعب الفلسطيني من خلال التحرك الجماهيري في الشارع، وليس من خلال الكنيست الصهيوني.

رغم اعتدال التصورات المستقبلية نسبة الى الطموح الفلسطيني (التحرير والعودة)، لم تتحمّلها المؤسسة الصهيونية بكل أجهزتها، الأمنية والإعلامية والإدارية، كونها صادرة عن الفلسطينيين أي غير اليهود، وكونها تدعو الى محو جوهر الكيان الاستيطاني، عقيدته الصهيونية. فشنّت هجومها على كل الجبهات، بالملاحقات السياسية والاعتقالات وتصاعد العنصرية ووتيرة التهويد، وحظر المؤسسات ومنع الأموال عن الجمعيات المدنية، وتدنيس المقدسات (المقابر والكنائس والمساجد)، وهدم البيوت، في حين كانت جماهير الداخل تنتفض دعما للمقاومة في قطاع غزة ودعما للأسرى وللقدس وضد خطة برافر الاقتلاعية في النقب، أي حول القضايا الوطنية التي كانت توحدها ضد المؤسسة الصهيونية.

أدى وهم إمكانية تغيير طبيعة المستوطنة الصهيونية من الداخل، أي من داخل مؤسساتها السياسية، الذي سوقّته الأحزاب المشاركة في الكنيست، الى التعويل أكثر فأكثر على العلاقات مع الصهاينة، في الجامعات والنوادي البحثية والجمعيات "المختلطة" وصحفهم، والنقاش مع أحزابهم ومن بينهم رئيس الحكومة السابق بنيامين نتنياهو، من أجل تطوير ميزانيات البلديات العربية وتنميتها وحلّ مشاكل مدارسها، وتخصيص حصة "للعرب" في تطوير المناطق الصناعية والتكنولوجية. ففصلت هذه الأحزاب نفسها عن الجماهير ولم تعد تمثلها، لا سيما بعد تصاعد الخلافات بينها وتصاعد نسبة مقاطعة انتخابات الكنيست.

وبدلا عن البحث عن الأسباب الحقيقية لتراجع شعبيتها وتغيير منهاجها التفاوضي على ميزانية أو جامعة أو مستشفى (رغم أهمية هذه الأمور)، وبث الحيوية والأمل والارتباط بشعبها في الداخل والخارج، اعتبرت هذه الأحزاب أن وحدتها في "اللائحة المشتركة" قد يشكل المخرج للأزمة، والحصول على مقاعد أكثر يمكّنها من المناورة واللعب على تشرذم الأحزاب الصهيونية. فكان التصويت المخجل لبني غانتس القاتل لأهل غزة، بدلا عن نتنياهو، لقيادة حكومة لم تر النور أصلا، مقابل لا شيء، سوى تصاعد الخلافات الداخلية بينها والاتهامات المتبادلة، ليدخل منصور عباس من الباب المفتوح ويواصل السقوط، من خلال تبنيه مشروع النهوض الاقتصادي والمعيشي المفترض للمجتمع الفلسطيني، مع التخلي التام والحاسم للقضية الوطنية.

رغم هذا التخلي، لم ينج بعد منصور عباس من "الغلاة" الصهاينة، الذين يشاركهم في الحكم، لأنه فلسطيني، عربي ومسلم، فتوالت الاتهامات ضده، تارة لأنه ينتمي الى حزب إسلامي، وتارة أخرى لأن لحزبه مؤسسات خيرية لم يطالها بعد الحظرالصهيوني، كما طال المؤسسات الخيرية والتنموية الأخرى في الوسط الفلسطيني. فأصبح الذريعة لدى بعض الصهاينة لمحاربة خصومهم، كما يعتقد هو أيضا، وكما يعتقد النواب الفلسطينيون الآخرون، أن بامكانهم تحصيل بعض الفتات الاقتصادية من هنا وهناك، باللعب على تناقضات الأحزاب الصهيونية.

ما أوصل منصور عباس الى هذا المستوى من العمل السياسي داخل المؤسسة الصهيونية، حيث يعمل الآن كوسيط مع الأردن لصالح الحكومة الصهيونية، هو التراجع المتزايد لهذه النخبة التي فصلت نفسها عن الشعب والتي تخطط ضمن دائرة ضيقة لكسب بعض الفتات، بدلا من النظر الى وضع الشعب الفلسطيني ككل ومقاومته وتضحيات أسراه، وأهله الصامدين في القدس، والتخطيط على هذا الأساس.

شكّلت بعض المحطات النضالية خلال هذا العام فرصة لإعادة حسابات هذه الأحزاب، مثل خروج الجماهير في البلدات والمدن للتصدي لموجة الجريمة التي تفتعلها وتشجعها المخابرات الصهيونية، ورفضها الواسع لوجود مراكز للشرطة الصهيونية في هذه البلدات، ثم التصدي الجماهيري في مدينة أم الفحم للجريمة، الذي تضمن رسالة قوية للمؤسسة الصهيونية وأعوانها، ثم المشاركة الفعالة للشباب في القدس لمنع التهويد ومن أجل حماية أهل الشيخ جراح وسلوان، وانتفاضتهم في المدن (اللد وعكا خاصة) خلال معركة سيف القدس، لحماية أهلهم من هجوم المستوطنين القتلة.

تستغل المؤسسة الصهيونية تصاعد وتيرة الجريمة في الوسط الفلسطيني للقضاء على الجماهير غير المنضبطة حول الأحزاب المعترف بها، فمزجت بين الجريمة المتفشية والانتفاضة الشبابية في شهر أيار/مايو الماضي، التي استخدمت أحيانا السلاح، لحث النخبة السياسية الفلسطينية على القبول بوجود الشرطة و"الشاباك" في البلدات والأحياء بذريعة حماية الفلسطينيين، وعلى المشاركة في "تنظيف" المناطق من السلاح "غير الشرعي"، أي الإقرار بأن سلاح الأجهزة الأمنية الصهيونية هو السلاح الشرعي الوحيد. هل ستشارك الأحزاب في ضبط الشارع بحجة "السلاح المنفلت" الذي يعاني منه المجتمع الفلسطيني؟  

ساعد تخبّط أحزاب "المشتركة" إزاء هذه المعادلة وطروحات أخرى على تقدّم منصور عباس في تعامله مع الصهاينة، فقايض بناء مستشفى في الوسط العربي مقابل نفي انتمائه الفلسطيني وساعد الحكومة الصهيونية على تجاوز أزمة ميزانيتها المستعصية منذ أيام نتنياهو مقابل فتات معيشية.

يمكن اعتبار ظاهرة منصور عباس داخل الأراضي المحتلة عام 1948، نسبة الى الأحزاب الفلسطينية الأخرى، هي استمرار لظاهرة عزمي بشارة وأيمن عودة، وتتساوق مع ظاهرة دولة الإمارات التي تجاوزت الحدود للتطبيع مع الكيان، التي توافقت عليها الدول العربية الأخرى. لكن، بالأساس، كانت جريمة الاعتراف بالكيان الصهيوني والتعامل معه...

 

 

انشر عبر
المزيد